آخر تحديث:15:37(بيروت)
الجمعة 25/09/2020
share

ترانسفير الوجع

وليد بركسية | الجمعة 25/09/2020
شارك المقال :
ترانسفير الوجع
في العام 2018، كانت صورة لطفل سوري محمول في شنطة سفر ضمن رحلة نزوح إجباري من الغوطة الشرقية إلى دمشق، تنتشر حول العالم مذكرة بمأساة السوريين الذين يواجهون نيران نظام الأسد وبطشه. وبشكل مشابه تنتشر اليوم صورة مؤلمة لامرأة تسحب طفلها على منصة خشبية أثناء استعدادهما للانتقال إلى مخيم مؤقت جديد للمهاجرين واللاجئين في جزيرة ليسبوس اليونانية، في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية، في تذكير بمأساة اللاجئين حول العالم.


والصورة التي تصدّرت أبرز الصور المتداولة حول العالم هذا الأسبوع، التقطتها مصورة وكالة "رويترز" يارا ناردي في 21 أيلول/سبتمبر الجاري، أعادت صور اللاجئين إلى الواجهة بعد تراجعها إلى مرتبة ثانوية، مقارنة بما كانت عليه العام 2015 إبان موجة اللجوء التي تدفقت نحو أوروبا حينها. وتشكل جزءاً من مجموعة أوسع توثق انتقال الآلاف من طالبي اللجوء إلى منشأة مؤقتة جديدة ، بعد دمر حريق مخيم موريا وخلف أكثر من 12000 شخص ، معظمهم من اللاجئين من أفغانستان وسوريا ودول أفريقية مختلفة، من دون مأوى أو صرف صحي مناسب أو الحصول على الطعام والماء.

**صورة اليوم** امرأة تسحب طفلها على منصة خشبية أثناء استعدادهما للانتقال إلى مخيم مؤقت جديد للمهاجرين واللاجئين في جزيرة #ليسبوس اليونانية 21/09/2020. الصورة: رويترز

Posted by ‎مهاجر نيوز - InfoMigrants Arabic‎ on Tuesday, September 22, 2020



عامان كاملان يفصلان بين الصورتين الأيقونيتين. صحيح أن كلاً منهما تتحدث عن مأساة منفصلة، لكنهما تتقاسمان جذراً مشتركاً يتمثل بالإهمال الدولي تجاه قضية اللاجئين، أسهم في غياب الموضوع إلى حد كبير عن وسائل الإعلام وتراجعه إلى مرتبة ثانوية، بعد الاتفاق الأوروبي التركي بهذا الخصوص العام 2016، والذي حد من أزمة اللجوء من دون أن يضع حداً لها تماماً، لأن ذلك يقضي بإنهاء الأسباب التي تجعل آلاف الأشخاص يهربون بحياتهم مع أطفالهم وعائلاتهم خوفاً من الواقع المظلم في بلدانهم الأصلية، التي تتشاطر الحروب والخراب والدكتاتورية والظلم. ولا فرق هنا ربما بين سوريا أو إيران أو أفغانستان وغيرها من الدول الأكثر تصديراً للاجئين في السنوات العشر الأخيرة.

والحال أن جنسية السيدة وطفلها في الصورة الجديدة ليست معروفة. ذلك تفصيل ليس مهماً، حيث يصبح اللجوء اليوم جواز سفر جديد لمئات آلاف الأشخاص. ومن بينهم أولئك العالقون في اليونان، مع إغلاق الحدود في وجههم، وإجبارهم على الحياة في ظروف مأساوية.

وللأسف فإن نتيجة الصورة الأخيرة قد لا تتعدى ذرف الدموع في مواقع التواصل مع دعوات التضامن والتعاطف، خصوصاً أن آلاف الصور الشبيهة خرجت من سوريا، ولم تحرك العالم. فيما تحول الضحايا ومن ضمنهم اللاجئون، في سوريا وغيرها، إلى مجرد أرقام في حروب بعيدة لا تعني العالم البعيد الغارق في مشاكله الحدثية، التي تبدأ عند فيروس كورونا ولا تنتهي عند المشاكل الاقتصادية المحلية، خصوصاً إن كانت هنالك سرديات سائدة عن نهاية للحرب أو انتصار ما لطرف أو لآخر، كما هو الحال في سوريا، التي يحب بعض اليمينيين مثلاً تكرار أسطوانة انتصار النظام فيها وعودة الأمان لها، متجاهلين هذه النوعية من الصور التي يبكي في الأطفال أو ينظرون بذهول إلى الكاميرات.

ومثلما لا يتطلع الطفل الغافي بسلام في الصورة إلى المظاهرات التي خرجت في برلين ومدن ألمانية تطالب باستقبال اللاجئين، فإنه لا يدرك حتماً سبب البؤس المحيط به. لا يفهم الصراخ وعنف الشرطة ودموع المحيطين به من القهر اليومي. وربما كانت رائحة الحريق عالقة في أنفه لتطلخ ذكرياته التي لا تتضمن إلا روائح مشابهة التقطها أثناء رحلة اللجوء وفي الخيمة التي ربما اعتبرتها منزلاً لها. ولا يهتم الطفل بالطبع بتصريحات مديرة المكتب الأوروبي في منظمة "أوكسفام" ماريسا رايان، الدبلوماسية الباردة التي قالت فيها أن "ما حدث قبل أسبوعين في مخيم موريا يُظهر فشل أوروبا الجماعي في القيام" بـ "دعم وتحمي الحقوق الأساسية لجميع الأشخاص في جميع أنحاء أوروبا".

ونشب حريق هائل في مخيم موريا بجزيرة ليسبوس في 8 أيلول/سبتمبر الجاري، حول المكان برمته إلى رماد. وقالت وكالة "فرانس برس" أن الشرطة اليونانية بنقل اللاجئين المساكين في وقت لاحق عند الفجر إلى مخيم آخر أقيم على عجل فيما منعت منظمة "أطباء بلا حدود" من تقديم المساعدة الطبية. "وبهدوء يخترقه بكاء الأطفال فقط، قام العديد من اللاجئين بطي بطانياتهم وحمل الحقائب التي وضعوا فيها حاجياتهم الناجية من النيران، فيما هم آخرون بتفكيك الخيام المثبتة على الاسفلت، وبينما كانت شاحنة للشرطة مركونة على الجانب الآخر من الطريق. كما توجهت النساء والأطفال إلى حاجز الشرطة، حاملين صرة امتعتهم على ظهورهم".


ونشر ناشطون وصحافيون الصورة مع هاشتاغات تدعو لأنقاذ اللاجئين، في وقت قدمت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، مقترحات جديدة لوضع سياسة لجوء أوروبية جديدة تكون بديلة عن اتفاقية دبلن المعمول بها حالياً. بينما أوضح مركز الإحصاءات الأوروبية وجود انخفاض في عدد طلبات اللجوء المقدمة إلى دول الاتحاد الأوروبي هذا العام، بنسبة 34 بالمئة مقارنة بالنصف الأول من العام 2019، لكن ذلك لا يشمل أرقام العالقين في اليونان أو المتواجدين في البحر على متن قوارب الموت.

إنها رحلة تهجير مستمرة من دول الصراعات في الشرق الأوسط المضطربة، يمكن أن تطلق عليه تسمية درامية مثل "ترانسفير الوجع". وإن كان العجز واليأس سيدا الموقف أمام هذه المآسي المتكررة، فإن الحل قد يكون ببذل جهود أكبر لإيجاد حلول سياسية حقيقية تنهي الأسباب التي تدفع الناس للهرب واللجوء في المقام الأول. وربما يجب الوصول إلى تعريف أكثر دقة لهذه العملية بدلاً من تعميم كلمة المهاجرين التي تشكل سياقاً مضللاً بحد ذاتها، لأن معظم أولئك المساكين ممن تقطعت بهم السبل، هم مهجرون قسراً يصارعون العالم من أجل طريق آمن نحو مكان يستطيعون فيه الحياة فقط، من دون أي صفة لاحقة، وليسوا أشخاصاً مرفهين يبحثون عن ظروف اقتصادية أفضل للازدهار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها