آخر تحديث:14:20(بيروت)
السبت 19/09/2020
share

أبو زينب الذي تمنّاها مقتولة قبل حرقها..

ريما ابراهيم | السبت 19/09/2020
شارك المقال :
أبو زينب الذي تمنّاها مقتولة قبل حرقها..
طفلة في الرابعة عشرة من العمر، اغتُصبت وقُتلت وحُرقت. كلها أفعال فظيعة مروعة، لكن فكرك يأبى إلا أن يركز على إحداها، ويحاصرك سؤال لا تقوى على الفكاك منه، فتقرأ كل ما يطالعك من أخبار تتعلق بها، علك تجد جواباً يريحك من عذاب السؤال... هل ماتت بفعل الحرق أم قبله؟ تروعك فكرة أن تكون أحرقت حية!

كيف لا، وأنت ورثت عن أجدادك وأجداد أجدادهم، رعبهم من عذاب الجحيم. هو العذاب الأشد إيلاماً، هكذا حُفر في لاوعيك الجماعي.
الموت لا يخيف بقدر ما تخيف طريقة الموت ووسيلته.

والد زينب لم يستطع أن يكبت في صدره هواجسه، باح بأمنيته بأن تكون ابنته قضت قبل الحرق، أن تكون ارتاحت من عذاب النار، ومثله أغلبنا، نتمنى الموت فراراً من عذاب مشابه، نتمناه خلاصاً. لذا عندما نقع، في وسائل التواصل الإجتماعي، على دعوات لإحراق المجرمين عقاباً على فعلتهم الوحشية، نصاب بالذهول! أو فلأتكلم عن نفسي: أصاب بالذهول.

بعدما أمضيت شهوراً أقرأ على حيطان "فايسبوك"، هوامات الأصحاب والأصدقاء التي تتلذذ بوصف ما يتمنون إنزاله بالمسؤولين من ضروب التعذيب وفنونه، وبعدما أصبحت الدعوات للثأر والانتقام تخرج من أفواه نشطاء حقوقيين وتسيل من أقلامهم التي أمضت عمراً تدافع عن ثقافة حقوق الإنسان... أصبحت أشكّ في أن تأنف نفوس الكثيرين، تخيل مشهد إحراق إنسان أو خوزقته، أو حتى تأمله ينتفض ويلفظ أنفاسه الأخيرة معلَّقاً على حبل مشنقة.

لا أدري إن كانوا حين يكتبون أو يتلفظون بتلك الدعوات الى الإحراق والتعذيب والتقطيع والسلخ والسحل والشنق وقطع الرؤوس، يتخيلون تلك المشاهد ويشعرون بفظاعتها، أم أنهم يسمّعونها عن ظهر قلب. لا أدري إن كانوا يدركون كم تشكل تلك الدعوات من تقهقر وانهزام أمام انفلات غرائز الموت التدميرية، وأمام الفكر البدائي الإلغائي المتعطش للدماء.

نعم يشكل ذلك تقهقراً وعودة عن إنجازات أمضت البشرية عصوراً لتحقيقها، فقد ظل بعض العقوبات الوحشية يطبق حتى منتصف القرن الثامن عشر. ثم بدأت إعادة النظر في كل سياسة العقاب في أوروبا، مع الثورة الفرنسية وبتأثير فلاسفة عصر الأنوار والنهضة الفكرية التي قادها مونتيسكيو وروسو وفولتير وغيرهم. فأُعدّت المشاريع الإصلاحية وصيغت نظريات جديدة في فلسفة العقاب، وسنّت قوانين حديثة في  أنحاء أوروبا.

هذه الثورة الفكرية جعلت المنظومة الجزائية تخجل من استعراض تعذيبها لأجساد المحكومين، لكن خجلها من ماضيها لم يخلصها منه تماماً. فعدا كون العديد من الدول لا تزال تحتفظ بممارسات وحشية تحت مسمى العقاب، ها نحن في الدول التي لم تستبقِ، نظرياً، من ضروب الوحشية إلا الإعدام، كلما شهدنا جريمة مروعة وتحديداً عندما يكون ضحاياها من الأطفال، نسمح لمخيلتنا المسكونة بالهوامات السادية بأن تصول في وصف أفعال لا تقل وحشية عن الأفعال التي نستنكرها.

فلماذا نستنكرها إذن، إن كنا قادرين على ارتكاب مثلها، وإن في خيالنا؟ لماذا نستنكرها إن كنا نبررها ونشرعها ونطلق عليها مسمى، نظنّ أنه يطهرها من دنس الجريمة، ألا وهو العقاب؟ هل يستمد الفعل "جرميته" من هوية من يقع عليه؟ هل ثمة تعذيب حرام وتعذيب حلال؟ فإن كان من يقع عليه الفعل مجرماً، أو ربما في حالات أخرى معارضاً أو خارجاً عن الدين أو مثلياً أو أي صفة لا نرضى عنها، يصبح تعذيبه حلالاً ومحبذاً ومستحباً؟!

المشكلة أن هذا الفصام لا يقتصر على مواقفنا من أحداث مشابهة، بل ينسحب على مجمل حياتنا وعلى تعاطينا مع أفراد أُسرنا ومجتمعاتنا، مع زملائنا في الصف والعمل، مع شركائنا في الوطن، فنبيح لأنفسنا التنكيل بهم حين نقرر أنهم على ضلال وأننا على حق، ونتذمر منهم حين يأتون أفعالنا نفسها.

لا شك أن الثلاثة أو الأربعة الذين اغتصبوا وأحرقوا تلك الطفلة المسكينة حية، هم مجرمون متوحشون ميتو الضمير معدومو الإنسانية، ويستأهلون عقاباً صارماً ومشدداً. لكن ما لا أفهمه هو لماذا نقتدي بهم ونطالب بتكرار فعلتهم نفسها؟ لماذا نهرع لمنافستهم في الإجرام؟! 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما ابراهيم

ريما ابراهيم

كاتبة وناشطة حقوقية لبنانية