آخر تحديث:19:57(بيروت)
الثلاثاء 16/02/2021
share

بالفيديو: جورج ياسمين يهاجم أبرز رموز الشيعة اللبنانيين

نذير رضا | الثلاثاء 16/02/2021
شارك المقال :
لعل من أسوأ تبعات الخطاب الرائج في ظل الانقسامات السياسية، الغوص في الطائفية، وتزوير التاريخ، والبناء على اعتقادات خاوية لتأليب الرأي العام المسيحي في وجه خصوم سياسيين، استناداً الى ما يعتقده القائل، أو يستحضره على عجل من كتب التاريخ. 
لكن جورج ياسمين، مذيع الأخبار في قناة "أو تي في" ومقدم أحد برامجها السياسية، والذي لا ينفكّ يكرر بأنه يقرأ الكتب، هو في الواقع عاجز عن تكوين ثقافة. يقرأ ما يعزز اعتقاداته من التاريخ، وهو ما أدى به الى ارتكاب خطأ كبير بحق شخصية نضالية كبيرة بحجم أدهم خنجر، وإسقاط دعاية تحريضية ضده، قد تكون من أبرز تبعاتها إسقاطه من الذاكرة اللبنانية كثائر من جنوب لبنان، قارع الاحتلال الفرنسي، وأعدمته القوات الفرنسية في زمن الانتداب بعد إلقاء القبض عليه في جنوب سوريا، في منزل الأمير سلطان باشا الأطرش الذي كان قد حماه ومنع الفرنسيين من اعتقاله، لكنهم في ما بعد اغتنموا خروج الأطرش وداهموا البيت. 

في برنامجه الحواري، الإثنين، كان مصراً على أن خنجر، ارتكب مجازر بحق المسيحيين! قال كلمته من غير أن ينفي أن خنجر كان بطلاً، لكنه حاول بهذا الاتهام تهشيم صورته، والتشويش على حقيقة لا خلاف عليها بأن خنجر واحد من أبرز رموز النضال لدى الشيعة في مطلع القرن الماضي، ولعله يتصدرها، ليس لكونه أطلق النار على الجنرال غورو، فأصابت الرصاصة كمّ يده، بل لأنه ابن "بيك" تمرّد على واقعه، وانحاز الى الفقراء، واختار طريق النضال ودفع ثمنها، بداية في المنافي بين سوريا وفلسطين والأردن، وصولاً الى القاء القبض عليه وإعدامه. 

وخنجر، في نظر الكثير من الشيعة، رمز نضالي وقيادي جاء بعد نحو مئة عام على رمز جنوبي آخر، هو الشيخ ناصيف النصار، الذي قتل في حملة لوالي عكا، أحمد باشا الجزار، على جبل عامل. وسار كثيرون على نهج خنجر، لمقارعة الانتداب الفرنسي، ومن أبرزهم صادق حمزة الفاعور، وحسين بزي وغيرهما من المقربين من السيد عبد الحسين شرف الدين، أحد أبرز القيادات الجنوبية في ذلك الوقت. 

وبهذا الاتهام، ينتقل ياسمين من وصف خنجر بأنه "قاطع طريق" (وهي نقطة الخلاف التي حالت دون ذكره في كتب التاريخ التربوية في لبنان)، الى "قاتل" ارتكب مجازر بالمسيحيين. هو اتهام لا يقتصر نفيه على بطلانه فحسب، بل يستدعي الإدانة والاستنكار لأنه اتهام باطل، وتحريضي، ويتهم القيادات الشيعية بإقصاء الآخر من جنوب لبنان، وهو ما تنفيه الوقائع منذ 1860، وصولاً الى الحرب اللبنانية، حيث لم تُسجل حالة تهجير واحدة من الجنوب.. وأكثر من ذلك، حين واجه المسيحيون مخاوف وجودية في حقبة الثمانينيات الماضية، تقاسم أهالي الجنوب سلاحهم المعدّ لقتال إسرائيل مع أبناء القرى المسيحية لحماية أنفسهم، وتلك وقائع لا يدحضها أحد، وهي موثّقة.. ولا داعي لذكر تفاصيلها الآن. 

ويبدو أن القارئ ياسمين، لم يفتح كتاب "أدهم خنجر" للكاتب الدكتور جهاد بنوت الصادر في العام 1998، لمعرفة اي تفصيل مرتبط بهذا الثائر الجنوبي، حفيد الثائرّين حسين شبيب آل صعب ومحمد علي شبيب آل صعب منذ العام 1840. الأول واجه القوة العسكرية المصرية وقتل في معركة في برّ الشام (في منطقة حدودية بين لبنان وسوريا)، أما الثاني وإلى جانب دوره في مقارعة القوة المصرية، آوى المسيحيين الفارين من المقاتلين الدروز آنذاك في العام 1860 في منزله في المروانية في جنوب لبنان، وقدم لهم الحماية، بحسب ما يذكر الكاتب شاكر خوري في كتابه "مجمع المسرّات".  

من هؤلاء، جاء أدهم خنجر مناضلاً وثائراً. أدهم خنجر ابن البيت المتمكّن مالياً، الصياد الماهر، والمتعلم، وابن العزّ والوجاهة الذي اختار النضال ضد قوة الاحتلال آنذاك. ولم يتوانَ خنجر عن قتل المتعاملين مع المحتل، من مسلمين ومسيحيين. لم يفرّق بينهم، عملاً بمنهج الثوار في كل دول العالم آنذاك حين لا تكون هناك حكومات مركزية، أو تكون الدول مسلوبة الإرادة وواقعة تحت الاحتلال، وفرنسا واحدة منهم في الحرب العالمية الثانية.. واختار خنجر التمرّد على الاقطاعيين الذين ينحدر منهم، بهدف إطعام الفقراء، وتأمين تعليمهم. 

وإذا اشتبه ياسمين بحادثة عين ابل التي قتل فيها مسيحيون في أوائل ربيع 1920، التي لم يكن خنجر أو صادق حمزة الفاعور جزءاً منها، فإنه من المفيد تذكيره بأن الحادثة المدسوسة أظهرت أن القوات الفرنسية استغلتها للقيام بحملة عسكرية واسعة استخدمت فيها الطائرات الحربية في جنوب لبنان ترافقت مع حملة شبيهة في جنوب سوريا، لتأمين معركة دمشق التي وقعت في ميسلون في تموز/يوليو 1920.. ولم تمنع حملات البطش خنجر ورفاقه من مواصلة النضال. 

على أي حال، هذا الاختلاط بالمفاهيم ينطبق أيضاً على جمع ياسمين في الحلقة نفسها بين "الديموقراطية التوافقية" و"الديموقراطية العددية"، وهما شيئان منفصلان وليس هناك من مفهوم واحد باسم "الديموقراطية التوافقية العددية" كما قال، وهو تفصيل في خطاب سياسي لن نخوض فيه..

لكن لو قُدّر للكاتب جوزيف حرب عُمرٌ أطول، وأنجز المسلسل الذي كان يكتبه عن أدهم خنجر استناداً الى وثائق فرنسية تنفي اقصاءه للمسيحيين، لكان تسنّى لياسمين وآخرين أن يطلعوا على سيرة ثائر من طراز أدهم خنجر، يعده اللبنانيون في جنوب لبنان جزءاً مشرقاً من تاريخهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها