آخر تحديث:17:11(بيروت)
السبت 20/02/2021
share

باسم ياخور يتجول في دمشق..فنان السلطة ينتصر على مواطنيه!

وليد بركسية | السبت 20/02/2021
شارك المقال :
باسم ياخور يتجول في دمشق..فنان السلطة ينتصر على مواطنيه!
لا مجال لتصديق أن الممثل السوري باسم ياخور ينحاز أخيراً للشعب السوري في محنته الاقتصادية والمعيشية، لمجرد نشره مقطع فيديو عبر قناته في "يوتيوب" يتحدث فيه عن انهيار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي وانخفاض قيمتها الشرائية، وهو موضوع محرم إلى حد كبير في الإعلام الرسمي منذ العام الماضي عندما أصدر رئيس النظام بشار الأسد مرسوماً جرّم نشر "الأخبار الوهمية" عن سعر صرف الليرة، في تجسيد فعلي لاعتبار النظام المشكلة الاقتصادية في البلاد "وهماً" حسب تعبير المستشارة الرئاسية بثينة شعبان.

فمقطع الفيديو الذي نشره ياخور واحتفت به وسائل إعلام موالية على أنه جهد إعلامي شخصي يعوض إهمال الإعلام الرسمي للواقع المعيشي من جهة، وقلة حيلة الناشطين الموالين والمدنيين أنفسهم أمام عنف الدولة البوليسية التي تعتقل كل من "يوهن نفسية الأمة" من جهة ثانية، ليس جهداً استقصائياً لكونه يتحدث باستخفاف وسطحية عن مشكلة معروفة يعانيها ملايين السوريين، كما أنه ليس اجتهاداً نقدياً يتجاوز فيه ياخور الخطوط الحمر ويرمي بثقله كفنان مشهور يمتلك صوتاً قادراً على خلق حالة عامة لا تحرج النظام الفاقد للإحساس الأخلاقي أصلاً، بقدر ما تنفس غضب السوريين، وهو الدور الذي يحاول ياخور لعبه منذ سنوات من دون تحقيق نتيجة تذكر، بوصفه فنان السلطة المدلل.

لا يظهر ياخور هنا ضمن دور درامي مثل العادة، بل يظهر بشخصيته الحقيقية بوصفه "يوتيوبراً" باحثاً عن الشهرة في مواقع التواصل، لا أكثر. وربما يحاول نقل خطابه الدعائي من الدراما المحلية التي لا يتابعها أحد وفقدت قدرتها على التأثير، إلى جمهور السوشيال ميديا التي تعتبر بديلاً من وسائل الإعلام التقليدية في البلاد، والتي أفرغها النظام تدريجياً من الأصوات الناقدة له، إثر معركة حلب العام 2016 وترويجه بعدها لخطاب الانتصار على الإرهاب، وانتفاء الحاجة للأصوات الإعلامية التي خلقها قبل ذلك، وتضمنت ناشطين وصحافيين أنشأوا صفحات وحسابات في مواقع التواصل، لمواكبة جيش النظام من جهة وترويج الدعاية الرسمية من جهة ثانية، قبل تحولهم إلى مهمة الانتقاد الحكومي ما أثار سخط السلطات في دمشق، وأفضى لحملة تهديد واعتقال طاولت أسماء معروفة من بينها الناشط وسام الطير الذي اعتقل نحو 9 أشهر أواخر العام 2018.

وعليه، يطرح ياخور تحدياً على متابعيه للإجابة عن تساؤل أساسي هو "ماذا تستطيع الـ1000 ليرة سورية أن تشتري اليوم"، ويسعى في نهاية الفيديو إلى دعوة فريق العمل إلى وجبة شواء بالمبلغ المذكور. ويتجول في الشوارع سائلاً عن الأسعار وملتقطاً صور السيلفي مع السكان والباعة، من دون أن يتحدث معهم عن همومهم بقدر ما يستهزئ بها، فالألف ليرة اليوم وبالدليل القاطع، تشتري "عرنوس ذرة" وزوجاً من الجوارب و5 حبات من الجوز ولعبة صغيرة للأطفال وبعض الحلويات والمأكولات من محلات حرص ياخور على الترويج لها كإعلان جانبي على ما يبدو، حتى أنه يشتري بعض المازوت الثمين المفقود في البلاد أيضاً.


لا يدفع ياخور مبلغ الألف ليرة على كل تلك الأمور مجتمعة بل هي نماذج لما تشتريه الألف ليرة، مقارنة بما كانت تساويه سابقاً، لكنها مازالت تمتلك قيمة شرائية حسبما يصر ياخور مراراً وكأنه يقرع السوريين ممن يشتكون من غلاء الأسعار ومن الفقر والسياسات الاحتكارية الرسمية. وينجح في نهاية الفيديو في التحدي عندما يقيم وليمة من البطاطا المشوية لفريقه في "يوتيوب". وينتهي الفيديو بهذا الانتصار الصغير، حيث الحياة تستمر والعصافير تزقزق ولا وجود للمشاكل إلا بالحد الأدنى الذي يستوجب الضحك والاستهزاء، في وقت تصل تلك الرسالة السامة إلى جمهور أوسع عطفاً على شهرة ياخور كفنان بقاعدة شعبية عربية.

والحال أن الأمم المتحدة تقدر أن 80% من السوريين المقيمين في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، وقالت هذا الأسبوع أن الأمن الغذائي تحديداً بات من أكثر الاحتياجات إلحاحاً، فيما يقدر برنامج الأغذية العالمي أن ما لا يقل عن 12.4 مليون شخص، أي 60% من السكان، يعانون انعدام الأمن الغذائي والجوع، حيث زاد هذا العدد بـ4.5 مليون شخص خلال عام واحد. كما يقدر أن نحو مليوني سوري يعيشون في فقر مدقع، فيما يصل عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس إلى 2.4 مليون.

وقبل 10 سنوات كاملة أحجم ياخور عن المشاركة في التظاهرات المنددة بنظام الأسد، والتزم الصمت واتخذ موقف الحياة، ليعتبر موقفه بشكل عام خيانة لثورة شعب طالب بالحرية. وتدريجياً مع مرور السنوات خرج ياخور عن صمته بتكراره خطاب السلطة ودفاعه عن نظام الأسد. وبدأ يروج لنفسه كفنان ناقد للسلطة في القضايا المحقة، العام 2019 عندما نشر صورة لنفسه يحتضن جرتين من الغاز أثناء الاحتجاجات العامة على مشاهد الطوابير التي شهدتها البلاد نتيجة فقدان مادة الغاز المنزلي، والتي بلغت حد إرسال رسائل في مواقع التواصل من فنانين وشخصيات عامة، للأسد والقيادة الحكيمة من أجل التدخل لحل مأسأة الشعب السوري الاقتصادية.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ ياخور يبرز بوصفه فنان السلطة المدلل، وبات يطرح نفسه كنسخة أكثر شباباً من الممثل دريد لحام، الذي يتهم على نطاق واسع بالولاء للنظام والتعامل مع الأجهزة الأمنية لتقديم أعماله الناقدة الساعية فقط إلى امتصاص غضب الشارع في لحظة معينة وإعطاء انطباع زائف بوجود حريات وهامش للنقد في البلاد. وتكررت محاولات ياخور للعب هذا الدور في مسلسلات مثل "ببساطة" الذي أشرف عليه وعرضته قناة "لنا" شبه الرسمية العام 2019، وصولاً إلى تقديمه برامج تلفزيونية على نفس القناة مثل "أكلناها".

ويراهن النظام ربما على ياخور (47 عاماً) للعب هذا الدور لعوامل متشابكة، فهو رغم مجاهرته بالولاء للنظام السوري وتأييده لجيشه، بقي محافظاً على علاقاته مع فنانين معارضين، كما أبقى موالاته للنظام إعلامياً في الحد الأدنى، ولم ينجرف نحو حملات التخوين والردح المتبادلة بعد الثورة، وصولاً لكونه الاسم الأبرز من بين الأسماء النشيطة حالياً والتي لم تعلن معارضتها أو انشقاقها عن صفوف النظام، وبالتالي يمكن رسم صورة له كفنان وطني يتحدث بهموم "كل السوريين". وهو ما يجعله يحظى بإمكانية التصوير والتجول في العاصمة دمشق بهذه الحرية، في وقت يعتقل فيه النظام من يصور الطوابير المنشترة في الشوارع حسبما أشارت تقارير ذات صلة مؤخراً.

وإن كان لحام امتلك في يوم من الأيام سمعة التصاقه بقضايا الناس، قبل أن يفقد مصداقيته مع انطلاق الثورة السورية، فإن ياخور لم يمتلك تلك السمعة في يوم من الأيام، ولا تشكل محاولاته لبناء تلك الصورة، عبر تعليقاته السياسية الخجولة أو مغامراته كناشط إعلامي في شوارع دمشق، أي فرق حتى ضمن البيئة الموالية للنظام نفسها، لأن مستوى الضغط الذي يعيشه السوريون اليوم يفوق بمراحل كثيرة ما يقدمه ياخور أو يتحدث عنه. وإن كان ذلك الجهد يكسب ياخور ود أولئك الناس الذين يرحبون به ويتلقطون معه الصور في الشوارع، فإنه لا يقنعهم، طالما أنه لا يتجاوز مستوى التعبير الذي يستطيعون البوح به شخصياً من دون خوف من الاعتقال أو الملاحقة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها