آخر تحديث:16:40(بيروت)
الأربعاء 16/09/2020
share

جنوبيون ومرفأ بيروت: تاريخ العتالة

قاسم مرواني | الأربعاء 16/09/2020
شارك المقال :
جنوبيون ومرفأ بيروت: تاريخ العتالة
لنا في الجنوب تاريخ طويل مع مهنة العتالة، عمل بها جميع سكان القرى. قبل استقلال لبنان كانوا يعملون في مرفأ حيفا. "الفهلوي" بينهم استغل عمله هناك، للتهريب، فجنى ثروة. بعد استقلال لبنان وقيام كيان العدو، وضعوا مرفأ بيروت نصب عيونهم.

إذا جلست، قبل الحرب الأهلية، في مقهى فاروق في ساحة رياض الصلح، عند الساعة الخامسة صباحاً، ستجدهم ينحدرون من مناطق الباشورة والمصيطبة والخندق الغميق وزقاق البلاط، ثم عند ساحة رياض الصلح، ينقسمون إلى قسمين. عتالو المحلات في الشارع العريض حيث تنتشر المحال التجارية، وعتالو المرفأ.

جزء من القسم الأول، وبسبب احتكاكه الدائم بالزبائن وأصحاب المتاجر، وجد طريقه إلى أسرار التجارة وأصبح في ما بعد صاحب متجر متمكن.

القسم الثاني يتابع أفراده طريقهم إلى مرفأ بيروت، يرتدون سراويلهم التقليدية ويضعون على ظهورهم قماشاً سميكاً مصنوعاً من الخيش كيلا تتأذى ظهورهم من الصناديق والأحمال الثقيلة. يحملون شراشيرهم في أيديهم، والشرشور حبل قصير في أوله مقبض، وفي نهايته خطاف صغير، يرمونه باتجاه الأكياس الثقيلة، يعلق بها الخطاف فيسحبونها إلى ظهورهم. يلفون حول أعناقهم حبالاً طويلة، يربطون بها الصناديق ويرفعونها على ظهورهم. لم تكن اليد العاملة السورية حينها موجودة في مجال العتالة التي اقتصرت على اللبنانيين وبعض المصريين.

كان العتال يتقاضى يومياً 15 ليرة، في حين كان راتب أستاذ المدرسة الشهري حوالى مئتي ليرة. يدفع العتالون من أجرتهم نصف ليرة تصريحاً لدخول المرفأ، ونصف ليرة يتقاضاها ريس الحمالين الذي لديه كامل الصلاحية في السماح لمن يشاء بممارسة المهنة ومنع من يشاء، وفي المقابل يحميهم ويطالب بحقوقهم. يقال، قبل الحرب كان ريس العتالين، اسمه أبو وجيه، خال الرئيس نبيه بري. بالإضافة إلى الأجر الذي يتقاضونه، يستولي بعضهم على كيلو شاي أو قهوة جائزة ترضية بعد نهار طويل في التعتيل.

في المساء يعودون إلى منازلهم، وكانت لهم، خلال جلسات الشاي، قصصهم وأساطيرهم ومبالغاتهم. من بين هذه القصص أن حسن كان أقوى عتال في لبنان، يروون مآثره كما تروى مآثر عمر بن أبي ربيعة وعنترة بن شداد. يروون كيف رفع لوحاً خشبياً، بطول ستة أمتار وعرض متر، فوق كتفه وكيف أخرج خزانة حديدية ضخمة من حفرة.

ولم تكن العتالة متوقفة على القوة الجسدية، بل كانت لها فنونها وآلياتها. يروي العتالون عن حسن، أن أحد الصناعيين اللبنانيين أتى بآلالات لصنع الشوكولا، وزن الواحدة منها حوالى 700 كيلوغرام. نقلها إلى الجنوب بالشاحنات، وعندما وصل إلى المصنع، لم يستطع تأمين رافعة لتنزيلها. أشار عليه أحد الحاضرين بالإستعانة بحسن فأرسلوا في طلبه من قريته.

كانت طريقة نقل الآلات من الشاحنات إلى المعمل موجودة مسبقاً في رأس حسن. نظر إليها وطلب منهم ألواحاً طويلة من الخشب والكثير من الصابون. دهن ألواح الخشب بالصابون ووضعها أمام الآلات، من الشاحنة وحتى المكان المخصص لها في المصنع ثم بدأ بالدفع، كان يتمتع بقوة بدنية هائلة، ومع القليل من الجهد، استطاع بمساعدة الآخرين دفع الآلات إلى المصنع.

يقال بأن قرية الشهابية بناها عتالو المرفأ، وأن الكثير من العتالين عملوا في التجارة وجمعوا الثروات. لكن الثابت أن معظم أهالي الجنوب قبل الحرب الأهلية، عملوا في التعتيل، وإن لفترات قصيرة أو كعمل إضافي. ساعدتهم المهنة على الاستمرار في مدينة غريبة انتقلوا إليها حديثاً وبدا أنها تتقبلهم بصعوبة، تعلموا أو علّموا أبناءهم، أسسوا الأعمال وازدهروا، كان مرفأ بيروت جنتهم الصغيرة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

قاسم مرواني

قاسم مرواني

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب