آخر تحديث:14:26(بيروت)
الأربعاء 27/01/2021
share

رجال السيسي في ذكرى يناير: كل هذا الحرقان!

أحمد ناجي | الأربعاء 27/01/2021
شارك المقال :
رجال السيسي في ذكرى يناير: كل هذا الحرقان! حبيب العادلي وحسن عبد الرحمن.. الفشل في عز السطوة، لدرجة أن الثوار أخرجوا من مكاتبهما بذلات الرقص وقمصان النوم
مرت الذكرى العاشرة للثورة المصرية بالقليل من البكاء والنواح، فقط رائحة الحنين ونوستالجيا إعادة بث ونشر الصور، أو تأمل التناقضات وكيف كنا وكيف أصبحنا على طريقة تتبع تناقضات وتقلبات وائل غنيم مثلاً.

ثمة حالة من التململ من إعادة النظر في الحدث. فالمواقع، والقنوات، والراديو، والإعلام العربي والغربي، يسعى إلى تغطية الحدث من منطلق كونه ذكرى وتاريخاً. يخبرني صديقي الصحافي الأميركى أنه مضطر لكتابة شيء عن ذكرى الثورة، وأنه حاول التهرّب من هذا التكليف، لكن رئيسه مُصرّ. يخبرنى بذلك قبل أن يطرح عليّ الأسئلة المتوقعة من قبيل: ما الذي تبقى من الثورة؟ أين ذهبت الجماهير؟ ما مصير الديموقراطية في الشرق الأوسط؟ فاعتذرتُ له عن إكمال الحديث، إذ ليس لديّ ما أقوله، ولا رغبة في تكرار ما قيل. حتى الصحافيين والكتّاب الذين شاركوا بفاعلية في أحداث "الربيع العربي" يواجهون صعوبة في الحديث عنها واستكشاف مناطق جديدة، كما تخبرنا لينا عطا الله في مقالها "بعض الأشياء التي تعلمتها عن كيف لا نتذكر الثورة؟"، حيث تحاول مع فريق من الكتّاب التنقيب في الجيوب الخلفية للثورة، مثل البحث عن مصير "لجنة المعادي الشعبية للحفاظ على مكتسبات الثورة"، مستلهمة أفكار فالتر بنيامين، عن تحرير التاريخ وعدم النظر إليه كتطوّر خطّي، بل كسرديات متقاطعة، بعضها مهيمن (مثل سردية ميدان التحرير) وبعضها هامشي دخل النسيان مثل "لجنة المعادي"، واللجان الشعبية التي انتشرت في غالبية أحياء مصر ومدنها.

بعد عشر سنوات، أبناء ميدان التحرير في المنافي، أو السجون، أو مراقَبون ومحاصَرون بقبضة السيسي الأمنية. رغم الجروح البدنية والنفسية، بردت نار الغضب، وإن لم تخبُ، والأنظار تتجه من الماضي إلى المستقبل، وتبحث عن وسيلة للمقاومة والخروج من حفرة الحاضر. لكن المدهش أن وسائل الإعلام المعادية للثورة كانت هي الأكثر تركيزاً على ذكرى الثورة، والأكثر تجديداً في استدعاء أعدائها للحديث عنها، بدءاً من السيسي الذي خصص لها 50 كلمة كاملة في كلمته لمناسبة "عيد الشرطة" في 25 يناير، وحتى البرامج الحوارية في التلفزيون التي تذكرت النكسة والخراب الذي عاشته البلاد.

توقفتُ بشكل خاص عند استضافة أحمد موسى، اللواء حسن عبد الرحمن، للتعليق على ثورة يناير. ولمن لا يعرف، فحسن عبد الرحمن كان مدير جهاز أمن الدولة في الفترة بين 2011 و2014، ثم أحيل للمحاكمة باتهامات هزلية، وخرج بعد سنوات من السجن. هو أيضاً حامل ألقاب شعبية عديدة، منها "دراكولا"، للدلالة على وحشيته واستخدامه التعذيب أثناء عمله كمدير للجهاز. إلى جانب ما سبق، فالرجل هو أفشل مدير لجهاز أمن الدولة في تاريخه المؤسسة. فهل هناك فشل أكبر من أن تكون وظيفتك الوحيدة حماية النظام، ولديك كل الصلاحيات والإمكانات، ثم تفشل في أداء مهمتك، ويسقط النظام الذي تحميه، حتى أن الثوار يجبرون جنودك وضباطك على خلع ملابسهم الرسمية والسير إلى بيوتهم بالملابس الداخلية؟ بل إن فشل حسن عبد الرحمن بلغ درجة أن مقرات أمن الدولة تعرضت للاقتحام من قبل الثوار، ليُخرجوا بذلات الرقص وقمصان النوم من مكاتب وزير الداخلية حبيب العادلي، ومن مكتب سيادة اللواء نفسه؟

بعد عشر سنوات، ما زال وقع الألم على قفا اللواء حسن عبد الرحمن، شديداً. ورغم الصوت الناعم الذي يتحدث به عن ثورة يناير، من السهل أن نميز ذلك الحرقان الذي يصعد من أسفل لأعلى، ويجعل سيادة اللواء بعد عشر سنوات، بينما يجلس في قصره المنيف، ولديه شاليه في الساحل، معززاً مكرماً، مازال يتألم ومحروقاً مما حدث في يناير.

غريب ومدهش جداً كل هذا الحرقان الذي يتحدث به نظام السياسي ورجاله عن ثورة يناير. فهم، حتى الآن، غير قادرين على نسيان ما حدث. وأثق في أن ما صار، ما زال حاضراً في أحاديثهم الشخصية والاجتماعية وكأنهم سجناء ذلك الماضي وتلك الصفعة التي هوت عليهم. أمثال اللواء حسن عبد الرحمن وغيره من القادة الفاشلين، سواء المستمرين في إدارة البلاد أو الذين ارتدوا الجلباب وتقاعدوا، يعانون أزمة نفسية ووجودية تتفاقم بمرور السنوات. إنهم أكثر من يحتاج الدعم النفسي، في رأيي، وإلا ستستمر معاناتهم وتستمر معاناتنا بسببهم. فكل عام، تهاجمهم كوابيس 25 يناير 2011، يرتفع الحرقان من أسفل إلى أعلى، فيخرجون على التلفزيونات، يصرخون ويسبون ويهاجمون ثورة يناير ورموزها، لكن الحرقان يدفعهم أيضاً إلى اعتقال المزيد، وإرسال الدوريات الأمنية لتجوب الشوارع وتتصفح هواتف المواطنين وحساباتهم في السوشال ميديا لتقبض عليهم. وحتى بعدما غادر أبناء يناير، البلاد، أو غُيّبوا في السجون، ما زال شبح يناير يهاجمهم في كوابيسهم كل عام.

جزء كبير من مشكلة هؤلاء المتنفذين الجدد، أنهم لا يستطيعون الهروب من ثورة يناير حتى بعد انتصارهم عليها، إذ خلقت شرعية جديدة تجبر السيسي، في كل خطاب سياسي، على الإشارة إليها، لأنه، من دون ثورة يناير، ما كان السيسي ومن معه ليصلوا إلى مكانهم الآن. على الأرجح، لولا ثورة يناير، لربما كان السيسي لا يزال مديراً للمخابرات الحربية، وظيفته تأمين موكب السيدة الأولى خديجة جمال مبارك، لكنه الآن أصبح رئيساً للجمهورية، يشخط ويأمر ويحلم ويحقق أحلامه.

لذا، كلما ظهر أمثال اللواء حسن عبد الرحمن، وقعوا في التناقضات. فمرة يصبح وائل غنيم عميلاً أميركياً مرتّبه 90 ألف دولار، وهو المسؤول عن ثورة يناير. ومرة ثانية، يصبح وائل وأمثاله شباباً طاهراً لديهم مطالب مشروعة، لكن الإخوان استغلوهم وركبوا الثورة.

ثورة يناير أهانتهم ومرّغت سلطانهم في التراب، وأظهرت لهم قدرات هذا الشعب الذي يحتقرونه. لكن، مع ذلك، ليس في إمكانهم وصم يناير بالهزيمة، وإلا طعنوا في شرعية رئيسهم الجنرال. لذا يكظمون غيظهم، لكن الحرقان يستمر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها