آخر تحديث:19:46(بيروت)
الجمعة 25/09/2020
share

.. ومات الزعيم نظيفاً

نادر فوز | الجمعة 25/09/2020
شارك المقال :
.. ومات الزعيم نظيفاً لوحة فرانسيس بايكون
إنّ هذا النص لا علاقة له بالواقع، والأحداث التي تدور فيه من وحي ‏الخيال ولا تمتّ إلى الحقيقة بصِلة. وفي حال تشابهت الأحداث أو ‏الشخصيات أو الأسماء (لا أسماء فيه فعلياً) مع أخرى من الواقع، فهو من ‏باب الصدفة المحضة.

اليوم، مات زعيم. نُكّست الأعلام حداداً. بَثّت قنوات التلفزيون والراديو، ‏التي لم يعد أحد يستمع إليها، خطابات قديمة قيل إنها تاريخية، وأناشيد ‏وطنية. نُقلت مجريات التعازي في بيت العاصمة على الهواء، فكان ‏المعزّون يظهرون وفوداً تلو الأخرى أمام المشاهدين. حملت تلك المشاهد ‏الأسى إلى الناس، حتى أن بعضهم أخذ يرتعش في منزله، تأثراً. لم ‏يكن أحد ينتظر نبأً مماثلاً، فالرجل كان لا يزال في ريعان شبابه ‏السياسي ولو أنه أقبل على الثمانين. أطلّ مراسل إحدى القنوات ليشرح ‏للمشاهدين بعضاً من المعلومات التي توافرت حول هذا الموت الرهيب ‏والظالم.

في المغطس
مات الزعيم، بشكل مفاجئ. بحسب الرواية الإعلامية، عثر عليه خدمه ‏وحرّاسه في حوض الاستحمام، بلا نفَس ولا حركة. في يده اليمنى، جهاز ‏تحكّم من بُعد. كان الجهاز مغلّفاً بطريقة تجعله مقاوماً للماء، ‏حتى أنه لو ترك فيها، طفا على سطحها من دون أن يتعطل. وفي اليد اليسرى، سيجارة ‏‏"تريجورير سليمز بلاك". وإلى جانب المغطس، طاولة صغيرة تحمل كأساً ذاب ثلجها. كانت جثته باردة، تماماً كالماء المنقوع فيها، ولو ‏أنّ رذاذ الماء وبخاره الساخن كان ما زال يتساقط على المرآة المواجهة ‏للمغطس. لم تحدّد أسباب الوفاة بعد، مع استبعاد لفرضية الميتة الطبيعية. ‏قيل إنه قضى مغدوراً، بلا أثر لأي عراك أو دماء.‏

تعليق خبيث
على الأرجح، قضى الزعيم مسموماً. أشيعت في الأوساط والمجالس، نكتة ‏سمجة. تعليق خبيث يقول إن الزعيم، على الأقل، مات نظيفاً في حوض ‏الاستحمام. أكدت السلطات أنه سيتمّ تشريح الجثة للتدقيق في أسباب ‏الوفاة، ليصار بعدها إلى إجراء التحقيقات اللازمة وكشف كامل ‏الملابسات. ولم يستبعد بعض الجهات أنّ يكون الزعيم تعرّض لعملية ‏اغتيال منظّم بحِرفية عالية، في زمن المؤمرات على الوطن ونظامه. ‏وكانت سبقت موته، عملية اغتيال معنوي على أيدي حاقدين وعملاء سعوا إلى ‏تشويه صورته ووسم مسيرته وحياته بالفساد. فتعرّض لحملة مدبّرة ‏بإتقان صورته إبليساً في وطن جحيم.‏

منصّة التشريح
على منصّة التشريح، رقد الزعيم مغطّى بشرشف أبيض. نزعوا خاتمه ‏الذهبي من خنصر يُمناه، حلقوا بعضاً من شعر صدره. وضعوه على ‏مجسم بلاستيكي رفع صدره إلى الأعلى، وبدأت المرحلة الأولى من ‏التشريح. عمل طبيب على تشريح الرأس. فأحدث شقاً من خلف الأذن ‏اليسرى إلى الجهة المقابلة، مروراً بقبّة الرأس. في الوقت نفسه، حمل ‏متخصّص آخر مشرطاً وباشر العملية في وسط الجسد. خطّ شقّين، من أعلى ‏الجسم نزولاً، ومن أسفل الكتفين إلى الصدر. التقى الخطّان، فنزل بهما ‏الطبيب بشكل مستقيم إلى الجانب الأيسر من السرّة. كأنّ الطبيب رسم ‏على الجثة حرف ‏Y‏. ‏Y؟ سؤال أخير لا بد منه.‏

استكشاف صادم
باتت الجثة جاهزة للمرحلة الثانية من التشريح. أمسك الطبيب مقصّين ‏وعمل على فتح تجويفة الصدر. رفع جانباً منها، فابتعد لا إرادياً عن ‏الجثة. ارتعش جسمه وانتفض في أرضه. ملأت رائحة العفونة المشرحة. ‏لم يدرِ أنه فتح لتوّه بئراً من نطف. تحت الجلد الخارجي، وجد طبقات ‏سميكة من اللحم المهترئ. فتحوا الكيس التاموري المحيط بالقلب، فوجوده ‏مضمحلاً منكمشاً بحجم جوزة. مضلّع مثلها، لكن مدبّب. نزعوا القلب، ‏ومنه نزلوا إلى الرئتين. لم يجدوا فيهما شُعَباً بل ورود شوكران سامة. ‏وأكملوا باتجاه بالبطن والأحشاء والأعضاء الداخلية، وكانت ليفاً بلون ‏قاتم. فتح الطبيب الآخر الرأس، فخرجت منه طاقة لزجة وسائل سميك ‏وغليظ.

النعوة
لم يفهم الطبيبان شيئاً. تركا الجثة كما هي. المقّصات مغروسة فيها. ‏استأذنا الحارسين على باب المشرحة، وخرجا. في وقت لاحق صدر بيان ‏أذيع عبر وسائل الإعلام كافة، وجاء فيه: ننعي إلى شعبنا وأمّتنا وكل ‏العالم، القائد والمعلم والمفكّر والشاعر والضابط والرمز والصانع ‏والبطل، الأخ الزعيم الشهيد. اسشتهد الزعيم مسموماً على يد الغدر ‏والعدوان، أبناء الشياطين. فما عجز عنه الرصاص والتفجير والتقسيم ‏والحصار، تمكّن منه سمّ خبيث زرع في عروق الزعيم، فكلّل مسيرته ‏السياسية بالشهادة. وفي تلك المسيرة، ما تمنّى غير الشهادة. نواجه اليوم ‏تحدياً جديداً، كما دائماً، نخوضه جنباً إلى جنب وكتف على آخر، برصّ ‏الصفوف وشدّ عزيمة وحدتنا وعيشنا المشترك. على درس الشهيد سنبقى ‏ونكمل المشوار، ومنه نأخذ العِبر والدروس لمسيرة أكثر إشراقاً ونوراً.‏

استمرّت إذاعة النعوة، ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع، نُظّم حفل ‏تأبين مهيب، حضره عشرات الملايين في الساحات وعلى شاشات التلفزة. ‏لكن في تلك المجالس، استمرّ التداول بالنكتة السمجة نفسها: على الأقل، ‏مات الزعيم نظيفاً في حوض الاستحمام.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها