آخر تحديث:14:09(بيروت)
الأربعاء 23/09/2020
share

ميشال عون.. أصل الصورة

قاسم مرواني | الأربعاء 23/09/2020
شارك المقال :
ميشال عون.. أصل الصورة
في أول مؤتمر صحافي عام له، منذ وصوله الى رئاسة الجمهورية، ارتكب الرئيس ميشال عون ثلاثة أخطاء ليس من المقبول أن يقع فيها رئيس للبلاد. فعن تشكيل الحكومة قال: "نحتاج إلى عجيبة"، وفي تعليق له على نفاد إحتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية ووقف الدعم عن السلع الأساسية قال: "رح يخلصو المصريات، شو بدنا نقول". ثم حين سئل عن مصير البلاد في حال عدم تشكيل الحكومة، قال اننا نتجه الى "جهنم".

أعادت إجابات رئيس الجمهورية، إلى أذهان الناس، صورة لم تُحذف من الذاكرة بعد، عن رئيس التيار الوطني الحر والنائب في البرلمان، حين كانت لديه مرونة أتاحها له موقعه الحزبي والشعبي، تسمح له بقول ما يشاء بالطريقة التي يشاء. كان الرجل الحاد، صاحب الإجابات القصيرة والنبرة العالية. وقد بذل فريقه الإعلامي، منذ وصوله إلى قصر بعبدا، الكثير من الجهد لتغيير الصورة المطبوعة عنه في أذهان الشعب.

فعلى مدار أربع سنوات، أصبح الرجل، وفق صورته كرئيس للبلاد، الهادئ والسلس. لم يُسجل أي كباش مع الصحافيين، ولم تخرج اجاباته عن الدبلوماسية والتوضيح. فإطلالاته الإعلامية خلال السنوات الأربع الماضية، كانت محسوبة بدقة، وهو ما ظهر في الحوارات الثلاثة التي جرت مع صحافيين لبنانيين، في الذكرى السنوية الأولى لوصوله الى الرئاسة، وفي الذكرى الثانية، وفي الحوار مع قناة "الميادين"..

لكن عون، في مؤتمره الصحافي الأخير، بدا كمن يحاول ضبط نفسه أمام أسئلة الصحافيين، حفاظاً على تلك الصورة والسلوك الإعلامي. لكن الطبع يغلب التطبع. فقد ذهب كل الجهد الذي بذله فريقه الإعلامي، هباءً. انكسرت الصورة التي حاول تكريسها طوال السنوات الماضية، وبتنا أمام ميشال عون النائب، ورئيس التيار، والسياسي الذي يمتلك فائضاً من القريحة، بلا تجميل أو دبلوماسية.

ميشال عون، كغيره من السياسيين، شريك في كل ما حدث ويحدث، ربما أقل منهم قليلاً، لكنه لا شك أكثرهم استفزاراً للشارع بعد صهره جبران باسيل. فليس من المقبول أن يجيب رئيس للبلاد عن سؤال حول نهاية الطريق بأننا ذاهبون إلى جهنم، مع ابتسامة صفراء، كأنه غير معنيّ بما يحدث.

وبغض النظر عن الهدف من تعبيره، سواء ردّ الفعل على اجتماعه السابق مع النائب محمد رعد الذي أصر على الاحتفاظ بوزارة المالية للشيعة، أو المحاولة للضغط على حلفائه لتسهيل تشكيل الحكومة، أو التوصيف الدقيق للواقع، فالمؤكد أن تعبيراً كهذا غير مقبول من رأس الدولة، ولا بد أنه سيؤثر سلباً في الناس والاقتصاد، بدليل ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء بعد تصريحه أن "رح يخلصوا المصريات".

حين وعد الرئيس، اللبنانيين، بتسليمهم وطناً أفضل، كان جاداً في كلامه، لكنه فشل. فعند وصوله إلى قصر بعبدا، غداة تنصيبه رئيساً للجمهورية، لم يتذكر أواخر الثمانينات، حين كان يخطب في شعبه من على شرفة القصر نفسه. ما جال في خاطره على الأرجح هو صورة فؤاد شهاب، الرئيس الآتي من المؤسسة العسكرية، مثله تماماً، أو ربما كميل شمعون. كان يمنّي النفس بأن يحجز مكاناً إلى جانب العهدين الذهبيين، أو ربما شطح بمخيلته قليلاً وفكر أن في وسعه التقدم عليهما. كان التاريخ قد فتح أبوابه لأجله، واكتشف مع الوقت قاعدة ذهبية لدخوله: إن لم تستطع بلوغ القمة، حاول بلوغ القعر، التاريخ يذكر الأفضل على الإطلاق، والأسوأ على الإطلاق. حفر عميقاً، لم تُترك صخرة واقفة في وجه انحدار البلاد، وكلما بلغ مستوىً معيناً، وجد أركان الحكم أن في استطاعتهم الحفر أكثر.

كنا نتساءل سابقاً إلى أي هاوية سحيقة يجرنا هذا الرجل؟ أي قعر يحاول بلوغه؟ في إطلالته، الإثنين الماضي، بشّرنا بجهنم، مبتسماً، كأن علينا الاستمتاع بالرحلة. دخل التاريخ من أوسع أبوابه، رئيس جمهورية جهنم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها