آخر تحديث:13:40(بيروت)
الخميس 11/02/2021
share

ڠرايس: امرأة المقهى.. بعض بيروت المُفتَقَدة

رنا قاروط | الخميس 11/02/2021
شارك المقال :
ڠرايس: امرأة المقهى.. بعض بيروت المُفتَقَدة
أكتب يوميًا تقريبًا… أسبوعيًا على أقل تقدير.
الكتابة مهنتي التي رسَوت عليها طوعًا مع إقبالي على منتصف العمر. أتت بعد عملي لسنوات في مجالات تدور حولها، من دون أن تدخلها صراحةً، فحضّرتني لها وأعطتني بعض أدواتها التي لا تنتهي، بل تتجدد.

هذا في ما يخص الكتابة كصنعة. أما وجدانياً، فالشغف بها أمر آخر، لأني "أخرج" إليها بغبطة وسعادة كما للقاء حبيب. هي بالنسبة إلي، فعل حميم، وغالبًا ما أنسى أنها مقرونة ببوح النشر.

ثم أكثر ما يمتعني هو الكتابة عن شوارع وعمارة المدينة، إطار ذاكرتي الخاصة والجماعية. تليها الكتابة عن شخصيّاتها الملفتة، لإيماني بمدى تأثيرهم في من يعرفهم أو يعاشرهم. هكذا، أحسب أن الكلمات عنهم تنبض بالأنفاس، والسطور اختزالات لمسارات حيوات قد تغدو- بفعل التراكم- أرشفة ما، ضمن خصوصية مكان وزمان. وشهادات السكان حول بيئاتهم المتنوّعة "وثائق" أصدق من دروس التاريخ التي يصنعها النظام، فتتناول خسائر وانتصارات غير متفق عليها، تبتغي غالبًا إعادة إنتاج الواقع نفسه وفق ما لا يخلّ بـ"الذوق" و"الأمن" العامَّين، بدلاً من محاولة الإثراء والنقد.

مع الوقت، وإثر ترددي إلى مقهاها الواقع على طرف الشارع النابض، تحوّلت "ڠرايس" إلى زميلةٍ لي في عمل لا يأسرنا ضمن دوام أو مجال محدد. أتذكر كل شيء الآن، قبل استحال كورونا والإقفال العام وتباعدنا جميعاً عما كنا نظنها يومياتنا التي لن تتغير.

حدث الأمر بعدما اخترتُ أن يكون "مكتبي الحر"، على طاولة وكرسيين في بيتها المفتوح (Public House)، ولقد دام لي نحو سنوات ثلاث متوالية، على غرار فسحة صغيرة منحتني الطاقة التي أردتها بالتمام والكمال: لطيفةً، لا تطحن كما وسط جدران الحجرات... محفّزة، لا تهدر الطاقة كما داخل أماكن الصخب عمومًا. حولها، مصادر الوحي حيّة وغنيّة، تشي بتقلبات مزاج البلد عمومًا والعاصمة خصوصًا، يوماً بيوم. في قلبها أو على "تيرّاسها"، أعطي مواعيد لأناس جدد من أجل اجتماعات تمر مرور الكرام، أو أخرى تبرعم ثمراً لا يلبث أن ينضج… وهناك أيضًا يصير أن يظهر أمامي أقرباء وأصدقاء كانوا قد غابوا عني منذ فترات طويلة، فتتجدد علاقاتي بهم أو تؤكد بهتانها.

كل هذا بينما ظلي وظل "ڠرايس" يتوازيان من دون أن يلتصقا، إذ تدرك كل منا أن لديها واجباتها وعليها إتمامها قبل نهاية النهار.

ورويداً رويداً بت أعرفها أكثر، فاكتشفتُ فيها صُور نساء مختلفات، لكن متصالحات:
هي امرأة بجمال خارج الكليشيه المُراد تعميمه كهوية موّحدة للأنوثة: تعبّر بكامل حضورها عن الفرادة. لها شَعر بتلك القصة المُسماة صبيانية (Garçonne) ويتمرّد في خصلاتها الأشقر المضيء على الأسود الداكن.
لجسدها استدارات مبهجة تذكرني بشذرات من أبيات محمود درويش: "(...) نقش الكمنجات في الخاصرة، (...) القصيرات، يُشربن في كأس ماء (...) مانچو مقشرة ونبيذ معتّق".
هي تكتنز الحب اكتنازًا! توزعه ابتسامات ذكاء عاطفي أمسى نادرًا في مجتمعنا التشيروفوبي (المصاب برهاب السعادة) لأن حروبنا وحروب الجوار لم تنتهِ، والعنف المحلي باقٍ ويتمدد.

لها كذلك جسد الربّة-العاملة، تغدق كرمًا ولطفًا، الوجه الاستيتيقي للحرفة والإدارة. ولعلّ وجودها الممتلئ نعمة ساهم -بين أسباب عديدة طبعًا- في جعل الزبائن روّاداً دائمين في مقهاها، لهم مواقيتهم المعروفة. هم أمسوا مثل أهل الدار، يأمّون المكان بثيابهم المريحة فتناديهم بأسمائهم واحدًا واحدًا من أجل أن يأخذوا طلباتهم التي حفظت اختلافات مقاديرها كما تقاسيم وجوههم.

ولها أيضًا جسد الحمل والولادة، أعني الأم التي تُعدّ مرّةً مشروبًا باردًا لناس الخارج، أو تصبّ طبقًا ساخنًا لأهل الداخل من طنجرة ما زالت على النار، إذ اقترب موعد وصول الأطفال من المدرسة، وهذا غداؤهم ينتظرهم.

هكذا، هي تلبي، بعد الظهر، الطلب الذي ليس بالأخير. ثم تروح إلى المدرسة القريبة لتعود منها حاملةً عنهم شنطهم الثقيلة. وتَتَكشّف منذ لحظة الوصول شخصيةً مختلفةً لـ"ڠرايسي". أقصد تلك التي تُدلل وتُربي، ترعى وتُغنج. تضع العقل والقلب فوق كفتي ميزان، تجرّب أن تعدل بينهما، إلا أنّ الغريزة تنصر حبًا لها، فيه أسلوب حياة، فلسفة أبديّة لم تشوهها حتى الآن أكاديميات التربية الغليظة.

في مقهى "رويز"، يودي أحياناً دفء العلاقات الإنسانية، إلى أن تبرم مهندسة خلف البار، تدير ماكينة القهوة إذا لزمت يد مساعدة إضافية، تنجز خدمتها على غرار هواية قديمة تُسرّ بالعودة إليها حينما تشتاق.

"هذا ليس غليوناً"، يقول ماڠريت.
"هيدي مش غنّية"، يقول زياد الرحباني.
"ولا هذه مادة استقصائية"، بل شريط مصوّر لجزئية من أنماط العيش البيروتي الذي أحنّ إليه.. وسلام لـ"كل الجميلات إذا ما اجتمعن".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها