آخر تحديث:13:32(بيروت)
السبت 05/09/2020
share

هشاشة العيش وسط الزجاج المهشّم

يارا نحلة | السبت 05/09/2020
شارك المقال :
هشاشة العيش وسط الزجاج المهشّم في ذكرى شهر على انفجار المرفأ: مشاعل للضحايا.. ومشانق للمسؤولين (غيتي)

شهر مرّ، وما زال صوت الزجاج المهشّم يلازمني. مُضمر في مكانٍ ما داخل ذاكرتي المعتمة. دائم الجهوزية للإنتفاض عند أوّل صوت، حركة، أو رائحة تستحضر ذكرى الإنفجار وتجعلها، للحظة، واقعاً حاضراً. فالوقت لا يهمّ فعلاً، كما علّمتنا هذه الحادثة السريعة في مجراها، والبطيئة في تلقفنا لها. بعد أشهر من الإنهيار الذي واظب على سلبنا جهود سنوات طويلة في سبيل حياةٍ تستحقّ العيش، جاءت لحظة الإنفجار لتبعثر ما تبقى من مكنونات هذه الحياة.

عند التفكير في كل ما مضى خلال السنة الفائتة، تتعاظم الفجوة الهوائية التي أحدثها ضغط الإنفجار، وتقضم كل ما حولها: الوقت، الوعي وكلّ رغبة في الإستمرار. تغطّي إدراكي بسحابة من الضباب وتستقرّ أخيراً في قلبي، فتصيبني بالتخمة والخواء على حدّ سواء. ألحظ مدى تأثري وألعن نفسي: ألستُ أنا من تمنّى الإنهيار؟ ألست مَن آمَن بأن الأمور عصية على الإصلاح، وهي لن تنفكّ تزداد سوءاً إلى حين مجيء نيزك يرحمنا من لعنة الوجود؟ لكن الإنهيار، أو حتى الهلاك، كان في مخيلتي ذا وقع مختلف. تصوّرته يصم الآذان لأكثر من عشرٍ ثوانٍ، يصمها إلى الحدّ الذي يضحي معه إستيعاب الواقع الذي نعيشه أمراً مستحيلاً، كما يجدر به أن يكون. تصورته فوضوياً لدرجة إسعافنا على إدراك الفوضى التي نعيشها، وبالتالي التخلي عنها مقابل واقعٍ أقلّ سوريالية.

لكن سوريالية إنفجار أكثر من 2000 طن من نيترات الأمنيوم (أم أقل؟ وأين البقية؟)، لسبب مجهول وفي ظروف غامضة، ووصول إرتداداته إلى قبرص والأردن، لم تكن كافية لزلزلة النظام المهترئ الذي نجول في قُطره. إن هذا النظام مهترئ للدرجة التي أصبح معها حصناً منيعاً أمام الإنهيار. فإن إنهار كل شيء حوله، سيظلّ وحده واقفاً، على الأنقاض، تماماً مثل "طائر الفينيق" الذي يعتزّ به اللبنانيون، ربّما في محاولةٍ منهم لإستخراج أي عبرة من حياتهم المردية رماداً. لكن ذلك يتنافى مع قواعد الفيزياء والطبيعة. لا شيء عصياً على الإنهيار، ولا حياة تولد من الرماد. أيضاً لا يهمّ. فنحن نحيا في فقاعة خارج الزمن، حيث لا تنطبق قوانين الفيزياء أو الطبيعة أو حتى المنطق. لقد أعدنا تعريف السوريالية لترادف يومياتنا الطبيعية وتضع "العادي" خارج نطاق إستيعابنا. أضحى الخدَر سيّد الموقف، فهو ضرورة للتأقلم مع واقعٍ لا يصحّ تقبّله.

أقرر الفرار من حالة الخدر هذه. أترك بيتي على حاله، زجاج محطم ومتناثر في كل مكان، حتى في سريري الذي ألجأ إليه كل ليلة مدركةً بأن نثرات الزجاج التي لا زالت تلمع عليه قد تنغرس في أعماقي. آثار يدَين داميتين على جدران الغرفة والرواق. ستارة محترقة من وهج الإنفجار، ورذاذ بقايا فنجان القهوة المتطاير على الحائط. أقبع شهراً كاملاً وسط هذه الفوضى، عاجزةً عن تحريك ساكناً للملمة شتاتي. أمتنع عن كنس الدمار وتنظيف الدماء. فلتبقَ شاهدةً على ما حدث هنا. لا، لا يجدر بالحياة أن تُستأنف كما كانت. أمتنع عن تقبّل واقع يدعوني إلى التطبيع مع المأساة بوصفها حادثاً عرضياً أو صدفة تافهة. أغادر هذه الصدفة اللعينة المسمّاة وطناً، لكن ذنب النجاة يؤنبني. أرفض التصديق بأني نجوتُ فعلاً، وأحبُك سيناريوهات كثيرة حول الغرق والهلاك، أسوةً بأولئك الذين قضوا، ولم أقضِ.

أستحضر بيتاً من أغنية Space Oddity لدايفيد بوي: "رغم أني قطعتُ مئة ألف ميل، ما زلت أشعر بالجمود". أحيا حالة إنكار، يعزّزها نفوري من مَشاهد الحياة العادية. ثمة حياة تواصل مجراها الطبيعي في مكانٍ ما على هذا الكوكب؟ يبدو الأمر صعب التصديق، خصوصاً حين يبدو الوجود غايةً في الهشاشة. فوجودنا رهينة الصدف والمعادلات المحسوبة، على حدّ سواء، وأي تداخل لهذين العاملين كفيل بإبادتنا.

تؤرقني هشاشتي وتمنعني من عيش حياة طبيعية لا ينخرها القلق. من بعد، أراقب غباء الدولة اللبنانية التي تخزّن قنابلها الموقوتة في كل حدب وصوب، وأحسبه كفيلاً بتفجير الكوكب بأكمله. أخشى أن يلاحقني غباؤها إلى حيث أنا اليوم، أخشى أن تطاولني رصاصاتها الطائشة حتى إن بتُّ بعيدة من متناولها. أشعر أني مستهدفة، هناك وهنا، وفي كل مكان. فهذه الدولة التي تطوّقنا بأسباب الموت، لا بدّ أنها تفعل ذلك عن قصدٍ وإصرار. لا يعقَل أن يكون كل هذا الموت اعتباطياً وبلا مبرّر. مجرد أضرار جانبية في سبيل بناء مستعمرات صغيرة لرجالٍ مغفلين.

أسمع خبر العثور على نبض حيّ منذ شهر، تحت الأنقاض. أتذكّر أن قلبي أوشك على التوقف عند رؤية بعض الدماء تسيل مني. تسير الصدمة في عروقي. كيف تفوق ذاك الإنسان على هشاشته، وصمد كل هذه الأيام، بل الدقائق والثواني التي مرّت عليه كالسنين، ولا تزال؟ كيف ظل قادراً على التنفس، وعنف الدولة مصحوباً بعنف الفيزياء والكيمياء، يجثم بكل ثقله على صدره وينتزع النَّفَس من رئتيه؟ كيف تغلّب هذا الجسد على هشاشته؟ أسئلة كثيرة تراودني فيما أتأمّل قوة هذا الكائن التي لا مبرّر لها هي الأخرى. لكن المؤسف هو التفكير بأن كل هذا الصمود والمنازعة قد يذهبان سدى، مع تراجع النبض وعجز المنقذين عن إنتشاله حتى اللحظة. أن يغلب الموت هذه النَّفس بعدما تغلّبت على هشاشتها بشيءٍ يشبه السحر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها