آخر تحديث:18:15(بيروت)
الأربعاء 20/01/2021
share

أما وقد غادر ترامب.. هل ينتهي خطاب "كُخ" و"دَح"؟

المدن - ميديا | الأربعاء 20/01/2021
شارك المقال :
أما وقد غادر ترامب.. هل ينتهي خطاب "كُخ" و"دَح"؟
"غلوريا"، أغنية لورا برانيغان الشهيرة، منذ أوائل الثمانينات، صدحت صباح اليوم الأربعاء، في السماوات فوق "جوينت بايس أدروز" حيث حطّت المروحية العسكرية التي أقلّت الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، مع زوجته ميلانيا، بعد جولة قصيرة فوق العاصمة واشنطن وأبرز معالمها، لا سيما مبنى الكابيتول.. مقرّ العملية السياسية والدستورية والديموقراطية الأبرز في الولايات المتحدة، الذي حرّض ترامب أنصاره، قبل أسابيع، على اقتحامه، قائلاً لهم أن عليهم أن يكونوا "أقوياء" في مقابل "ضعفاء" الكابيتول، وأن يقاتلوا من أجل ما يؤمنون به، والحقيقة الوحيدة التي يؤمن بها ترامب ومؤيدوه هي أنه الفائز الحقيقي بالانتخابات الأخيرة "المسروقة".. والمفارقة الأعجب أن الأغنية العزيزة على قلب ترامب، نفسها، "غلوريا"، كانت صدحت عالياً في ذلك المهرجان التحريضي حيث خطب ترامب في أنصاره قبل نحو أسبوعين، واستنكر مدير أعمال الفنانة الراحلة استخدام الأغنية في هذا السياق.


الأرجح أن لا صدفة هنا. فلا أحد يسعه أن ينكر كم أن دونالد ترامب، بكل أمراضه وبغائضه المعروفة، منسجم مع نفسه، عنيد في مواقفه المتسقة مع شخصيته وأفكاره التي قلما استطاعت اختراقها نصائحُ مستشاريه وفريق عمله المتغيّر على الدوام. بل الأرجح أيضاً أنه تعمّد هذا التطابق الموسيقي، كرسالة ذات مغزى لمناصريه وخصومه على حد سواء، وهو الذي وعد في خطابه الرئاسي الأخير، قائلاً "سنعود بشكل أو بآخر"، إضافة إلى عناصر أخرى كثيرة في الاحتفال الوداعي الذي نظّمه لنفسه اليوم، مع الحرص الشديد على ألا تتقاطع دروبه مع الرئيس الجديد، جو بايدن، بأي شكل من الأشكال، كاسراً التقليد الذي لم يكسره رئيس أميركي قبله منذ 150 عاماً، بالتغيب العمد عن حفلة تنصيب بايدن، وعدم استقباله كَخَلف له في البيت الأبيض حيث يفترض عقد "اجتماع التعارف الشخصي" المتعارف عليه، إلى آخر البروتوكولات الرئاسية الأميركية التي أشبعها الإعلام الأميركي والعالمي تمحيصاً خلال الأسابيع القليلة الماضية، ودوماً بالتوازي مع الإشارة إلى الخشية على سِلمية انتقال السلطة في أميركا في كانون الثاني 2021، وإلى خوف حقيقي من أحداث عنف خلال حفلة التنصيب أو حتى بعدها، بأثر من الانقسام العامودي الذي عمّقه ترامب وكان إنجازه و"شرعيته" الأساس.

مَن تابع تغطية الإعلام الأميركي لتزامن رحيل دونالد ترامب وتنصيب جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، لا بد تكرّست لديه السِّمة الأساس لولاية ترامب طوال السنوات الأربع الماضية: اهتمامه الهائل، وشبه الوحيد، بصورته المصدّرة، وصوته، سواء في الإعلام، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي حظرته مرة أخيرة ونهائية قبل أيام. لكنه، في يوم رحيله، وفي الأيام القليلة السابقة، بدا وكأنه يتحدى هذا الحظر ويناكف الصحافة، سواء بالفيديوهات المسجلة التي توجه بها إلى الرأي العام عوضاً عن المؤتمرات الصحافية التي من المفترض أن ألا يؤدي فيه مونولوغه المعتاد، بل أن يشرح ويبرر الكثير، مجيباً على أسئلة الصحافيين الذين ينقلون تساؤلات الناس كما النخب السياسية والاجتماعية والثقافية وهواجسهم.

وبدا ترامب أيضاً مهندساً، كما العادة وأكثر من العادة بقليل، لصورته الأخيرة كرئيس وصوتها،  كمُخرج سينمائي أو متخصص في Mise En Scene شخصيته و"عظَمته". وهو الذي عُرف عنه مثلاً أنه ينتقي لائحة الأغاني التي تُبث في مهرجاناته الخطابية والانتخابية، ويُملي أغنية محددة يجب أن تُلعَب لدى اعتلائه المسرح أو ترجله من الطائرة الرئاسية، وأن يتم رفع صوتها بشكل استثنائي لحظة ظهوره. وهذا بالضبط ما حصل لدى وصوله إلى "جوينت بايس آندروز"، إذ علت الموسيقى لدرجة إغراق صوت مراسل "سي إن إن" الذي كان يقدم رسالته عبر الهاتف. أراد ترامب نصف الأول من يوم تنصيب الرئيس الجديد، له وحده، بلا شريك، وأجبر كل الإعلام على ذلك، وصمّم البث المباشر وكأنه فيديو خاص به كان يبثه عبر حسابه في "تويتر"، وكان له ما أراد، رغم كل التعليقات والتحليلات لم يحدث اليوم ولسنوات ولايته، فكل الكلام لا يهمه بقدر ما تهمه "غلوريا".. مَجده الذي يختاره بنفسه ويصدّقه مُطلَقاً، كأي ديكتاتور كامل الأوصاف، لولا قوة المؤسسات الدستورية والديموقراطية الأميركية التي ردعت فوضاه بكفاءة مذهلة.. حتى الساعة على الأقل.


ويبقى التأثير الأهم في الصحافة، والذي قد لا يعيه ترامب كاملاً ولا حتى الصحافيين أنفسهم، وهو أن أداءه الرئاسي اجترح قاموساً جديداً للتغطية، برز أكثر ما برز في "سي إن إن"، بلغ ذروته خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، واستمر حتى اللحظات الترامبية الأخيرة. قاموس لؤم إخباري وسخرية مهنية ماكرة ودقيقة، قائم على كلمات مثل "أكاذيب"، "شكاوى"، "نق"، "فتنة"، "إرهاب محلّي"، "إخفاق"، "جريمة"، "مُشين"، وغيرها الكثير من العبارات والأفكار التي سارت على حافة البروباغندا المضادة، بموازاة إطناب كثيف لجو بايدن "المتعاطف"، "المنفتح"، "الصادق"، "المسؤول"، "الجدّي في تعامله مع إرث ثقيل من جائحة كورونا". ولعل مباراة الملاكمة المثيرة، رغم كونها خطيرة ومؤلمة وفادحة وكلّفت حيوات كثيرة، انتهت الآن، وكانت ممتعة جداً ومفيدة في تعلّم ما يمكن تسميته النضال الصحافي من أجل النقد والمساءلة والمحاسبة وحرية التعبير. لكن، يُفترض أن ينتهي الآن خطاب "كخ" و"دح". فالأول غادر، والثاني صار السلطة.

ابتداء من الخميس 21 كانون الثاني 2021، فإن عقلاء المتابعين، في أميركا وحول العالم، يشخصون إلى متابعة نقدية لأداء بايدن، في "سي إن إن" و"نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" وسائر كبريات الشاشات والصحف، وإلا بتنا أمام نسخات ملونة من "الإخبارية السورية" وحتى "فوكس نيوز"، وهذا بالضبط ما لا يحتاجه الكوكب.                

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها