آخر تحديث:14:21(بيروت)
الخميس 18/11/2021
share

وفاة زهير رمضان: الرجل الذي حوّل النقابة إلى كَرَكون

وليد بركسية | الخميس 18/11/2021
شارك المقال :
وفاة زهير رمضان: الرجل الذي حوّل النقابة إلى كَرَكون
مات نقيب الفنانين السوريين زهير رمضان، بعد عقد كامل أمضاه في التشبيح والتخوين وتقديم خطاب الكراهية والعنصرية والقمع، هو الذي لم يصنع الفن نجوميته بقدر ما كانت السياسة سبباً في جعل اسمه معروفاً لجماهير واسعة بعد الثورة السورية، خصوصاً أنه لم يشتهر سوى بدورين، الأول شخصية رئيس "الكركون" أبو جودت في السلسلة الشامية سيئة الذِّكر "باب الحارة"، والثاني شخصية المختار عبد السلام البيسة في المسلسل الكوميدي "ضيعة ضايعة".

وحتى في وفاته التي كانت واضحة أنها بسبب فيروس كورونا، بقي رمضان (62 عاماً) يخدم النظام ويقدم الدعاية عبر تصدير مقولة أن لا كورونا في البلاد وأن مرضه كان مجرد إصابة بسيطة بـ"ذات الرئة" أودت به إلى مشفى تشرين العسكري الذي أصدر في عطلة نهاية الأسبوع خبراً بوفاته تم التراجع عنه بسرعة. ففيما تبقى جائحة كورونا منتشرة حول العالم، فإن البلاد منذ العام 2020 تتعامل مع الموضوع بدم بارد، يكفي فقط رش المبيدات الحشرية في الشوارع مرة واحدة أمام الكاميرات للقول أن "الجيش السوري طهر البلاد من الجراثيم".

وتسلم "سليل الإقطاع" منصب نقيب الفنانين في البلاد العام 2014 خلفاً للممثلة فاديا خطاب، واحتفظ بالمنصب بعد "إعادة البيعة" له العام 2020، رغم اعتراض عشرات الفنانين الموالين على طريقة إدارته للنقابة كفرع أمني يتحكم في العمل الفني في البلاد بناء على الولاءات السياسية. وكان رمضان في تلك الانتخابات الصورية حريصاً على تقديم نسخة طبق الأصل عن انتخابات الرئاسة الأسدية في حقبتي حافظ وبشار، حيث منع الإعلام شبه الرسمي من تغطيتها، وبالغ في تقديم مشهد "الرجل القوي" عبر احتجاز مجموعة من الممثلين في أحد الفنادق وتهديدهم في حال معارضتهم لرمضان، بشكل يذكر بحادثة "ريتز كارلتون" الشهيرة في السعودية العام 2017.

ولن تغير وفاة رمضان شيئاً من واقع الفن في البلاد بالطبع، لأن التغيير في سوريا مستحيل حتى عندما يتعلق الأمر بمؤسسة هامشية مثل نقابة الفنانين، ومهما كان الاسم الذي سيخلف رمضان في المنصب من المرجح أن يستمر قمع النقابة للفنانين السوريين، المعارضين تحديداً، والذين صدرت بحقهم قرارات بالفصل من النقابة، ومن بينهم جمال سليمان وأصالة نصري والراحلة مي سكاف، مع الإشارة إلى أن قرارات منع العمل التي تتحكم بها النقابة، وصلت إلى حد منع ممثلين ومغنين عرب من العمل في مسلسلات سورية، مثلما حصل مع الممثلة سيرين عبد النور قبل سنوات.

وفي حقبة قيادة رمضان للنقابة، تحولت المؤسسة التي يفترض بها أن تحمي الفنانيين في البلاد من السلطة، إلى الجهة الرسمية التي تولت معركة تصفية الحسابات مع فناني البلاد، وتولت أيضاً مهمة تصنيف درجات الولاء والمعارضة لدى الفنانين السوريين والعرب، ولم يكن ذلك موقفاً شخصياً من رمضان، لأنه ناطق رسمي باسم النظام وجزء منه، ولم يكن بإمكانه أن يذهب بعيداً في ولائه، مهما كان تشبيحياً، من غير غطاء سياسي له، علماً أنه كان عضواً في مجلس الشعب أيضاً عن دورة العام 2016.

وبدل أن تكون نقابة الفنانين جهة تحمي العاملين في المجال الفني تحولت إلى مخفر كبير يمنح صكوك الغفران السياسي ويحدد من يعمل ومن لا يعمل في الدراما السورية، بناء على مواقف شخصية بالدرجة الأولى. وفي العام 2015 فصلت النقابة 198 فناناً استهدفتهم النقابة لمواقفهم المعارضة للنظام بشكل عام، وتحججت بعدم سداد الرسوم المترتبة عليهم بواقع رحيلهم عن سوريا بعد الثورة الشعبية ضد عائلة الأسد العام 2011، وشمل ذلك فنانين معتقلين أصلاً في سجون النظام مثل الممثلة المعتزلة سمر كوكش.

ولم تكن مواقف رمضان سياسية فقط، بل عمد إلى إضافة أدوار الرقابة الأخلاقية أيضاً في بلد لا تتواجد فيه أصلاً حرية التعبير منذ عقود. فعلى سبيل المثال، ويمكن الدلالة على ذلك بالتعميم الصادر عن النقابة في تموز/يوليو الماضي وطالب صناع الدراما المحلية بـ"تعزيز دور الفن في ترسيخ الممارسات اليومية الملتزمة بقواعد الصحة العامة والذوق العام"، في مشهد عبّر بوضوح عن معنى الوصاية الفكرية التي يمارسها النظام على مواطنيه ضمن مستويات عديدة تبدأ من التعبير السياسي ولا تنتهي بمحاولة تعميم "الفن النظيف"، وإن كان ذلك معتاداً كما حصل خلال فترة تولي الممثل الراحل صباح عبيد للنقابة قبل الثورة السورية، والذي منع نجمات عربيات من إحياء حفلات في سوريا مثل إليسا وهيفاء وهبي بتهمة تقديم "الفن الهابط".

ووصل الأمر برمضان إلى حد إعلانه اتخاذ إجراءات ضد عرض المسلسلات التي تحوي على مشاهد جريئة وإيحاءات جنسية وهدد بمحاسبة المسؤولين عن المسلسلات التي تعرض هكذا مشاهد، علماً أنه أصدر في وقت سابق تعميماً يحذر الفنانين السوريين في مناطق سيطرة نظام الأسد من استخدام أيّ ألفاظ مسيئة للذوق العام أثناء حفلات الغناء. يتم تعليب ذلك كله على أنه دراما اجتماعية تنقل الواقع، رغم أن الدراما السورية في العقد الأخير كانت مسيسة إلى حد كبير ولاقت اتهامات بتزوير الوقائع ونقل السردية الرسمية عن الحرب، لا أكثر.

وبعكس ما كان عليه الحال عند وفاة نجوم سوريين آخرين في السنوات الماضية، مثل المخرج حاتم علي الذي أجمع الموالون والمعارضون على الحزن عليه "لأنه لم يؤذ أحداً"، فإن وفاة "رقيب الفنانين" تثير شماتة كبيرة، خصوصاً أنه سخر لسنوات من ضحايا النظام السوري، بما في ذلك ضحايا المجازر الكيماوية في البلاد، كما قدم خطاب كراهية ممنهجاً وإقصائياً يمكن رصده بسهولة في تصريحاته الإعلامية الكثيرة تجاه اللاجئين السوريين، بغض النظر عن موقفهم السياسي، حيث اتهمهم مراراً وتكراراً بالخيانة والعمالة للغرب وترك البلاد "عندما احتاجت إلى أبنائها الأوفياء".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها