آخر تحديث:19:07(بيروت)
الخميس 07/01/2021
share

دونالد ترامب اللبناني

قاسم مرواني | الخميس 07/01/2021
شارك المقال :
دونالد ترامب اللبناني
لا تعريف واضحاً وموحداً للشعبوية، رغم أن هذا المصطلح يتردد بشكل دائم، تقريباً في كل الحوارات السياسية، وهو يستخدم عادة للتنديد. ولا تنحصر الشعبوية في اليمين أو اليسار، بل إن كلاً من الطرفين يمكن أن يكون شعبوياً أو لا يكون.
في أوروبا مثلاً، تعبّر الشعبوية عن الحركات اليمينية، بينما في أميركا اللاتينية تعبّر عن حركات اليسار. زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليمينية، مارين لوبان، مثلاً، تُنعت بالشعبوية، والنعت نفسه يوجّه إلى هيغو تشافيز اليساري في فنزويلا.

ومع غموض مصطلح الشعبوية، إلا أننا قادرون على تحديد بعض الصفات أو المفردات التي تستخدم للتعبير عنها مثل: القومية، الحمائية، كراهية الأجانب، الشوفينية، تبسيط الأمور، انتقاد النخب السياسية والمؤسسات في الخطابات السياسية الموجهة الى الطبقات الشعبية، انتقاد الانتخابات ومحاولة الالتفاف عليها.

منذ وصوله إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية، لم يتوقف دونالد ترامب عن توجيه خطابه بشكل خاص إلى القوميين البِيض، والانعزاليين، في وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية، وأخيراً خلال الانتخابات الأميركية التي أطاحته. كما دأب خلال فترة ولايته، على تبسيط المشاكل وقضايا الدولة. فمشكلة اللاجئين مثلاً تحل بجدار يبنى على الحدود، فيروس "كورونا" نقضي عليه بشُرب المعقمات. خطاب موجه إلى الطبقات الشعبية يعكس نرجسيته وفائض القوة، حيث تغلب عليه لهجة التهديد والوعيد باستعمال القوة ضد كوريا الشمالية ثم إيران وأي دولة لا تركع أمام عظمة الولايات المتحدة الأميركية، بغض النظر عن شرور تلك الدولة وتهديده لما تبقى من الاستقرار الدولي أو الإقليمي.  
لا يختلف نهج دونالد ترامب وشعبويته عن نهج وشعبوية الزعماء اللبنانيين، الذين، إذا ما قارنا مقارباتهم للقضايا التي تواجه لبنان والمنطقة، لا تختلف كثيراً عن مقاربات دونالد ترامب. فلا فارق بين بناء جدار على الحدود مع المكسيك لحل أزمة اللاجئين، وبين زراعة الأسطح والشرفات لمواجهة الأزمة الاقتصادية، أو التوجه شرقاً كما دعا رئيس الجمهورية وحسن نصر الله، أو الدعوة لنزع سلاح حزب الله الذي ينادي به البعض ليس كاستراتيجية بناء دولة إنما لشد عصب الشارع وجذب الأصوات الانتخابية. 

وكما دعا دونالد ترامب إلى جعل اميركا عظيمة مجدداً، فإننا نجد الخطاب نفسه عن القومية اللبنانية لدى العديد من الأحزاب، والتي اعتمدها مثلاً رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، معتبراً أن مشكلة اللبناني هي في الغرباء اللاجئين على أرضه كالسوريين والفلسطينيين. 

نستطيع أن نلمس أيضاً في خطابات نصرالله، تشابهاً كبيراً مع خطابات ترامب حين يتعلق الأمر بتوترات مع الدول الأخرى، فالاثنان ينطلقان من فائض قوة وشوفينية عالية ويلوحان بالحرب من دون العودة إلى المؤسسات المؤهلة دراسة جدوى الحرب ومن دون الأخذ في الاعتبار آثار خطاباتهما في اقتصاد البلد أو علاقات الدولة مع المجتمع الدولي.

حاول دونالد ترامب في الانتخابات التي أطاحته، لمصلحة جو بايدن، السير على خطى الزعماء اللبنانيين والعرب، الشعبويين، أي الالتفاف حول نتائجها ومحاولة البقاء في السلطة. وحين عجز عن ذلك عبر المؤسسات الدستورية، لجأ إلى الشارع واحتل مناصروه مبنى الكونغرس في مشهد يذكرنا بأعمال الشغب اللبنانية المنددة بأي قرار تتخذه الدولة ولا يعجب أحد زعماء الطوائف.

إلا أن النظام والمؤسسات الأميركية كانت أقوى من شعبوية دونالد ترامب. واللافت للانتباه، هي طريقة تعاطي وسائل الإعلام مع محاولة تقويض الديموقراطية، فقد حجب "فايسبوك" و"تويتر" حسابات دونالد ترامب من منصاتهما وتوقفت وسائل الإعلام عن أخذ أي تصريح له وللمحيطين به. 

هي منهجية معاكسة تماماً لمنهجية وسائل الإعلام اللبنانية التي تضع نسبة المشاهدة في أعلى سلم أولوياتها، ومن ثم منابع "التمويل"، ولا تنفصل سياستها عن السياسة الشعبوية للقادة، مراعاة للجهات الداعمة. 

تتيح لنا تجربة دونالد ترامب في الحكم الفرصة لمراجعة ذاتية، حيث ظهرت لنا بوضوح مساوئ أن يصل شخص شعبوي كدونالد ترامب إلى سدة الحكم، ومدى خطورة تقويض الديموقراطية، على المجتمع والدولة، علنا نعيد النظر في خياراتنا ونظرتنا إلى الزعماء والأحزاب الحاكمة في لبنان.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها