آخر تحديث:14:55(بيروت)
الأحد 23/08/2020
share

"أفاتارات" الاحزاب اللبنانية.. الأصل والشبيه

زكي محفوض | الأحد 23/08/2020
شارك المقال :
"أفاتارات" الاحزاب اللبنانية.. الأصل والشبيه كمية "المقدس" تنغرس في أفاتارات الزعماء والطوائف حتى يفقدوا البداهة والوعي والقدرة على التشكيك (غيتي)


في شكل مفاجئ، أحب لبنانيون كثر من روّاد فايسبوك استخدام شخصيات كرتونية (أفاتار) تمثّلهم، بدلاً من صورهم الشخصية او أحبّتِهم او الطبيعة أو كلبة الصيد أو الزعيم أو غير ذلك. وحملت المفاجأة ووسع الانتشار الى التساؤل: "لماذا أصبح أصدقائي كلهم كرتون؟"

"أفاتار"، هو تطبيق أطلقه فايسبوك يستطيع بواسطته أي مستخدم أن يصنع بَدَله / شبَهَه الكرتوني بوضعيات ومواقف وتفاعلات مختلفة. واللافت أن "وباء الأفاتار" هذا، كما وصفه بعض الروّاد وطالب بإغلاق فايسبوك أسبوعين إثره، انتشر بوفرة يوم إعلان نتائج المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

فهل هي محض مصادفة؟ أم أن اللبنانيين، وخصوصاً أولئك الذين صدمتهم قرارات المحكمة، فضّلوا التواري عن الأنظار خلف رسوم تشبههم أو بدلاء عنهم تدّعي السرور واللامبالاة… وتحجب انعقاد الحاجبَين بسبب هول الخيبة الذي فاقمه طول انتظار القرارات وضخامة الكلفة.

لا ليس الأمر كذلك. جاء التطبيق في وقته، بعد تطبيقات كثيرة مشابهة، للترويح عن النفوس وفي محاولة للقضاء على ذلك القليل من الملل الذي يتسرّب من حياتهم الصاخبة المدوّية بالزجاج وأحشاء المنازل والأرواح المزهوقة.

ولا بد من الإشارة إلى أن بعضهم يتمادى زيادةً في أفاتاراته ويتلهّى عن أعماله واستثماراته وتخطيطه لمستقبل زاهر.

والأفاتار في بعض المعتقدات هو تجسّد شخصية إلهية أو تقمّصها في جسد إنسان. والإنسان هنا يصبح هو الأفاتار. وفي ألعاب الكومبيوتر، هو البَدَل الرقمي للاعب البشري، يأتي في هيئات وأشكال وألوان مختلفة وأجناس، كأن يكون دلفين قائد سفينة لا يخاف الغرق. وهذا البدل يأتمر بحركة أصابع اللعّيب، ويبذل كل الجهود الجسمانية بدلاً منه، بل ويموت في المعارك بدلاً منه (لا فدىً عنه) قبل أن يعود الى "الحياة".

والسينما لم تقصّر في استخدام الأفاتار في أعمالها، ومن أفلام النوع، "أفاتار" لجايمس كاميرون الذي يروي حكاية أرضيين أميركان، يحاولون غزو كوكب باندورا، طمعاً بمعدن يفعل العجائب، كما تتخيّل هوليوود عادة. فيدسّون عميلاً لهم، مشلول الرِجلين، مهمته تحريك جسد مخلّق مخبرياً من "دي أن آي" السكان الأصليين. 

اختصاراً، يفشل مشروعهم ويُطردون شرّ طردة، بفضل شجاعة الباندوريين وخيانة العميل الأرضي لأترابه، إذ فضّل العيش في جسد أفاتاره القوي الطليق، والبقاء على باندورا مع حبيبته.

فيلم آخر عنوانه "تعددية الحضور"، multiplicity، لهارولد راميس. وفيه يجد البطل نفسه عاجزاً عن تنفيذ كل مهماته وأعماله اليومية في الشغل والمنزل، فيستنسخ نفسه عدداً من النُسخ، ويوكل الى كل نسخة مهمة محددة من مهماته اليومية، بينما ينصرف هو، الأصيل، إلى الاهتمام بعائلته وزوجته.

والنسخة هنا هي أفاتار يتصرف بحرّية كالأفاتار الإلهي (الإنسان)، وفي نفس الوقت يأتمر برغبات الأصيل وأحكامه، أي مثل البَدل في ألعاب الفيديو.

وهذا ما يوصلنا إلى ثقافة الافاتار لدى اللبنانيين. وبدايةً، ثمة مثلان عنها من خارج البلد: الاول شَبه صدام حسين الذي كان بديله في مناسبات أو أحداث معيّنة. وكان بالفعل أفاتار صدام حسين، لأن الرجل عمل جسداً لصدّام في غيابه.

والثاني بوتفليقة، رئيس الجزائر السابق، الذي عمل طويلاً أفاتاراً لسلطة خفية، قبل أن يطيح الجزائريون جثته الحاكمة.

وفي لبنان افاتارات بشرية، بدلاء من النوع الإلهي الذي يستجيب من تلقائه وأيضاً من نوع ألعاب الفيديو وعلى مستويات عدة. 

مناصرو الأحزاب والتيارات والحركات، ومعهم لفيف الزعيم الروحي والدنيوي والقائد وأزلامهم المقربين. هؤلاء يذودون عن الزعيم إما باندفاعة وحماسة وإما بإشارة من إصبعه التي أحياناً ترتدي خاتماً.

والمنتمون الى هذا الصنف مُخَلَّقون من عقائد وأفكار جامدة متصلّبة عصية على التغيير، ومنها على تماس مع ألوهة ما. وإذا حاد أحدهم عن ثلم الثور الكبير، بفضل فورة وعي فجائية، يعالَج بالسحسوح… وما بعد السحسوح، تصبح نسخة الأفاتار محسّنة وتحسّن معها كل أفاتار يسمح لنفسه بالإفلات قليلاً من الدوغما.

وفي الآونة الأخيرة، اشتهر في هذا المسلك أفاتارات "تيار المستقبل" و"الحزب التقدّمي الاشتراكي" و"التيار الوطني الحر" وثنائي "أمل" و"حزب االله" وبعض اليسار والممانعة في ساحات الواقع. وأما في الفضاء الرقمي فكلّهم، ويضاف إلى سابقي الذكر "حزب القوات" و"المردة"، ويُعتقد أن مناصري المصارف انضموا إليهم… فضلاً عن كثيرين غيرهم من الذين يكشّرون عن أنياب أدمغتهم وتفور دماؤهم فور سماعهم انتقاداً للزعيم او الطائفة او أي كلام يتّصل بـ"خاصتنا"، فكم بالأحرى شتيمة.

وقد تحصل خلافات بين أفاتارات الصف الواحد، مثلما حدث في بلدة لوبيا الجنوبية، منذ أيام، حيث قلّل أفاتارات أمل، طرف الثنائي الأول، من قيمة حسن نصرالله وأفاتارات حزب الله طرف الثنائي الثاني. السبب ليس مهماً أبداً. المهم هو سلوك هؤلاء الافاتارات تحديداً واحتكارهم الشتم والإهانة لـ"خاصتهم".

وإذا كان الأفاتار، تعريفاً، جسداً بشرياً يستضيف نفساً تعود لشخصية إلهية، ترى أي كمية من الألهي والمقدّس (مضافةً إلى المصلحة المادية) تنغرس في أفاتارات الزعماء والطوائف حتى يفقدوا البداهة والوعي والقدرة على التشكيك؟

وإلى الذين يجاهرون علانية في الواقع وفي الإعلام السائد والمؤلّفات… بحسن سلوك كيانهم السياسي و/أو الطائفي، وقد يكونون محقّين أحياناً، على هؤلاء الالتفات إلى "جماعاتهم" في الفضاء الرقمي حيث التعبير عن نفث الأحقاد في الآخرين وتهديدهم… لم يعد المحتوى المُبثّ عبر السوشال ميديا منفصلاً عن المحتوى المعلن في الواقع، لأن فصلهما هو ضرب من ضروب النفاق والرياء القاتلة.

يبدو أن استخدام مصطلح أفاتار كنعت، سيعود بالفائدة على تلك الكائنات الحيّة والجامدة التي يرمي عليها الإنسان سيئاته وشروره، كالحطب والحائط والكلب والحمار والدب… ويريحها من هذا الحمل المزمن. وفي اللغة، هو أفاتار وهي أيضاً أفاتار، منعاً لاختباء سوء القصد وراء لطف التأنيث.

وفي سياق منفصل، على محط كلام إعلامي بائد، أن يكون المرء أفاتاراً ليس حكراً على المناصرين واللفيف والأزلام، بل يمتد إلى الزعيم والمسؤول. 

فهل من شكّ بأن الوزراء الحاليين المستقيلين هم أفاتارات؟ أنهم كذلك. ولعلّهم الوحيدون الذين يحق لهم التشكّي ممن عيّنوهم بالقول "عيّنونا… وما خلّونا نشتغل"، ولكنهم لم ولن يتذمروا.
والأمر هنا يتطلّب تخليق أفاتار "قيادي"، أي ذلك البشري الذي يتخذ القرارات المناسبة و"الصحيحة" في مصلحة مخلّقه بالطبع. فيأتمر برغبات الأصيل وأحكامه، كما في فيلم "تعددية الحضور".

والأمثلة على ذلك كثيرة، منذ عهد الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية، ولا تزال بقاياها حاضرة في أيامنا هذه، مع تعاظم الهيمنة الإيرانية واشتداد سيطرة أفاتارها.

ثلاثة نماذج لزعامات لبنانية تبحث عن أفاتارات قيادية: سعد الحريري وجبران باسيل ووليد جنبلاط. يمكن اعتبار سعد الحريري أفاتاراً لوالده الشهيد. والراجح انه أخفق في مساعيه بسبب عدم اكتمال عملية التخليق. وأما مناصروه فهم فعلياً أفاتارات لوالده الراحل آمالهم الكبيرة في الابن… خابت. 
جبران باسيل هو أفاتار لحزب الله من جهة يلبي حاجاته السياسية. ومن جهة أخرى، هو لاعب أصيل وجد أفاتاره القيادي في رئيس الجمهورية، حميه، الذي يعطّل كل أمر يرفضه باسيل. ويكفي هذا السلوك لكي يكون الرئيس أفاتاراً إضافة إلى ذلك التطابق الدائم والغريب بين المصلحة السياسية لنائب ورئيس تيار ووزير سابق مع المصلحة السياسية لرئيس جمهورية يُفترض به أن يكون "بيّ الكل".

وليد جنبلاط زعيم أصيل يبحث عن أفاتار قيادي ويبدو انه يخفق في إيجاده أو تخليقه. أو، لعلّ الأفاتار المنشود، أي تيمور، يرفض التزعّم أو الانصياع لشروط عملية التخليق… ولذا، يضطر البيك وحده إلى اتخاذ مواقف وقرارات تبدو متناقضة.

… وقس على ذلك. وعلى قول مفسبك: "قد انسى وجوهكم لكني لن أنسى أفاتاراتكم". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها