آخر تحديث:18:38(بيروت)
الجمعة 31/07/2020
share

نتائج البكالوريا السورية: انتحار وتنمر وتفكك اجتماعي

المدن - ميديا | الجمعة 31/07/2020
شارك المقال :
نتائج البكالوريا السورية: انتحار وتنمر وتفكك اجتماعي
لا تعتبر نتائج الشهادة الثانوية حدثاً مهماً بحد ذاتها، إلا لأصحابها بالطبع الذين يتقرر مستقبلهم الدراسي على مدى تفوقهم ومجموع علاماتهم. إلا أنها في سوريا هذا العام، قدمت مؤشرات جديدة على التشظي الاجتماعي في البلاد، بعد نحو عشر سنوات من انطلاق ثورة شعبية طالبت بالتغيير السياسي والديموقراطية، وقوبلت بالعنف وسياسة الأرض المحروقة، ما خلف أزمة إنسانية هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

ومع إصدار نتائج الامتحانات، الخميس، امتلأت مواقع التواصل بمقاربات ذات أبعاد سياسية واجتماعية، بدأت بتوقف المعلقين عند أنباء انتحار أحد الطلاب أمام أعين والديه، في محافظة طرطوس الساحلية، بعد رسوبه في الامتحانات للعام الثاني على التوالي. في قصة تعيد التذكير بمدى الضغوط التي يعيشها الطلاب من قبل الأهل والمجتمع، ويختبرها كل سوري تقريباً في فترة ما من حياته.



ورغم المأساة التي تحملها تلك الحادثة، حظيت قصة الطالب محمد عيد كامل محسن، باهتمام أوسع. فالطالب الذي نال المرتبة الأولى في محافظة دمشق، يعمل على بسطة متواضعة في شوارع العاصمة لإعالة إسرته بعد وفاة والده. وإن كانت القصة بحد ذاتها مأساوية بالدرجة الأولى، كان التركيز منصباً على الإعجاب بالشاب الصغير، وهو أمر مستحق، إلا أنه غطى على الظروف التي يعيشها منذ سنوات، في دولة توقفت بالفعل عن الوجود لصالح تحولها إلى كانتونات متصارعة لا تستطيع معها تقديم الدعم الاجتماعي الذي يتم التشدق به من قبل المسؤولين على الشاشات الرسمية، باستمرار.



والحال أن قصة الطالب نفسه تعود للعام 2016، عندما نجح في امتحانات الشهادة الإعدادية (الصف التاسع)، وانتشرت صور مماثلة لصوره اليوم، مع المطالبات بدعمه ودعم عائلته، وحين تقدمه لامتحانات الشهادة الثانوية، رسب متعددة  مرات في مادة اللغة العربية المفصلية، رغم علاماته العالية في بقية المواد. من غير المتوقع أن تتغير حياة الشاب كثيراً في السنوات المقبلة، للأسف، من دون دعم قد يكون الشاب في الواقع بغنى عنه، مع احتمال استغلال قصته في الصفحات الموالية للنظام، لنشر رسائل سياسية لا أكثر.



وبالفعل بدأت صفحات بعثية وصفحات إخبارية موالية، بنشر قصة الشاب الملهمة، لكونها تدغدغ تاريخاً طويلاً من الشعارات البعثية التي كانت منحازة "للعمال والفلاحين وصغار الكسبة" وغيرها من التسميات التي يصف بها الفكر البعثي القاعدة الشعبية الريفية التي بنيت عليها دولة البعث قبل أن تصبح العام 2011 القاعدة الشعبية للثورة ضده، بعد فقدان تلك الطبقة كثيراً من الامتيازات والمكاسب التي كانت تنالها من الاشتراكية الاقتصادية، منذ أيام قوانين التأميم والإصلاح الزراعي وصولاً الى الخطط المالية القائمة على مركزية الدولة ومجانية الخدمات، وذلك مع تحول النظام السوري مطلع الألفية نحو اقتصاد السوق الاجتماعي والليبرالية الاقتصادية، وما تبعه من تقليص للخدمات في الأرياف التي باتت مناطق مهمشة فقيرة أكثر من أي وقت مضى.



وانتشرت القصة بشكل مواز في الصفحات المعارضة، مع تحميلها أبعاداً سياسية تتعلق بالظلم الذي فرضه نظام الأسد على السوريين خلال السنوات العشر الماضية، مع تمجيد للفقر الذي يصبح مرادفاً للأخلاق والوطنية حكماً، بدلاً من كونه حالة يسعى الجميع في أي زمان ومكان لتجاوزها نحو واقع أفضل. واختلف التعاطي مع القصة بشكل جذري مع قصص أخرى لطالبات سوريات نجحن في الامتحانات وتم نشر صورهن، ليس للإشادة بهن، بل كنوع من التشهير الأخلاقي بهن، بالقول أنهن "فاسدات أخلاقياً"، عطفاً على نوعية ملابسهن وطريقة الصور التي يلتقطنها، لا أكثر، وخصوصاً في مجموعات الأخبار المغلقة.

ووفق هذا المنطق الأعوج، يتم وصف أولئك الناجحات بأنهن من مفرزات "تربية النظام"، ما يحيل إلى كمية التعميم والأحكام المسبقة التي يتم ملاحقة السوريين بها، أينما تواجدوا. وفي هذه الحالة، فإن الحديث يدور حول أطفال كان عمرهم 8 سنوات فقط، في العموم، عندما بدأت الثورة السورية قبل 10 سنوات كاملة، في وقت بات فيه كل طرف من أطراف النزاع في سوريا، بمن فيهم المدنيون الموالون لتلك الأطراف، يعطي لنفسه الحق في احتكار معنى أن يكون المرء سورياً في العام 2020، فيما يبدو المجتمع السوري متشظياً إلى جذوره الأصلية، الإثنية والطائفية، بدلاً من وجود هوية سورية جامعة، فشلت عقود الحكم الديكتاتوري في الدفع نحوها.



ويحيل الحديث عن الدراسة، تلقائياً، إلى مقاربة مخيفة لنتائج حرب الأسد على الشعب السوري، حيث بات حوالى 2.1 مليون طفل سوري خارج المدرسة بحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" في تقريرها السنوي الصادر مطلع العام الجاري، بينما بات معظم الأطفال متأخرين حوالى 6 سنوات على ما يفترض أن يكونوا قد حصّلوه من مهارات القراءة والكتابة والرياضيات بالنسبة لأعمارهم، استناداً إلى تقرير نشرته لجنة الإنقاذ الدولية، العام 2017. وأشارت تقديرات "يونيسيف" أيضاً إلى أن نصف الأطفال السوريين بين سن خمسة و17 عاماً بلا تعليم، أي أن هناك 2.1 مليون طفل بالداخل و700 ألف طفل لاجئ في دول الجوار محرومين من التعليم، كما أن 1.3 مليون آخرين عرضة للتسرب من المدارس أو عدم تلقيهم التعليم.

ومع هذه الأرقام المروعة، من البديهي الحديث عن خلق جيل ضائع في البلاد، وسيكون سهلاً استغلال الأطفال ووقوعهم في الفقر أو أن يصبحوا ضحية للأفكار المتطرفة والإرهاب الحقيقي، فضلاً عن التجنيد والقتل والعسكرة وغيرها من مفرزات الحرب. ويعتبر الأطفال الفئة الأكثر تضرراً من الحرب في سوريا. ففي محافظة إدلب وحدها اختفى 600 طفل قسراً منذ كانون الأول/ديسمبر 2019 في الهجوم العسكري السوري الروسي المشترك الأخير على المحافظة، حسبما قالت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في آذار/مارس الماضي. فيما تزداد وتيرة التقارير التي تتحدث عن تجنيد الأطفال من كافة الأطراف الفاعلة في الشأن السوري.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها