آخر تحديث:16:23(بيروت)
الأحد 26/07/2020
share

"الشعب السوري مو عارف طريقه"

عدنان نعوف | الأحد 26/07/2020
شارك المقال :
"الشعب السوري مو عارف طريقه" التناحر بين النشطاء لا يخلو بالمجمل من تصفية الحسابات


ما يحتاجه النُّشطاء ومؤسساتهم "غير الربحية" بالتأكيد ليس خفة الظل والفكاهة؛ فتلكَ ينتشر صانعوها أسرع من وباء كورونا، ويُمثلون مُنافِساً شبه وحيدٍ لجِديّة المجتمع المدني غير المتسامح مع الخوض في التفاصيل، والجاهز دوماً للهرب من الجَدَل عَبْر باب خلفي اسمهُ "تفويت الفرصة على نظام الأسد"!. 

مثل هذا السلوك لا يُعدّ جديداً، ذلك أنّ ربط مصير "قضيّة كبرى" بكلّ تجربة إنسانية جزئية تؤلفها لتغدو مضادّة للنسبيّة، يُمثل إرثاً سوريّاً ممتداً لأكثر من أربعين عاماً، ساهَمَ بصنع شخصيات "نضالية" عابرة للأزمنة. 

وقد لا ينطبق هذا التوصيف على تجربة المخرج السوري فراس فياض، وما رافق شهادته أمام القضاء الألماني من تجاذبات كان فيها نشطاء المجتمع المدني مِن مسؤولي المنظمات و"صائدي الجوائز" رأس حربة في السعي لإغلاق الملفّ. 

لكنّ زوبعة الدفاع والهجوم التي أحاطت بالموضوع أعطت مثالاً عن ظاهرة أشمل، وأبرزت أمراضاً وعيوباً يعاني منها المجتمع المدني الثوري السوري، والذي اتسع مع الوقت ليضمّ كل القوى اللادولتية المنظّمة وغير المنظّمة.

ويمكن القول أن التناحر بين النشطاء السوريين سواء حَملَ أبعاداً مهمة تتعلق بملفات الثورة الأساسية، أم كان كيديّاً وحسب، فإنه لا يخلو بالمجمل من تصفية الحسابات ونقل التنافس من منصات التكريم ومراكز الدعم وتحصيل المِنح، إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

ولعلّ جذر هذه الصراعات البينية في الأوساط الحقوقية والفنية وسواها، يكمُن في أحد أكبر المصائب التي ابتليت بها أوساط الثورة السورية، ألا وهي "الأبوية" والسعي لاحتكار دور "صاحب المرجعية" المحاط بـ "الشلّة" الحارسة والحامية.

وعلى هذا الأساس لا يعود مستغرَباً رؤية هجمات متبادلة من حين لآخر بين فلان وفلان حول مسائل فكرية أو قانونية أو حتى رياضية (كمعارك حيازة شرعية تأسيس منتخب وطني باسم سوريا الحرة، والتي انتهت بتبديد التمويلات)، وجميعها تتمحور حول "التأويل الأصح" و"المنهج الأسلم".

ومهما تنوّعت مَحاور الجدل بين نقاشات حامية (مرتبطة بالعسكرة وجدوى السلاح مثلاً) أو الحديث عن فبركات استعراضية تؤثر على مسار العدالة، فإنها لا بد أن تخفي في مكان ما أموراً غير شخصية. 

وحتى وإن تحدّث ناشط وفقَ مَوقفه ورؤيته، فهو - أكان قاصداً أم لا - يرافع بالنيابة عن الجهة التي أوصلته إلى موقعه (مدير مؤسسة، رئيس منظمة..الخ)، لتتحدد لاحقاً خريطة تحالفاته وعداواته.

هنا يمكن أن نَقع على "أصل العلّة" ربما، والمتمثل بـ"وَهم الوصول" الذي ساهمت في إشاعته جهات غربية داعمة، ليتحول الأمر إلى سِمَةٍ عامة طبعت عمل نشطاء المجتمع المدني بطابع استعجال الإنجاز، وحرق المراحل، والهَوس بقطف "الثمار غير الناضجة".

ولو بحثنا في أوضح تمثيل لهذه الفكرة فلن نجد أفضل من كليشيه أو مقولة "الشعب السوري عارف طريقه" التي اجتاحت اللغة والعقلية الثورية لفترة طويلة، بعد أن اتخذتها إحدى مجموعات الحراك اسماً لها.
وبعيداً من محاكمة جهود هذه المجموعة أو الفريق الذي كان يسعى لنشر الفكر الاحتجاجي السلمي، من خلال حملات التوعية وتوزيع ملصقات، فإنه بالمحصلة يبقى مثالاً على طريقة تفكير المجتمع المدني. فمِنْ عامٍ لآخر تبيّن أنّ الشعب السوري ليس تائهاً عن "طريقه" وحسب، بل إنّ تعقيدات مجتمعه وتراكمات أزماته تحتاج جهوداً جبارة لا علاقة لها بـ "خلق فضاء إبداعي للمواهب للتعبير عن نفسها"!.

ولأنّ تفنيد تجارب من هذا النوع - سابقاً ولاحقاً - يصطدم بهالات عاطفية تختبىء خلف "العفوية"، و"التضحية"، و"المخاطرة بالعمل ضمن ظروف أمنية وإنسانية صعبة" (وهو ما كان مفهوماً ضمن سياق زمني معين)، فإن نقدها يصبح من أصعب المهام في الحالة السورية.

ومِنْ مجموعات النشطاء في بدايات الحراك إلى المنظمات والمؤسسات المحيطة بـ "فياض"، تشكل جميعها نموذجاً لمَن يُحاسِب ولا يُحاسَب، وعندما يُحشر في الزاوية يتذرع بأنّ جهوده تطوعيّة، حتى وإن كانت وفق تمويل ثابت!.

هذه الطبيعة السائلة للمجتمع المدني تشكل سِمةً عامةً وعالميةً نوعاً ما، غير أنها في الظرف السوري تكتسب خصوصية إضافية، في ظل غياب الممارسة السياسية الحقيقية على الطرف المقابل، ما جعَلَ الساحة تخلو أمام الناشط (الإغاثي والقانوني والمفكر والفنان..) ليكون صوتاً وحيداً يتحدث باسم الثورة؛ يدافع عن قيَمِها، فيحمِلَها معه، أو تحملهُ هي، إلى بلدان ومحافل عالمية.

ومع تداخل واختلاط الأخلاقي بالإنساني بالسياسي، يكتسب الناشط متعدّد المواهب حَصانةً مفترضة تتجاوز "تخصصه"، وتصنع منه "جوكر ثوري" وبديلاً للأحزاب والنقابات، وسفيراً فوق العادة لآمال السوريين المؤجلة، وناطقاً باسم تضحياتهم.

وبما أنّ "إحداث التغيير" لا سقف زمنياً له، وغير مطلوب بالضرورة من قبل الداعمين، فمن البديهي أن تتحدّد مهمة المجتمع المدني حينها بإعادة تدوير المأساة، وإنتاجها بأشكال متعددة فنياً ومجتمعياً، وانتظار تصفيق المجتمع الدولي ووسائل إعلامه لـ "اللوحة" أو الصورة الجديدة التي رسمت الكارثة بأسلوب إبداعي مبتكر!.

هل تلك هي الحدود المتعارف عليها لتأثيرات المجتمع المدني؟! 
قد يكون من المجحف مطالبته بما هو أكثر من مُجرد "فضح ممارسات النظام" و"تسليط الضوء" و"مساعدة الضحايا"، ليكون قادراً بالتالي على تبرير عجزه في لحظة ما، لكن ومن جهة ثانية، فإنّه من غير المنطقي أن يستخدم نشطاؤه السياسة أداةً للترهيب أو الرفع أو الحَطّ من شأن طرف ما، بما أنهم ملتزمون بأدوارهم!.

كل ذلك لا يعني بالمحصلة دعوة الناشطين إلى "التقاعد" أو التراجع، خصوصاً من يعملون منهم في الجانب الحقوقي، فكل إفادة وشهادة ضد نظام الأسد تمثل إضافة ضرورية. غير أن ذلك لا يلغي الحاجة أيضاً لفصل "السينما" عن مسار العدالة، فالشعب السوري لم يَعُد معنياً بالوصول بعد يوم أو اثنين أو ثلاثة إلى نهاية طريقه، لرؤية شاخِصات بعناوين برّاقة. ما يهمه حقاً أن يعرف أين يتجه، ليخطو خطوات نوعية - وإن كانت قليلة - من دون أن تشوّش عليها سلوكيات دراميّة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها