آخر تحديث:16:29(بيروت)
الأحد 06/09/2020
share

"ثورة" المسلسلات التركية..السلطة تدعم كتابة تاريخها

جو حمورة | الأحد 06/09/2020
شارك المقال :
"ثورة" المسلسلات التركية..السلطة تدعم كتابة تاريخها قيامة ارطغرل واحد من المسلسلات التارخية الموجهة للداخل التركي والقوقاز
لطالما احتلت المسلسلات التركية مكانة مرموقة بين نظيراتها. منها ما تروي حكاية حب أو بطولة، وغيرها تناقش مسألة سياسية أو تاريخية، إلا أنها كلها جزء أساسي من "السياسة الناعمة" للدولة التركية، الساعية لكسب قلوب وعقول جيرانها العرب والبلقانيين والقوقازيين.

لم يحتل هذا القطاع رأس قائمة المسلسلات عالمياً، إذ أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال متربعة على اللائحة، إلا أن الأتراك باتوا منافسين جديين للمسلسلات الهندية والكورية الجنوبية التي تتصارع للجلوس في المركز الثاني.

كان الإنتاج التلفزيوني بشكل عام والمسلسلات بشكل خاص متواضعاً جداً قبل وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم، إلا أنه تحوّل في عهد رجب طيب أردوغان إلى سلاح ذي مكانة وأهمية قد تفوق بتأثيراتها الأسلحة التقليدية. وهذا عندما أدخلت السياسة التركية العامة المسلسلات وبثها كجزء أساسي من السياسة الخارجية، على اعتبار أن تعريف الناس بقوة تركيا وجعلها مركزاً جاذباً للسياحة والسياسة وصنع القرار يحتاج إلى دعاية برّاقة للتاريخ والحاضر التركي.

أخيراً، أعلنت مجلة "فوربز" العالمية لائحتها لأهم 25 مسلسلاً تركياً للعام 2020، تبعاً لانتشارها وموضوعها وأرباحها. وحقق مسلسلة "الحفرة - Çukur" الذي يروي مغامرات عائلة من المافيا تسيطر على مقدرات أحد الأحياء المركز الأول بأرباح بلغت 52 مليون ليرة تركية في الموسم الواحد، تبعه كل من "عروس إسطنبولية Istanbullu Gelin –"، و "قيامة إرطغرل - Diriliş Ertuğrul".

اللافت أنه يمكن إدراج معظم المسلسلات الأساسية التركية ضمن ثلاثة أنواع فقط، وهي الدراما، التاريخ والحركة، وسط غياب شبه تام للمسلسلات الكوميدية أو الخيالية. غير أن اللافت أكثر هو كمية المسلسلات المنتجة كل سنة، والتي تزداد عاماً بعد عام، ووصلت إلى حوالى 300 مسلسل العام الماضي، هذا بالإضافة طبعاً لإرتفاع جودة انتاج عدد لا بأس به منها، وأرباحها الخارجية التي بلغت حوالي 350 مليون دولار عامي 2018 و 2019. 

تُبَث المسلسلات التركية في ثلاث مناطق جغرافية بشكل أساسي. فبالإضافة إلى الدول العربية، تشهد دول البلقان والقوقاز اقبالاً متزايداً عليها، وخصوصاً لتلك المسلسلات التاريخية والعسكرية والمتعلقة بمغامرات المافيات، بينما تبقى المسلسلات التركية ذات الطابع الدرامي الأشهر عند العرب. 

في السنوات القليلة الماضية، فُتح سوق ضخم وجديد للإنتاج التركي في أميركا اللاتينية. كانت البداية في تشيلي التي بثت أول مسلسل تركي عام 2014، ثم تبعتها بقية الدول اللاتينية، ليصل انتشارها العالمي إلى 144 دولة في العالم. 

مع انتشار وباء كورونا، تراجع انتاج المسلسلات التركية، تماماً مثلما تراجعت معظم الأعمال الفنية عالمياً، إلا أنه ليس حتمياً أن يتناسب التراجع في الانتاج مع تراجع في الإيرادات. إذ أن الكثير من المحطات يمكنها شراء مسلسلات قديمة أو جديدة لبثها، كما أن الوباء قد زاد من عدد المحجورين في منازلهم لتجنب الوباء، وهؤلاء قد يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة للترفيه، وبالتالي التوجه أكثر نحو مشاهدة المسلسلات.

من ناحية أخرى، تساهم شبكة "نتفليكس" بانتشار الأفلام والمسلسلات التركية على صعيد عالمي، حيث تضم الشبكة عشرات الأعمال الفنية التركية المرموقة والمشهورة. بالإضافة إلى انتشار مواقع إلكترونية تركية أخرى تبث المسلسلات التركية بشكل دوري، وتقدم، في الوقت عينه، ترجمة أو دبلجة إلى اللغات الكردية والأميركية والعربية والروسية والإسبانية والفرنسية والفارسية.

يعود قسم لا بأس به من هذه "الثورة" في إنتاج المسلسلات التركية إلى سياسة الدولة العامة التي دعمت هذا القطاع وسوقت له في الخارج. ففي الكثير من الأحيان، يرافق رئيس الدولة أو وزير خارجيتها منتجون فنيون وصناع أفلام ومسلسلات خلال الزيارات الدبلوماسية، فتؤمن الدولة لهم دعماً لتسويق الانتاج الفني المرئي في العالم، هذا طبعاً إن كانوا من منتجي المسلسلات التي تتلاءم مع نظرة السلطة السياسية والتاريخية والثقافية.

وتساهم المسلسلات في تعليم تاريخ البلاد وهويته لدى الناشئة الأتراك كما تشتهيه السلطة، فتزيد حجراً على بناء الدولة الجديد الساعي لإعلاء شأن العصور العثمانية ودور الإسلام في المجتمع، كما تقديس الوطن وحب الجيش.

للمسلسلات التركية المتزايدة الانتاج والأرباح فوائد جمة. فعدا رفد البلاد بالأرباح المادية عند بيعها في الخارج، وتأمين فرص عمل لآلاف الأتراك العاملين في هذا القطاع، تساهم المسلسلات في توجيه الأتراك نحو فهم للتاريخ والحاضر كما تشتهيه السلطة، وتأمين دعاية جذابة لتركيا في الخارج، وجعلها مركزاً جاذباً للسياحة والفن والصناعة القرار على الصعيد الإقليمي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها