آخر تحديث:17:58(بيروت)
الأربعاء 12/08/2020
share

الشرق الأوسط يغرق في خطاب مظلومية "فجَّرته" بيروت

وليد بركسية | الأربعاء 12/08/2020
شارك المقال :
الشرق الأوسط يغرق في خطاب مظلومية "فجَّرته" بيروت
يشبه فتح موقعي "فايسبوك" و"تويتر" هذه الأيام، بوابة ضخمة على الماضي، تستجر عبرها المظالم التاريخية التي تشكل أساساً لصراعات منطقة الشرق الأوسط الحالية، بشكل يغطي ربما على الأسباب المرحلية التي حولت الدول الهشة في شرق المتوسط تحديداً، إلى مساحات تتنافس في ما بينها على لقب الأكثر خراباً وبؤساً. وإن كانت الكيانات السياسية القائمة منذ الحرب العالمية الأولى، ليست أكثر من دول فاشلة، فإن ترسخ الأحقاد القديمة الآتية من أحداث وقعت قبل 100 عام، وأكثر، يشي بأن الحمض النووي للمنطقة يحتوي عاملاً وراثياً مشتركاً يحافظ على تلك الأحقاد حية كشعور جمعي لا يمكن إلحاقه بسبب منطقي واضح أصلاً، رغم تشارك أصحابها الشعور بالبؤس.

ومع انفجار بيروت الهائل، الأسبوع الماضي، بدا للحظة بسيطة أن المنطقة تخرج جزئياً من ذلك المعطى العام، نحو تعاطف واسع مع المدينة، إلا أن أصواتاً كثيرة علت تدريجياً، ليس للشماتة بمصيبة المدينة المنكوبة، بل لاحتكار لقب الضحية منها، بالاستناد إلى تاريخ تشكل الشرق الأوسط بشكله الحالي، خصوصاً أن الانفجار تزامن مع الذكرى السنوية المئة لمعاهدة سيفر التي فككت تركة الدولة العثمانية المنهارة بعد الحرب العالمية الأولى.


وشكل الحديث عن المعاهدة عاملاً مشتركاً بين الأكراد والعرب الموالين لتركيا، في شد وجذب على اعتبار أن المادتين 62 و63 من الفقرة الثالثة في المعاهدة نصتا على حصول كردستان على الاستقلال من بندود أخرى، قبل تغير المعطيات السياسية بعد 3 سنوات فقط مع توقيع معاهدة لوزان التي شهدت تقسيم دولة كردستان السابقة إلى مناطق متشرذمة ضمن دول تركيا وإيران والعراق وسوريا وأرمينيا، حتى هذا اليوم. فيما يزداد الحديث عن سقوط المعاهدة ونسيانها على الجانب التركي مع الحديث عن حق تركيا في الوصول إلى منطقة شرق المتوسط، ضمن صراع يزداد حدة بعد اكتشاف كميات كبيرة من الغاز هناك، من جهة، والتوتر بين أنقرة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية.



بشكل مماثل، يبرز صراع مماثل بين الدول القائمة نفسها، أو بين مواطنيها على أقل تقدير، فالنظام السوري مثلاً بقي ينظر إلى الجارة لبنان طوال عقود على أنها محافظة سورية، أو حديقة خلفية لدمشق في أفضل الأحوال، ولا تشكل سوى "شبه دويلة" نظراً لمساحتها الصغيرة أو ما يجب أن تكون عليه كجزء من دولة سورية أكبر تسقط بها الحدود السياسية التي فرضتها "القوى الاستعمارية"، وعاد ذلك للظهور بعد انفجار بيروت في منشورات رفضت التعاطف مع بيروت التي لا يجب أن تتفوق على المركز، حتى لو كان ذلك في كمية البؤس وحجم التعاطف العام، بالقول أن التعاطف يجب أن ينحصر في سوريا التي عانت طوال 9 سنوات من الحرب التي "لا تقارن بتفجير صغير".

وامتد ذلك نحو نقاشات أكثر عمقاً حاولت تحليل شخصيات دول المنطقة وأسباب عدم تقدمها، فعلى سبيل المثال، رأى الأكاديمي السوري أحمد أتاسي، المحاضر بجامعة لويزيانا الأميركية، في منشور حظي بضجة واسعة في "فايسبوك"، أن لبنان بشكله الحالي يشكل جزءاً من المشكلة في الشرق الأوسط وليس جزءاً من الحل، عاقداً مقارنة استفزت الكثيرين، بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية، لكونهما وطنَين لأقليات أنشئتا من قبل دول أجنبية قبل 100 عام، ما يجعلهما يعيقان تطور المنطقة ككل. واصطدم هذا الطرح الذي فكك رومانسية العلاقة مع بيروت، كعاصمة للتنوير العربي طوال قرن من الزمن، بخطاب مضاد يرى في الحديث عن الطائفية تكريساً لها أو تعميماً سطحياً وساذجاً.



إلا أن مقارنة دول المنطقة بإسرائيل من هذه الزاوية تبقى قاصرة جزئياً، ولا يعود ذلك إلى المقولات المتكررة بأن الدولة التي أنشئت بوعد بلفور التاريخي قبل أكثر من مئة عام، هي دولة دخيلة على نسيج المنطقة الاجتماعي والسياسي، بل لأن إسرائيل قد تكون الوحيدة التي ترافق خطاب المظلومية الآتي من الهولوكوست، اليوم، بخطاب مواز يتحدث عن مستقبل أفضل يجمعها بجيرانها العرب، وحتى لو كان ذلك الكلام دعائياً محضاً فإنه يرتبط عميقاً بمشاكل وجودية تعانيها إسرائيل اليوم، بين كونها وطناً يهودياً فقط أو دولة ديموقراطية في محيط همجي، مع طول أمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وسياسة الاستيطان التي أفضت إلى عدم توازن في أعداد السكان العرب واليهود واضمحلال حل الدولتين، ما يفرض عليها الخروج من الماضي والتفكير بالمستقبل.

ويجب القول أن الحديث عن طائفية الدول القائمة لا يعني وصماً للأفراد فيها بالطائفية أو ذماً لهم، خصوصاً أن المواقف الفردية لا تعبر بالضرورة عن شخصية الدولة نفسها ككيان مستقل نظرياً، وإن كان ذلك المعطى العام فرضية تتكرر في نظريات سياسية مهمة كصراع الحضارات ونهاية التاريخ، فإنه يصبح أكثر حضوراً ربما في حالة دول المنطقة التي لم تتطور إلى مرحلة صياغة عقد اجتماعي حقيقي بين السلطة والشعب، ما يجعل الأفراد غير مؤثرين للأسف، ويصبح ذلك أكثر وضوحاً في الحالة اللبنانية التي يشكل النظام السياسي فيها نظاماً توافقياً بين أقطاب السلطة أنفسهم، بدل نمط الدكتاتوريات الشخصية التي حكمت دول الجوار.

ولعل الحساسية التي يبديها البعض للحديث عن مشاكل المنطقة المتراكمة، لا تأتي من أن ذلك الخطاب يشكل تكريساً للمشكلة غالباً بدلاً من تجاوزها فقط، بل من حقيقة أن كثيرين يعبرون بصراحة عن أن ذلك الماضي الممل والسمج لم يعد يعني أحداً ويجب تجاوزه بدلاً من البناء عليه. ومن اللافت هنا أن خطاب المظلومية نفسه يشكل الباب للميليشيات والجماعات الإرهابية للتجنيد والشرعية، مثلما برز في حالة تنظيم "داعش" الذي ادعى حمل لواء المظلومية السنية، خصوصاً أن خطاب المظلومية نفسه يتخطى حاجز المئة عام ويصل إلى جذور الصراع السني الشيعي الذي يعود إلى مرحلة زمنية سبقت ظهور الإسلام نفسه!


يبرز ذلك بوضوح في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، التي بات الحديث عنها أكثر وضوحاً بعد أحداث الربيع العربي العام 2010، فبينما بقيت قضية فلسطين محورية في خطاب دول محور المقاومة التي تعاني من مشاكل اقتصادية ومعيشية وسياسية لا تنتهي، فإن علاقة تل أبيب بدول أخرى، خليجية تحديداً، شهدت انفتاحاً غير مسبوق، وظهر ذلك بشكل جلي بعد الإعلان عن صفقة القرن، التي قالت وسائل إعلام عالمية، من بينها صحيفة "غارديان" البريطانية على سبيل المثال، قبل أشهر، أنها لم تخلق غضباً شعبياً عربياً مع انشغال الشعوب العربية بقضاياها المحلية الملحة.

يفرض ذلك أسئلة لا بد منها حول تشكل الهويات في الشرق الأوسط، فبينما أظهرت أحداث في دول مثل سوريا، أن الهوية الوطنية لم تكن أكثر من وهم رومانسي، مع تحول البلاد إلى كانتونات طائفية وإثنية متصارعة، تشكل كل منها هوية أكثر رسوخاً من الهوية السورية التي تغيب بسبب انتفاء قيمة المواطنة ضمن النظام السياسي السوري خلال العقود السابقة. فإن الحديث عن هذه الهوية في دول أخرى قد يكون وهماً هو الآخر، لأن الأزمات الكبرى دائماً ما تعيد الأفراد إلى هويتهم الأصلية القائمة على الطائفة بالدرجة الأولى.

وفي حالة لبنان، مازال بالإمكان سماع الهتافات الطائفية تتردد في كل مناسبة، ولا يقتصر ذلك فقط على عبارات مثل "شيعة شيعة" التي يرددها مسلحو حزب الله وحركة أمل فقط، في ردهم الهمجي على المظاهرات التي تخرج مطالبة بالإصلاح وتغيير النظام السياسي، بل يمتد إلى سياسيين يتحدثون من منطلق هوية الدولة اللبنانية كوطن مسيحي ومنها توصيف انفجار بيروت بأنه "انفجار الأشرفية" أو بأنه كارثة مسيحية فقط.

ولا يبدو أن المنطقة ككل في طريقها للخلاص من هذا الخطاب، لا شعبياً ولا سياسياً ولا على مستوى النخب الثقافية التي تستجر الماضي وترفض المستقبل، من وجهة نظر رومانسية أو تورط عاطفي ساذج. ومع هذا الجو المشحون، لا أمل بأي تحسن ينقل شعوب المنطقة إلى الحياة في ديموقراطيات ودول مستقرة، خصوصاً أن هذا الخطاب الأصولي نفسه بات طريقة مبتكرة للتملص من المسؤولية عن كل ما يحدث من مشاكل راهنة، تتعلق بالسلطات الحاكمة بالدرجة الأولى، ولا عجب بالتالي في ازدياد مستوى اليأس والدعوات للهجرة والرحيل، وترك مشاكل المنطقة الموبوءة، المرتبطة بالماضي، لمن يهتم بها فعلاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها