آخر تحديث:14:58(بيروت)
الخميس 11/11/2021
share

جو الخولي معلناً مثليّته.. فاضحاً "حدود" الجمهور العربي

وليد بركسية | الخميس 11/11/2021
شارك المقال :
جو الخولي معلناً مثليّته.. فاضحاً "حدود" الجمهور العربي
"إلى كل الحاقدين ورسائلهم: القوة هي في الحكمة والرقي وليس في الوقاحة، ولن نسكت".. هي واحدة من التغريدات الكثيرة التي كتبها الإعلامي اللبناني جو الخولي، رداً على حملة خطاب الكراهية التي طاولته بعد إعلانه مثليته الجنسية، قبل أيام. وأظهرت مجدداً الواقع المروع في العالم العربي، حيث تتراكم القيود الدينية والاجتماعية والقانونية على الأفراد منذ عقود، من دون إمكانية الحلم بغد أفضل، حتى بعد الربيع العربي.

وأثار إعلان الخولي مثليته، كأول إعلامي عربي يتحدث علناً عن ميوله الجنسية، جدلاً في مواقع التواصل، مدفوعاً بخطاب الكراهية التقليدي الآتي من اتجاهات عديدة: دينية واجتماعية وقانونية، في وقت مازالت فيه دول منطقة الشرق الأوسط تجرّم المثلية استناداً إلى النصوص الدينية، كما يتم استثمار الموضوع الحقوقي والإنساني من أجل تقديم الأنظمة الحاكمة على أنها "حامية" للعادات والتقاليد العائلية في وجه "المؤامرة الغربية" كما يلاحظ في سوريا على سبيل المثال.

وخلال مقابلة مع موقع "رصيف 22"، كشف الخولي، المذيع في قناة "الحرة" الأميركية حالياً و"إل بي سي" سابقاً، تفاصيل طفولته والمشاعر المتضاربة التي عاشها أثناء صراعه مع هويته الجنسية ليكشف في النهاية أنه مثلي الجنس غير مبالٍ بالانتقادات التي سيواجهها، علماً أنه يقيم في الولايات المتحدة. وأضاف: "أن نكون مغايرين أو مثليين أو ثنائيي الميول الجنسية ليس شيئاً يمكننا أن نختاره أو أن نغيّره، فالناس لا يستطيعون اختيار ميولهم الجنسية، تماماً كما لا يستطيعون اختيار طولهم أو لون عيونهم".

حديث الخولي يسلط الضوء على فكرة يتم تجاهلها كثيراً وهي السلطة العائلية على الأفراد، حيث ينمو الأطفال في بيئة مغلقة لا تمكنهم من اكتشاف فرديتهم وشخصيتهم على كثير من المستويات بما في ذلك المستوى الجنسي والجندري، لأن ذلك أصلاً ليس خياراً مطروحاً ضمن العائلة التي تربي أفرادها على فكرة التماثل مع المحيط قبل أن يتعزز ذلك في المدرسة لاحقاً. وتطرَّق الخولي للحديث عن الضغوط التي واجهها، قائلاً: "إن قبول نفسي كما أنا، شكل خطوتي الأولى نحو الانفتاح. لقد سئمت العيش بطريقة معيّنة لإرضاء الآخرين، كما سئمت ارتداء القناع لمجرد أن يتقبلني بعض الزملاء أو المعارف العشوائيين".

وتجب الإشادة بالشجاعة التي تحلى بها الخولي لأن الحملة ضده كانت لتكون حتمية بالطبع، خصوصاً أنها تطاول المدافعين عن المثلية الجنسية أنفسهم، وليس أفراد مجتمع "الميم" فقط. وبوضوح لا لبس فيه، كان الجدل المقيت حول الخولي يشير إلى مصدر التطرف الحقيقي في مجتمعات الشرق الأوسط، حيث نشر الآلاف آيات قرآنية وأحاديث نبوية في تبريرهم لموقف متشنج يرفض المثلية الجنسية والانتحار بوصفهما من "الكبائر"، ما يستوجب الشماتة والاحتقار على أقل تقدير.


وجاء في رسالة نشرها الخولي في "أنستغرام" من إحدى المعلقات: "لا حول ولا قوة إلا بالله فعلًا نحن في آخر الزمان يا اخي الي اعترفت به مرض روح عند طبيب نفسي يحل المشكلة وهذي معصية الواحد يتحاسب عليها وتجاهر بها بعد!! الله يهديك وين وصل عالمنا العربي"، ثم أضافت آية قرآنية. وأضافت: "ضلك الحين اعترفت يعني بترتاح لا طبعاً، الله يهديك". ليأتي رد الخولي حاسماً ومحقاً: "من أين لك الحق في فرض معتقداتك ودينك على الآخرين؟ دعوا الخلق للخالق، وأدعوك أن تقومي بفعل شيء مفيد في حياتك بدل الوقوف على ما بفعل الناس في حياتهم الخاصة.. تثقفي وتعلمي، لديك الكثير لتفعليه كي ترفعي درجة الوعي وعدم الحكم على الآخرين".

على أن فكرة الهداية التي تتحدث عنها التعليقات في العموم تبدو مستفزة، حتى من قبل معلقين أقل راديكالية ممن تمنوا الموت للخولي وعموم المثليين، مثلاً. ويعني ذلك أنه لا يمكن على الإطلاق البحث عن معنى الرحمة، ولا التفتيش عنها في النصوص الدينية، تحديداً في الآيات القرآنية، لأن ذلك الخطاب المعتمد على فرضية وجود سماحة في الأديان، تحديداً في الإسلام بوصفه الدين الأكثر حضوراً في دول المنطقة، يتجاهل المشكلة الأساسية المتمثلة في النصوص التي تحلل عقاب المخالفين لتعليماته الصارمة في ما يسمى "حدود الله"، والتي تصل بالطبع إلى حد القتل، والتي يتم اعتمادها كمنطلقات لصياغة الدساتير والقوانين المحلية.

وعبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، نشر الخولي صوراً وتسجيلات صوتية لرسائل الكراهية التي وصلته، فيما ينشط في "تويتر" تحديداً للرد على التعليقات السلبية، فيما يمكن تلمس حملات كراهية منظمة ضده في مجموعات "فايسبوك" بما في ذلك مجموعات الأخبار السورية على سبيل المثال.

وبالطبع فإن ذلك كله متوقع في الشرق الأوسط، لكن خطاب الكراهية كان يعبر عن عنصرية أوسع وعن صورة نمطية لا تخص المثليين جنسياً فقط، بل مجموعات أوسع. ويعني ذلك أن معلقين كثر هاجموا لبنان كدولة، واللبنانيين كمجموعة بشرية بوصفهم "مخنثين" و"عديمي الرجولة". وفي الوقت نفيه هاجم إسلاميون، المسيحيين، من منطلق أن الخولي ينتمي إلى عائلة مسيحية، وتحول الجدل إلى خطاب كراهية متعدد الأطراف يكشف كمية الأحقاد التي يحملها الأفراد في عموم المنطقة.

والحال أن الربيع العربي كسر الكثير من قيود الخوف لدى الإنسان العربي، ومنذ 2011 بدأت الأصوات تتعالى في المنطقة للمطالبة بمزيد من الحقوق الإنسانية والمساواة والحريات الفردية، لكن موضوع المثلية الجنسية بقي محرماً إلى حد كبير، خصوصاً أنه قضية تمس جذور الفكر الديني المحافظ. وتبدو معركة الحريات الأساسية في المنطقة قاتمة هنا، لأن الجدل كله مازال يتمحور حول الحق في الحديث عن تلك القضايا من أساسه، والتهمة جاهزة دائماً وهي الإساءة للذات الإلهية أو ازدراء الأديان.


على أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإسلام، بل بمناخ عام من الأفكار المحافظة التي ترعاها الأنظمة السياسية بوصفها واحدة من مبررات وجودها وحكمها القمعي للشعوب، وطريقة لتقديم نفسها كحامية للقيم والتقاليد بحيث يصبح البؤس اليومي ضريبة بسيطة يدفعها الناس من أجل الحفاظ على "قيم العائلة"،

وإن كان بعض المسيحيين المتعصبين في المنطقة العربية يقدمون الكثير من الآراء الممتلئة بالهوموفوبيا، مثل "المُخرِج" شربل خليل في لبنان، فإن الفرق يكمن ربما في نقطتين. الأولى هي أن المسيحية كدين لا تتضمن، مثل الإسلام، حدوداً وعقوبات أرضية يتم بها ترهيب المخالفين للتعاليم الدينية، بل تفصل بين رفض "الخطيئة" ورفض مرتكبيها. والثانية هي حقيقة أن دساتير الدول العربية عموماً هي دساتير تستند على الدين الإسلامي كمصدر للتشريع، حتى لو كنت الأنظمة السياسية الحاكمة تدعي العلمانية، مثلما هو الحال في سوريا أو تونس أو مصر.

وفي لبنان، يعاقب قانون وضع منذ عقود، العلاقات الجنسية "المنافية للطبيعة"، بالسجن الذي يصل إلى عام. لكن ناشطين وجماعات قانونية يحاولون تحدي القانون، علماً أن البلاد شهدت منذ العام 2018 قرارات قضائية جريئة اعتبرت بشكل صريح أن المثلية الجنسية ليست جريمة، كان آخرها في آذار/مارس 2019، عندما قضى حكم صادر عن محكمة عسكرية في لبنان بأن المثلية الجنسية ليست جرماً يعاقب عليه القانون.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها