آخر تحديث:20:15(بيروت)
الخميس 11/11/2021
share

الهجوم على حسين قاووق.. درس في فنون الإنكار

يارا نحلة | الخميس 11/11/2021
شارك المقال :
الهجوم على حسين قاووق.. درس في فنون الإنكار
هَول التهم والأوصاف التي ألصقت بالكوميدي حسين قاووق خلال الأيام الأخيرة، والتي تندرج بسهولة في خانة التخوين والتحريض، استدعت رداً من الكوميدي الذي حلّ ضيفاً في برنامج "فوضى" الذي يقدمه جو معلوف على قناة "الجديد"، الى جانب الصحافية زينب حاوي، والكاتب محمد الدايخ (كاتب برنامج "شو الوضع")، إضافةً الى الصحافي والحقوقي جاد شحرور، المسؤول الاعلامي في مؤسسة "سكايز".

وظهر أن آلية الانكار للاتهامات التي وجهت الى قاووق، قد اضحت الوسيلة الدفاعية الأساسية التي ينتهجها جمهور حزب الله، بل وقياداته أيضاً، إذ يمعن في التبجح بالفعل ومن ثمّ انكاره تماماً. وإن عاينّا لغة الهجوم الصحافي والسياسي الذي تم شنّه على قاووق، فقد ظهرت فيها أعلى مستويات "الشيطنة والأبلسة والتحريض والتشويه والتقليب"، وهي الأفعال نفسها التي تتهمه بيئة حزب الله باقترافها. 

جميع من شارك في الحلقة، بالاضافة الى المشاهدين، سواء من أنصار المحور أو معارضيه، يعلمون بالضبط ما يجسّده فائض القوة لدى محور الممانعة على الصعيد السياسي والاجتماعي، وانعكاساته على أرض الواقع من خلال مظاهر السلاح المتفلت و"غزوات" أنصار الثنائي على ساحات الاحتجاج والإغتيالات وترهيب القضاء، واللائحة تطول. 

فجزء من فائض القوة الذي يملكه حزب الله هو تحديداً في استعراضه. الكلّ يعرف كذلك أن الأزمة الاقتصادية صقلت شريحة واسعة من المجتمع الشيعي، وهي لم تحاول اخفاء الأمر بل راحت تعرض "دولاراتها" على "تيك توك" و"انستغرام". والجميع يعلم أيضاً بالمئة ألف مقاتل الذي لوّح بهم الأمين العام لحزب الله، الذي طمأن جمهوره أنه لن يجوع لأن مصدر دولاراته الخارجية لن ينضب. ومع ذلك، هال الجمهور الشيعي الحديث عن أن الشيعة مسلحين، وهال هذا الجمهور اسكتشاً ساخراً عن سكته قلبية أصيب فيها المنتمي لحزب الله حينما انخفض سعر الدولار إلى 1500 ليره.. واعتبروه ذلك كله تنميطاً! فكيف يكون هذا تنميطاً إن استند إلى خطاب "السيد" نفسه؟ وإلى تبجح مناصري الحزب والحزبيين في عشرات الفيديوهات استعرضوا فيها الدولارات، فيما مواطنوهم يعانون؟ 


و"التنميط" هو أفضل ما استطاعته بيئة الحزب في هجومها على قاووق، وكررته حاوي لازمةً معلّبة، متثاقفة ومفرغة من معناها، في نقاشها مع معلوف وثنائي الكوميدي، وهي حجة يتمّ دحضها بسهولة وعبر الاستعانة بخطابات نصرالله نفسه لا أكثر. وان كان ثمّة من كرّس التنميط في هذه الحلقة فهي حاوي التي قدمت لمعلوف، في ختام الحلقة، دعوة لزيارة الى الضاحية، مكرّسةً بذلك فكرة أن الضاحية هي تلك المنطقة الأمنية المغلقة (النادي الحصري؟) التي يحتاج كل من ليس منها الى "عزيمة" من "الداخل" لزيارتها من أجل دخولها، ومُفترضة سلفاً أن معلوف (كمسيحي؟) لم يسبق له أن زار المنطقة! وهنا يظهر فائض القوة الذي بحوزة الجمهور، فإنكاره لا يمنع تسلله الى سلوكياته وخطابه الذي يتغذى على فائض القوة، لكن أصواته الإعلامية تنبري بشراسة لترفض تنميطها على أساسه. 

ولم يوفّر معلوف أيضاً فرصة ممارسة التنميط المعاكس، وتصوير الشيعة على أنهم "الآخر" الغريب الذي لم يكن المسيحي يعرف عنهم شيئاً الى أن ظهر عباس جعفر وغيره من الكوميديين الذين "حبّبونا، نحنا المسيحيين، بالشيعة"! 

ومن تقنيات الانكار، بحسب علم النفس، التثبيت العنيد على فكرةٍ أو حجة من دون إحراز أي تقدّم. وهو ما فعله الجمهور الشيعي حين افتتح واختتم النقاش بالحديث عن "الخطورة" التي يجسّدها قاووق والدايخ، وتجسّدها الكوميديا على نطاق أوسع. 


والخطورة التي تسندها البيئة الى كوميديا قاووق تكمن في وظيفتها النقدية، فجلّ ما فعله قاووق والدايخ هو نقد خطاب شريحة مجتمعية (ممثلة في شخصية علي علويه) تقول شيئاً أمام الكاميرا، وشيئاً آخر كلياً حين تظنّ أن الكاميرا أطفئت. الكوميديان يتقنان الخطابين جيداً لأنهما يعايشانه يومياً، ولذلك "اسكتشاتهما" مضحكة بالنسبة لأبناء هذه البيئة أكثر من أي شخص آخر، ذلك أنها تشكّل "نكتاً داخلية" (inside jokes) بين أبناء البيئة الواحدة. لكن البيئة تريد لهذه النكت أن تبقى داخلية، وألا يظهر من خطاب "علي علويه" الى العلن سوى ما يقال أمام الكاميرا. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها