آخر تحديث:21:49(بيروت)
الثلاثاء 05/01/2021
share

شكل جديد للتصادم مع قوى الأمن.. بأدوات متكافئة

نذير رضا | الثلاثاء 05/01/2021
شارك المقال :
شكل جديد للتصادم مع قوى الأمن.. بأدوات متكافئة
عندما قال مدير عام قوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، في مقابلة مع مجلة "الأمن" في الشهر الماضي، أن "هناك برمجة دنيئة من بعض الحاقدين على مؤسّستنا للنيل منها وإلحاق الضرر المعنوي بها"، لم يعلن عن مستويات جديدة من المواجهة بين رجل الأمن (وليس المؤسسة)، وبين شخصيات من المجتمع تصنف نفسها طبقياً، لجهة النفوذ الذي تمتلكه، وهي لا تمثل كافة شرائح المجتمع اللبناني بطبيعة الحال.  

صحيح أن ثمة صراعاً عميقاً يقوم على تفاوت في الرؤى، وعلى موروث عميق من التصادم بين رجل الأمن الذي يمثل الدولة وهيبتها، والمواطن اللبناني، إلا ان الإشكالات الأخيرة، والردود عليها، التي دارت رحاها في مواقع التواصل الاجتماعي، تثبت أن هناك إنتاجاً جديداً للصراع، بآلة افتراضية، مختلف عن التباينات الأخرى. 

في السابق، أدى موروث ثقيل من سلوكيات غير مضبوطة لرجال الأمن، الى تصادم مع اللبنانيين. أولئك الذين كانوا قد خرجوا لتوهم من الحرب، غير معترفين بواقع وجود دولة، يجب احترام قوانينها، ويجب الامتثال لقوى إنفاذ القانون فيها. وكان كل منهم يتصرف بعقلية مختلفة.

فالمواطن الذي اعتاد على التفلت القانوني، كان ينظر الى الدولة على أنها إله من تمر، أكلها مُباح عندما تتعارض قوانينها مع مصلحة الفرد. أما الشرطي، فوجد نفسه في موقع سلطة، يمارس نفوذه لتحقيق منفعة شخصية، تمثلت أحياناً في إباحة الرشى، في مقابل استباحة المواطن المدني للقانون. بُنِيَت على أساس هذا الاعتقاد صورة نمطية عن الشرطي، احتاجت إلى جيل كامل كي تتبدل. 

وما إن تغيرت تلك التصورات، من الجانبين قبل نحو عقدين، وُجدت مشكلة سياسية في البلد، جرى خلالها تطييف الأجهزة الأمنية في ذاكرة الطوائفيين. تفككت العلاقة التي بُنِيَت بين الشرطي، كضابط مجتمعي وقوة محايدة لإنفاذ القانون تربطها علاقة ثقة مع المواطن عبر المختار والفعاليات والمفاتيح الاجتماعية، الى تصويره كقوة خصم، بفعل الاشتباك السياسي والانقسام المذهبي العمودي. لم يقتصر الأمر على عنصر قوى الأمن الداخلي، بل شمل مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلحاقاً بالصراع المتنامي في المنطقة. 

صُوِّبت تلك الصورة لاحقاً، وتعززت بتبدل جوهري في سلوكيات القوى الأمنية التي خضعت لتدريبات مركّزة، مرتبطة بالتعامل مع المدنيين، وباحترام حقوق الإنسان، قبل أن تنفجر أزمة التظاهرات على خلفية ملف النفايات في العام 2015، وبعدها انتفاضة 17 تشرين 2019. 

في الحراك، اصطدم العسكري مع المدني في الشارع، وكيلت الاتهامات للعسكريين، واتُّهم بعضهم بارتكاب تجاوزات، في مقابل أفراد غير منضبطين بسلمية الحراك. انكسرت الصورة بداية، لكنها سرعان ما ترممت إلى حد كبير.. غير أنها أوجدت سلطة جديدة قادرة على مواجهة رجل الأمن ومهماته وتجاوزاته، هي سلطة الإعلام، ومواقع التواصل، تلك القادرة على حشد رأي عام وتشكيل صورة نمطية جديدة، ليس بوسع رجل الأمن مواجهتها الا بالتقنية نفسها، وهي معركة تترتب عليها خسائر من الطرفين. 

غير أن المنخرطين في المعركة، لا يمكن أن يكونوا قوى الأمن، كمؤسسة، أو المواطنين بشكل عام. فظهر أن أصحاب النفوذ، أو من يعتقدون ذلك، اختلقوا الصراع مع من هم أدنى منهم حظوة. فلم نجد عاملاً بسيطاً دخل في صراع مع شرطي، لأنه صراع، في الشكل، غير متكافئ. ولم نجد محامياً أو صحافياً، اشتبك مع ضابط من رتبة كبيرة، لأنه أيضاً صراع غير متكافئ.
 
الحقيقة المرة تفيد بأن هناك طبقية في المواجهات الأخيرة. ظهر ذلك في الإشكال على كورنيش المزرعة بين محامٍ ودرّاج. وتكرر، الأحد، في الإشكال بين شرطي والصحافية كلارا جحا وزوجها المحامي.


والطبقية، مردّها الى تسلّح المدني بموقعه النقابي، القادر على حشد أبناء جلدته ضد مؤسسة تحمل موروثاً ثقيلاً من العلاقة المتوترة مع الفرد اللبناني، باسم الحصانة النقابية، وهو ما حصل في اعتصامات المحامين التي نُفّذت في قصور العدل اليوم الثلاثاء. ويظن أن هذا النفوذ، سيعطيه الحق بمخالفة القانون، كما ظهر في رواية قوى الأمن عن اشكال غاليري سمعان، وباستعمال قوته لمواجهة من يردعه عن المخالفة. وبحسب الرواية الأمنية، يظهر أن هناك تجنّياً على الشرطي الدرّاج، الذي أخطأ في ردّ الفعل المقابل أيضاً.
 

استخدم كثيرون من القادرين على حشد القوى، أو الناشطين في مواقع التواصل، تلك الحشود لتنفيذ مصلحة شخصية. ففي حالات مشابهة، وبمعزل عن قضية كلارا جحا، أو محامي كورنيش المزرعة، يعتقد صاحب النفوذ بأنه سيتمكن من إلحاق الهزيمة بخصمه العسكري، منعاً لأن تهتز صورة المؤسسة في زحمة التداول الترندي في مواقع التواصل. وعلى هذا الاساس، خُلق الكثير من الاشتباكات الوهمية.

لكن على الضفة الأمنية، تغيّر الحال، فقد واكبت قوى الأمن القضية من وجهة نظر إعلامية أيضاً. ذهبت الى نشر الفيديوهات لتغيير الاعتقاد السائد، وخنق الترند الآخذ في الارتفاع. باتت المعركة متكافئة، بالأدوات المستخدمة من الطرفين، لكنها لا تلغي التعدي الذي قد يحصل من قبل أحدهما، المتمتع بالنفوذ، وهو تعدّ يفصل القضاء في مجرى الحق فيه، بمعزل عن محاكم مواقع التواصل. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها