آخر تحديث:18:54(بيروت)
الجمعة 31/07/2020
share

التوتر في جنوب لبنان:جرعة كرامة لم تدم طويلاً

زكي محفوض | الجمعة 31/07/2020
شارك المقال :
التوتر في جنوب لبنان:جرعة كرامة لم تدم طويلاً
يصعب جدًا على المراقب التقاط لحظة معيّنة من لحظات الأحداث الدائرة في لبنان، خصوصاً تلك التي تدور منذ يوم المعارك الهزلية. ويصعب أكثر تحديد حدث أو موقف ما واعتباره مفصلاً أو منعطفاً لما تلاه أو سيليه. والأولوية التي يمكن خلعها على حدث لا يلبث حدث آخر أن يغطي عليها، (حدثٌ آخر لم يحدث بالضرورة لأنه مجرّد منشور سوشال ميديا أو هاشتاغ).

لعلّ هذه المرحلة من تاريخ لبنان، إذا عُرف نهجٌ إلى كتابته، مفيدة جداً لكتاب الدراما التلفزيونية الذين سيصطدمون بأن بريق نجمات البوتوكس سيخفّ بسبب الكمّامة، لزوم استعادة لحظات كورونية بواقعية. وكم من نجمة سوف تتمرد على المخرج والمنتج والكاتبة، رفضاً لوضع الكمامة خلال مشهد زيارة أمها المريضة في المستشفى، مخافة ألا ينتبه لماكياجها البروفسور الذائب في دباديبها!.. نعم، نعم... "سوف تسيل دماء"، كما يقول عنوان فيلم أميركي العام 2007 من بطولة دانيال داي لويس.

وابتعاداً عن هذا الغيب أو الضرب بالرمل، ما هي، على سبيل المثال، المكانة التي يمكن أن يحتلها فيديو للنائب ميشال معوّض إذ تعترضه امرأة احتجاجاً على عدم وقوفه كالآخرين في الصف وانتظار دوره لفحص الـPCR؟ قد يقال "أهمية لميشال معوّض في خضم معركة مع إسرائيل… عفواً مع فلسطين المحتلة؟! هذه مبالغة".

نعم ثمة أهمية كبيرة، ليس بقدر أهمية المعركة "الهستيرية" في ذلك اليوم ولا بأهمية زَنَخ ختام السهرة بالتأكيد. أهمية فيديو معوّض أنه يؤكّد مرة أخرى على قلّة أخلاق الساسة اللبنانيين إجمالاً ولفيفهم: اقترب النائب الزغرتاوي، المحيّر في انتمائه إلى كتلة "لبنان القوي" المحيّرة بدورها بين عونية وباسيلية، اقترب من المرأة المعترضة مبتسماً ابتسامةً انتخابية جاذبة أصوات. لكنّه، لما عرف عمّا تتحدّث، شمر أنفه وابتعد، وكذلك فعل مرافقوه.

أولوية هذا الفيديو، مهما كانت درجتها متدنية، تكمن في الاعتراض الذي بات يزعج السياسيين إلى درجة إخراج كثيرين منهم عن أطوارهم. وتقع أيضاً في أنه ضخّم صوتاً ضعيفاً وأوصله إلى روّاد الفضاء الرقمي، صوتاً ضعيفاً معترضاً، لعل جهارتَه لا تتعدّى ديسيبلاً واحداً، شكّل في "17 تشرين" صريراً في قلب هدير ثورة قامت على "كلّن يعني كلّن".

واليوم، تستعاد صوابية هذا الشعار عندما أعلنوا، "كلّن يعني كلّن"، أنهم مع بناء سد بسري وغمر المرج ومحتوياته البيئية والتراثية بمياه آسنة مسرطِنة، وقتل تاريخه إغراقاً. لا ضرورة للبحث في تفاصيل الخسائر جرّاء بناء السد، فهذه مدوّنة في مراجع وفيرة، لم تواجَه من السلطة إلاّ بفرض المشروع الأساسي، استناداً إلى دراسة صحيح. لكن أحداً منهم لم يفعل شيئاً حيال الدراسة المناهِضة، مفضّلين كالعادة سوء استخدام السلطة والقوة، على إعادة النظر بمنهجية، غائبة تماماً عن عقلياتهم، في المسألة.

وهذه المرة، انضمّ جمهور الثنائي الشيعي، الذي لم يكن مهتماً أساساً بالمشروع، وانبرى للدفاع عنه بحجة عطش الأطفال وهاشتاغات أخرى. وأعاد هذا الانضمام إحياء "التحالف الرباعي" "المشؤوم" الذي أعلن حسن نصرالله دفنه خلال مؤتمر ورقة التفاهم: "اتفاق رباعي ما عاد في". وهذه المرة، جمع التحالف "حزب الله" وحركة "أمل" و"التيار الوطني الحر" و"المستقبل". لكن هذا لا يعني أن معارضي المشروع والمحايدين ليسوا مشاركين في تنفيذه، عملاً بمنطق المحاصصة.

سبق ذلك كله يوم مشهود حافل بالأحداث والغرائب، قارب في مشهديته اللوحة اليمنى "جهنّم" لثلاثية جيروم بوش "حديقة الملذات الأرضية" (حوالي سنة 1500 م). وفيه احتفل لبنانيون بجرعة كرامة طال انتظارها، بينما انتظر آخرون نشوب حرب مدمّرة، يفنون من جرّائها.

ولأن الأمور تداخل بعضها ببعض، وجب تقسيم اليوم إلى ثلاثة فصول رئيسة: خطة إغلاق البلد بسبب كورونا، هلع العدو وسهرة مع باسيل. خطة الإغلاق تمخّضت أخيراً عن تشكيل 5 (إغلاق) - 2 (فتح) - 5 (إغلاق)، لا ينقصه سوى نجوم كرة القدم (أمثال كافاني، مالديني، بيرلو، زانيتي والختيار بوفون وهؤلاء طليان، مع غيرهم بالطبع) من المتبطّلين بسبب الجائحة، ويتمنون اللعب ضمن أي تشكيل فقط لتحريك أجسادهم. ومن الإجراءات، إغلاق دور العبادة والتحدث في هذا الإجراء مع المرجعيات الدينية. وردّ عليه، متأخراً، المطران عون بالرفض.

أما هلع العدو فشكل مادة دسمة لنسج معارك وعمليات كر وفر، في إعلام العدو الغاشم كما في إعلامنا على حد سواء، وبالطبع بمرافقة جيش من الهاشتاغيّين الذين اعتبروا المعركة الشرسة الدائرة تارة انتقاماً لعلي حسن كامل محسن"شهيد حزب الله في سوريا". وفي المقابل، مفسبكون عقلاء أعلنوا أن "لا حرب" ووصفوا الأحداث الدائرة بـ "فيلم أكشن"، ضمن هاشتاغات ومنشورات حملت كمّا كبيراً من السخرية والتهكّم على ما يحصل.

غير أن ما أذكى حالة الهلع الإسرائيلية هو إعلام العدو نفسه الذي كشف خطأ في الرصد ارتكبته مجنّدة غرّة ورؤية عناصر مجهولة اعتُقد أنها من عناصر الحزب داخل فلسطين المحتلة. فهل نصدّق روايات ذلك الإعلام المعادي ولو كانت مناسبة؟ والأنكى أن إعلامنا وهاشتاغيينا، شاركوا في نسج الاشتباكات والبطولات، أيضاً بناء على روايات مجهولة المصدر أو منسوجة.

والدليل على ذلك، أن كل ذلك تبيّن أنه لم يحصل - لم يحصل البتّة - إثر صدور بيان عن حزب الله، مساءً، يشدد على حالة الهلع والقلق لدى الإسرائيليين وينفي قطعاً اشتراكه في أي قتال دار في تلك المنطقة، كما دفع بعملية الثأر للشهيد إلى أجل غير مسمى.

وإمعاناً في النسج والخيال، قد تكون حالة الهلع وتوكيدها من الجهتين نابعة من "رؤيا" سابقة لميشال حايك الذي رأى، منذ سنوات، عناصر لحزب الله في مستعمرة إسرائيلية، أم من امتلاك الحزب مساليط (بروجكتورات) هولوغرافية توهم الرائي بأن أشخاصاً من نور حاضرون في المكان… ولمَ لا؟

إذاً، انتهى الأمر إلى أن العدو قاتَل نفسه وأصاب مواقعه. وهذا أمر جيّد لنا لكي نرتشف جرعة كرامة على أمل أن تتبعها انتفاضة كرامة على أوضاعنا المزرية، إذ يحق لصوت الحق أن يعلو فوق صوت معركة لم تحصل. غير أن تلك الجرعة لم تدم طويلاً مع انطلاق الفصل الثالث مساء ذلك اليوم في مقابلة أجراها ألبير كوستانيان مع جبران باسيل. ولا نفع من تكرار ما جاء في كلامه ولا جدوى من التعليق عليه غير أنه استحق فعلاً الـ "هيلا هوو". ففي الليل الحالك، وردت رسالة عبر السوشال ميديا تطلب من الإسرائيليين إلقاء قنبلة مضيئة بسبب انقطاع التيار الكهرباء عندنا، بينما بقي جيران ينسج بخياله مرور تيارها في الأسلاك.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها