آخر تحديث:18:03(بيروت)
الأربعاء 05/08/2020
share

سوريون شامتون في بيروت المنكوبة: أقلية صاخبة

وليد بركسية | الأربعاء 05/08/2020
شارك المقال :
سوريون شامتون في بيروت المنكوبة: أقلية صاخبة (غيتي)
تشنج السوريون منذ لحظة الانفجار الهائل الذي حول العاصمة اللبنانية بيروت إلى مدينة منكوبة. ففي حين عرف آلاف السوريين المدينة الجميلة كوطن ثان يضم أحباباً وأصدقاء وذكريات، حالياً أو في فترة ماضية من حياتهم، وعبّروا عن حزن عميق لما آلت إليه المدينة بفعل الإهمال والسلطة الفاسدة، تحول الحدث بشكل مواز إلى منصة لطرح تساؤلات وجودية جدية حول قدرة السوريين على التعاطف من أساسه، وصولاً إلى طرح تعليقات سامّة لا تخلو من الشماتة.

وكشف الحدث اللبناني الأليم، حالة من الاستقطاب تحكم علاقة السوريين ببعضهم البعض أولاً، قبل علاقتهم مع العالم. وبدت الأسئلة التي طرحها البعض، منذ مساء الثلاثاء، تكراراً للنقاش البيزنطي الذي طرحه السوريون قبل 5 سنوات عندما هزت تفجيرات إرهابية العاصمة الفرنسية باريس: هل مازال بإمكاننا التعاطف، هل المتعاطفون خونة، هل تجوز الشماتة في مصائب الآخرين؟ وكلها أسئلة اتهامية تكررت بصيغة أو بأخرى في النقاشات الفردية وفي الصفحات العامة على حد سواء.

إلا أن قرب الحدث اللبناني جغرافياً، مقارنة بالحدث الفرنسي القديم، والعلاقة المتشابكة التي تربط سوريا بلبنان على مستويات عديدة، وعامل التجربة الشخصية، وطول أمد الحرب السورية والدور اللبناني فيها، كلها جعلت النقاشات اليوم أكثر حدة، وجعل الاتهامات المتبادلة تصل حد إلغاء صداقات وقطع علاقات طويلة الأمد. مع الإشارة إلى أن الخلافات لم تكن مثلما جرت العادة بين مجموعات بشرية كبيرة، كالموالين والمعارضين أو الإسلاميين والعلمانيين أو سوريي الداخل وسوريي الخارج، بل ضمن فئات أصغر في تلك الفئات.



وهنا، انطلقت التعليقات الشامتة من أسباب مختلفة، أولها العنصرية التي يحملها عدد من السوريين للبنانيين، والتي تفترض تفوقاً لدى السوريين على نظرائهم اللبنانيين، لأسباب أخلاقية ودينية وإثنية، بشكل مشابه للخطاب العنصري المضاد الذي يقدمه عنصريون لبنانيون بدورهم. وينظر هذا القسم من السوريين، حسب التربية البعثية، إلى لبنان كمحافظة سورية أو حديقة خلفية لدمشق في أفضل الأحوال، وبالتالي لا يجب على "شبه الدويلة" أن تتفوق على المركز، حتى لو كان ذلك في كمية البؤس وحجم التعاطف العام على ما يبدو.

وهكذا، تبارى سوريون في احتكار لقب الضحية الحقيقية، لإظهار أن التعاطف يجب أن ينحصر في سوريا التي عانت طوال 9 سنوات من الحرب التي "لا تقارن بتفجير صغير"، وكرر الموالون حديثهم عن "قذائف المجموعات الإرهابية المسلحة" على دمشق، بينما أشار المعارضون لدمار مدن بكاملها على يد النظام السوري "من دون أن يهتز ضمير العالم". إلا أن تلك المقاربات السطحية تبقى ناقصة حكماً، لأن الإنسانية لا تتجزاً، ولأن التعاطف مع الحدث السوري كان حاضراً بين اللبنانيين، مثلما كان في بقية دول العالم، ولو اختلف شكل ذلك التعاطف مع مرور الوقت بسبب طول الأزمة السورية التي باتت حدثاً ممتداً جعل المشاعر بشأنه مخدرة إلى حد ما، مع تراجع وتيرة الحرب السورية واختفاء المشاهد المؤثرة والصادمة من وسائل الإعلام، بشكل تدريجي منذ معركة حلب العام 2016.



وانتقل شامتون آخرون للحديث عن أن العنصرية التي عبّر عنها لبنانيون ضد اللاجئين السوريين في البلاد تستوجب اليوم الشماتة في مصيبتهم بمدينتهم، وذكروا باللافتات التي رفعت ضد اللاجئين السوريين أو بعض الممارسات العنصرية ضدهم أو بتصريحات طالبت بطردهم، وغير ذلك. وباتت بيروت، وفق هذه الرؤية السامة، "تستحق" ما حل بها كنوع من العقاب الإلهي الذي يمارسه إله مفترض مهتم بتحقيق العدالة، أو كنوع من "الكارما"، رغم أن هذه الرؤية تنسى أن الخطاب العنصري في لبنان يأتي بالدرجة الأولى من أطراف في السلطة اللبنانية عمدوا إلى شيطنة الوجود السوري في لبنان، من دون إخفاء علاقاتهم مع نظام الأسد، كما تنسى اللبنانيين الذين وقفوا في وجه العنصرية الممنهجة ضد السوريين في البلاد، بما في ذلك ناشطون وصحافيون ومواطنون عاديون نزلوا إلى الشوارع وتظاهروا تضامناً مع مصائب السوريين المختلفة، أو ساعدوا اللاجئين بطرق مختلفة.

والحال أن هذه الصراعات التي تكثفت في التعليقات أكثر من كونها منشورات مستقلة بحد ذاتها، جعلت المأساة اللبنانية تتراجع إلى المعقد الخلفي مقابل استذكار المآسي الشخصية للسوريين وقصصهم، الذين قال بعضهم أنهم وإن كانوا ليسوا شامتين، لا يستطيعون التعاطف أو الشعور بالحزن مع مصيبة لا تعنيهم، في وقت لم يساعدهم أحد طوال عشر سنوات. ولا يعتبر ذلك أنانية أو جفافاً عاطفياً أو شراً بالضرورة، بل إحساساً بالذات والفردية تفرضه الأولوية، وربما لا ينبغي لوم أصحابه عليه، طالما أنهم لم ينضموا لجوقة الشامتين، بل لاموهم بدورهم.



بموازاة ذلك، امتلأت النقاشات بالتحليلات السياسية "الشعبية" حول أسباب التفجيرات وعلاقتها بالأزمة السورية، مع ملاحظة أن كثيراً من المعلقين اجتمعوا على فكرة أن عدم الاستقرار في سوريا سبب مباشر للاضطرابات الحالية في المنطقة. وامتد هذا الحديث إلى دور حزب الله في قتل السوريين إلى جانب النظام طوال سنوات الحرب السورية، إلا أن ذلك لا يشكل مبرراً للشماتة في كل اللبنانيين، الذين باتت بلادهم رهينة لدى الحزب، ما أوصل البلاد إلى مستوى غير مسبوق من الانهيار الاقتصادي خلال الأشهر القليلة الماضية، خصوصاً أن هذه الرؤية تجعل السوريين واللبنانيين ضحايا للمجرمين أنفسهم، ما يستوجب إظهار تعاطف مع بيروت مواز للتعاطف مع حمص والزبداني وحلب وإدلب وغيرها.

ويجب القول أن هذا المشهد، وإن كان لا يشكل حالة عامة، إلا أن التعبير عنه كان عالياً وقبيحاً، وخصوصاً ممن يمتلكون آراء دينية محافظة ترى في لبنان بؤرة "للفساد والمجون" و"النساء العاريات والرجال المخنثين"، وكلها أوصاف تكررت للأسف كأدلة ساقها أصحابها للقول أن البلاد مفتقدة للأخلاق السليمة وقيم الرجولة الحقيقية! واستوجب ذلك ردوداً حاسمة من صحافيين وناشطين سوريين. فكتب الصحافي مسعود عكو على سبيل المثال: "لا أفهم ولا أعرف لماذا يشمت بعض السوريين بتفجير بيروت الهائل يوم أمس؟ في جولة على بعض الصفحات الفيسبوكية كمية هائلة من الشماتة تتقطر نذالة من موتورين. كلمات نابية، وعبارات مقرفة، وتعليقات مسيئة. ألا تخجلون من دمار بلادكم؟ ألا تخجلون من شتاتكم في كل بقاع العالم؟ كونوا رحماء حتى يرحمكم الله وعباده. معيب جداً الشماتة ببيروت التي حضنتكم وتحضنكم وستحضنكم!". 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها