آخر تحديث:16:27(بيروت)
الثلاثاء 16/11/2021
share

إقالة المفتي: الأسد يخاطب الخليج وتركيا ومصر

وليد بركسية | الثلاثاء 16/11/2021
شارك المقال :
إقالة المفتي: الأسد يخاطب الخليج وتركيا ومصر لم يكن حسون رقماً صعباً.. وإلغاء المنصب ليس ترجمة لصراع المفتي مع وزير الأوقاف
لا يعكس إلغاء منصب مفتي الجمهورية في سوريا، بأي شكل من الأشكال، خلافاً طال أمده بين وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد والمفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، بل هو رسالة يوجهها رئيس النظام بشار الأسد متعددة الاتجاهات، تبدأ من الغرب وايران وروسيا، ولا تنتهي عند المرجعيات الدينية السنية الثلاثة في المنطقة، مهم الدول الخليجية ومصر وتركيا.

في الشكل، وحّد الأسد المرجعية الدينية في البلاد، ونزع صفة الإسلاموية عن الدولة، المتمثلة بشخصية المفتي نفسها. يحاكي بذلك دولاً عربية، وخصوصاً في المغرب العربي، لا وجود فيها لموقع المفتي، حيث تتولى وزارات الاوقاف تلك المهام. لكنه في المضمون، أعفى نفسه من إحراج مستقبلي عندما تنتفض المذاهب والطوائف مطالبة بحقوقها الدينية في نظام تشاركي يجري اعداده، ليصبح على شاكلة لبنان حيث تتشظى المرجعيات الدينية في مؤسسات خاصة بها، أثمرت خلال السنوات الماضية، عيدين للفطر وعيدين للأضحى... 

ثم، عمد الأسد الى مأسسة المؤسسة الدينية. جمع أطيافها ضمن مؤسسة واحدة، تنطق بأسماء المذاهب الدينية في سوريا، وتتشاربك وتتصارع في داخل المجلس، ولا يصل منها الى السلطة التنفيذذية الا ما تم الاتفاق عليه في الداخل، ويتولى الوزير ايصاله، كونه، إدارياً، لن يكون أكثر من ضابط ايقاع، وبريد اداري بين المجلس والسلطة. 

أبرز في ما في القرار، يطاول الطائفة السنية، وهي الاكثر عدداً، أما مشايخها فهم الاكثر تعدداً للولاءات الدينية للمرجعيات السنية في المنطقة. لن يكون الأسد بعد اليوم محرجاً في تعيين شيخ واحد كمُفتٍ للبلاد. سيجمع المجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف، أوسع مروحة من رجال الدين السنّة، يُرضي بوجودهم المرجعية الإسلامية في تركيا، والمرجعية الإسلامية النقيضة في السعودية، والمرجعية الإسلامية في الأزهر... وهو بذلك، لن يكرر التشظي خارج المؤسسة الدينية المرعية من قبل الدولة، كما كان الحال في حالة الشيخ البوطي في زمن وجود المفتي كفتارو، أو تعدد الولاءات الدينية الاخرى التي شهدتها الساحة السورية خلال الحرب، حيث بات المفتي حسون ممثلاً لشريحة قليلة لا تتخطى تجار وأعيان المدن السورية، وبعض العشائر الموالية للنظام. 

تتعدد النقاشات في مواقع التواصل، وتتضارب التحليلات حول خلفيات القرار. تسرع البعض في ربط القرار بكُلّيته، بخلاف بين شخصين داخل النظام انتصر أحدهما على الآخر بسبب نفوذه مستغلاً ثغرات وزلات الآخر الذي لم يكن تشبيحه المستمر كافياً لإنقاذه. لكن تطورات الأحداث منذ توبيخ وزارة الأوقاف للمفتي حسون، تعطي انطباعاً مختلفاً تماماً، خصوصاً أن المرسوم التشريعي رقم 31 الذي أصدره الأسد العام 2018 أعطى وزارة الأوقاف صلاحيات غير مسبوقة من بينها تعيين المفتي لثلاث سنوات فقط بمقترح من وزير الأوقاف شخصياً.

وبالتالي لم يكن النظام مضطراً لإجراء كل هذه الضجة العلنية التي لا يحبذها في عصر السوشال ميديا تحديداً، ولاكتفى بإصدار قرار يحيل حسون إلى التقاعد مع تعيين مفتٍ جديد في البلاد يكون مقرباً من الوزير السيد ويعمل تحت جناحه، لا أكثر.

على أن إلغاء منصب المفتي في البلاد يرتبط بنقاط أخرى على صلة بالتجاذبات الطائفية في البلاد من جهة وبتغير المشهد السياسي في الشرق الأوسط من جهة ثانية، ويلعب النظام كما هو المعتاد على وتر العلمانية والإسلاموية ببراعة لا تغير من واقع الأمر شيئاً بالنسبة للسوريين، مستهدفاً إضعاف كل الجهات النافذة في البلاد عبر وضعها في خانات تتصارع مع بعضها البعض ضمن المحددات الكبرى نفسها. وفي هذه الحالة يتلخص الموقف هكذا: سوريون من الطائفة السنية ضد سوريين من الطائفة السنية أيضاً، علماً أن النظام يعتمد المبدأ نفسه لخلق تناقضات بين شرائح السوريين المختلفة: مسلمون ضد المسيحيين، علمانيون ضد المتدينين، محافظون ضد المثليين، وهكذا.

ومع هذا الاعتماد الصريح، والتاريخي، لمبدأ فرِّق تسُد، فإن النظام يحرص على نسف أي قوة في البلاد قادرة على منازعته في شرعيته، في المدى الطويل، بل يجب أن تكون الأطراف كافة تحت إدارته. ويصبح الأمر أكثر حساسية هنا عندما يتعلق الأمر بمفاصل الطائفة السنية التي ترتبط مع النظام العلوي الأقلوي بعلاقات منفعة متبادلة. 

ومثلما يعطي الأسد، فإن الأسد يأخذ، أي أن النظام يعمد إلى منح العطايا وحجبها عن مواليه حسبما تقتضي الضرورة، تطبيقاً للمبدأ السابق. ففي العام الماضي كان النظام السوري يروج لفكرة أن البلاد دولة هي التي تعرف "الإسلام الصحيح"، متخلياً عن علمانيته المزعومة، وظهر الأسد شخصياً وهو يلقي الخطابات من المساجد في دمشق، ويلتقي رجال الدين السنة وتيار القبيسيات النسائي. وكان من الواضح أن النظام يحاول إرضاء الطائفة السنية في البلاد واستمالتهم إلى جانبه أكثر من أي وقت مضى، هو الذي أعطاهم منذ الثورة السورية امتيازات عديدة، أثارت غضب الطوائف الأخرى في البلاد، ومن بينهم المسيحيون الذين انقلب بعضهم على النظام بشكل علني، مثل الإعلامية والمبشرة ماغي خزام على سبيل المثال لا الحصر.

وبعد أشهر من انطلاقة الثورة السورية، استقبل الأسد وفداً من "كبار العلماء"، ومنهم رجل الدين الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، وتم حينها عقد صفقة بين الطرفين، يدعم بموجبها رجال الدين النظام بدلاً من الانحياز للثورة، في مقابل الحصول على امتيازات ومطالب، منها إغلاق كازينو دمشق الذي افتتح قبل الثورة بأشهر قليلة، بحجة أنه "نادٍ للقمار"، ثم افتتاح قناة فضائية دينية رسمية تحت اسم "نور الشام". وبات لوزارة الأوقاف نفوذ واسع، حيث تم تعيين عدد من خريجي كلية الشريعة، خلال العام 2018، ضمن كادر وزارة الإعلام للقيام بأغراض رقابية، للمرة الأولى في تاريخ سوريا. كما باتت الوزارة تمتلك سلطات ونفوذاً على وزارتي التربية والتعليم العالي أيضاً!

وفيما يرضي التخلي عن منصب المفتي، الأقليات العلوية والمسيحية وحتى الشيعية والدرزية، المستاءة من النفوذ السني إلى حد اتهام "القيادة الحكيمة" برعاية "دواعش الداخل"، يجب القول أن منصب مفتي سوريا موجود منذ انهيار السلطنة العثمانية، وكان أول مُفتٍ في البلاد هو محمد عطا الكسم العام 1918، وتم استخدام المنصب من قبل نظام الأسد لتعويم فكرة الإسلام الشامي على أنه الإسلام الصحيح في وجه دول الخليج التي تتحدث عادة باسم المسلمين السنة. وكان الإبقاء على منصب الإفتاء ضرورياً من أجل فصل سوريا الأسد عن ذلك المحيط وفصل السوريين عن التأثير الديني الآتي من الدول الناطقة باسم الإسلام، حتى لو كانت الفتاوى السورية متوازية مع نظيرتها الخليجية أو متباينة عنها، بحسب السياسات المرحلية. وهو ما يبدو أن الأسد "يعدّله" الآن.

وبالطبع يمكن القول أن المفتي حسون لم يستطع حشد السنة من حوله كشخصية دينية مرموقة ما سهَّل إطاحته، لكن ذلك يبقى قاصراً. فحجب منصب المفتي هو قرار بقصد مأسسة المرجعية الدينية ضمن نظام يفترض أنه علماني، على غرار دول أخرى في المنطقة مثل المغرب على سبيل المثال، حيث لا منصب مفتٍ، ويجمع المجلس العلمي الأعلى في المغرب المفتين. 

وعليه، تم ضم مهام المفتي إلى المجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف السورية التي باتت تجمعاً لرجال الدين، ويعتمد على مرجعية فكر "علماء بلاد الشام" بدلاً من الدول الأخرى، ويضم شيوخاً من كافة المذاهب الإسلامية وممثلين من الطوائف المسيحية يسميهم البطاركة ويدعو إلى نبذ التعصب والطائفية. وتشكّل المجلس العلمي الفقهي بموجب المادة الخامسة من القانون 31 للعام 2018 ويرأسه وزير الأوقاف شخصياً. وتصبح أي فتوى صادرة عن المجلس لا تمثل الدولة السورية نفسها بقدر ما تمثل مذهباً او طائفة معينة يشملها المجلس الفقهي لا أكثر، ويعني ذلك تحييد الخطاب الديني كسلاح للمواجهة مع أي دولة تنفتح على دمشق. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها