آخر تحديث:09:02(بيروت)
السبت 25/07/2020
share

خلود السروجي.. فاشونيستا وزارة الأوقاف السورية!

وليد بركسية | السبت 25/07/2020
شارك المقال :
خلود السروجي.. فاشونيستا وزارة الأوقاف السورية!
تبدو المستشارة الإعلامية لوزارة الأوقاف السورية خلود السروجي، حالة فريدة من نوعها، ليس فقط ضمن تركيبة النظام وماكينته الدعائية، بل أيضاً ضمن تنظيم "القبيسيات" الإسلامي الذي تنتمي إليه. وفيما ظهرت مؤخراً في مقطع فيديو من منزلها الفاخر بمنطقة يعفور قرب العاصمة دمشق، وهي تتحدث عن التقوى والإيمان مستعرضة المسبح خلفها والأناقة التي تتمتع بها والنظارات الشمسية باهظة الثمن، مع الكثير من "الدلع" على طريقة نجمات "أنستغرام" و"تيك توك"، فإن تاريخها في الظهور الإعلامي الجدلي يرجع إلى سنوات، سواء بخطبها في المسجد الأموي أو لقاءاتها مع مسؤولين إيرانيين وحتى تقبيل النساء ليدها في تجمعات من أجل الحصول على البركة.

وبينما أثار الفيديو استياء واسعاً، بسبب التفاوت الطبقي بين عموم السوريين والسروجي، التي تمثل هنا السلطتين الدينية والسياسية في البلاد، بسبب البذخ التي أصرت على تصويره وهي تتحدث عن الصمود في وجه الابتلاء، في وقت يعيش فيه السوريون ظروفاً اقتصادية مأساوية تفاقمت منذ مطلع العام الجاري مع انهيار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، والقرارات ذات الصلة التي يفرضها النظام في مناطق سيطرته، فإن الفيديو يسلط الضوء مجدداً على تحالف السلطة السياسية "العلوية" مع رجال الدين "السنة" والذي يكفل للطرفين امتيازات واسعة على مختلف المستويات، حتى لو تناقض ذلك بشكل جلي مع ادعاءات النظام للعلمانية، التي مازال بعض الموالين له يصدقون وجودها.



و"القبيسيات" هي جماعة دينية إسلامية نسوية تعتمد هيكلية شبه تنظيمية غير مُعلنة، ويقال أن نواتها من طبقة أثرياء دمشق ونشاطها الحقيقي والجاد يستهدف هذه الطبقة. وتم تأسيسها على يد منيرة القبيسي (87 عاماً) في دمشق، وانتشرت واسعاً خلال العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي قبل امتدادها إلى دول عربية وإسلامية أخرى. وتكرر وسائل إعلام الحديث عن علاقاتها المتوازنة مع التيارات الإسلامية داخل سوريا، علماً أن الاهتمام بهذه الجماعة، تجلى في الدراما السورية بعد العام 2000، بداية بالمسلسلات الكوميدية مثل "بقعة ضوء" وصولاً للمسلسلات الاجتماعية وأبرزها "عصي الدمع" للمخرج حاتم علي و"ما ملكت أيمانكم" للمخرج المقرب من النظام نجدة أنزور.

وكانت الجماعة محظورة في البلاد رغم نشاطها الذي لم يكن يخفى على أحد. وفي وقت ما بعد العام 2003 سمح لأعضائها بنقل نشاطهنّ الدعوي من البيوت سراً إلى المساجد علناً تحت إشراف النظام بالطبع، قبل أن تنال مكانة كبيرة بعد الثورة السورية. ويمكن العودة بالذاكرة إلى العام 2011 عندما استقبل رئيس النظام بشار الأسد وفداً من "كبار العلماء" ومنهم رجل الدين الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، وتم حينها عقد صفقة بين الطرفين، بدعم رجال الدين للنظام بدلاً من الانحياز للثورة، في مقابل الحصول على امتيازات ومطالب، منها إغلاق كازينو دمشق الذي افتتح قبل الثورة بأشهر قليلة، بحجة أنه "نادٍ للقمار"، ثم افتتاح قناة فضائية دينية رسمية تحت اسم "نور الشام"، تقدم عليها السروجي اليوم برنامجاً خاصاً بها.

واللافت أن "القبيسيات" لا تمتلك نشاطاً إعلامياً علنياً ما يجعل نشاط السروجي في وسائل الإعلام ومواقع التواصل خرقاً لأدبيات الجماعة المتعارف عليها، حتى لو لم تكن واحدة من قيادات القبيسيات في الصفوف الأولى. ويفسر الأستاذ المتخصص في الحركات الدينية في جامعة أنقرة عبد الرحمن الحاج، الأمر بوجود طموحات شخصية لدى السروجي ما يجعلها على الدوام عرضة لانتقادات داخلية، وتصبح بالتالي أقرب إلى نموذج الشيوخ المتزلفين للسلطة، ويمكن اعتبارها ناتج التزاوج بين الطبقة السنية المرتبطة بالسلطة والقبيسيات، والتي حدثت  خلال عهد بشار الأسد.



وأضاف الحاج في حديث مع "المدن" أن السروجي من مواليد العام 1967 وتنتمي لعائلة دمشقية عريقة تعتبر جزءاً من السلطة منذ عهد الأسد الأب. وهي زوجة القاضي في المحكمة العسكرية العميد سامي البندقجي، وعمها العميد أحمد خدام السروجي، نائب رئيس جهاز أمن الدولة السابق، ووالدها هو محمد صياح السروجي عضو مجلس الشعب لـ 5 دورات متتالية.

وهكذا تكرر القبيسي خطاب السلطة الأسدية، ولعل الفرق الوحيد بينها وبين المسؤولين الآخرين هو اللغة الدينية التي تتحدث بها، ما يجعلها في واجهة الشخصيات التي تنقل دعاية النظام إلى الجمهور السني المحافظ حصراً. وهي طبقة يحاول النظام استمالتها وضبطها استناداً إلى مقاربة طائفية للثورة السورية، ثارت بموجبها الطائفة السنية الأكبر في البلاد على الحكم الأقلوي العلوي.

ولعل هذا السبب بالتحديد، هو ما يجعل العديد من المعارضين الذين يعرفون عن أنفسهم في مجموعات الأخبار المغلقة في "فايسبوك" كمسلمين سنة تحديداً، يفرقون بين القبيسيات كتنظيم "نبيل" وبين نموذج السروجي، ووصل ذلك في حالة الفيديو الأخير، حد إطلاق تسمية "المحمديات" على السروجي وأمثالها، رغم أنه لا وجود لأي تنظيم بهذا الاسم في البلاد أصلاً. ويخلق ذلك انطباعاً بوجود تعاطف من نوع ما مع "القبيسيات" ضمن صفوف المعارضة "المحافظة"، عطفاً على تاريخ طويل من العداء للنشاطات الإسلامية في البلاد تحت حكم النظام منذ ثمانينيات القرن الماضي على الأقل.

وبحسب الحاج، فإن النظام لا ينفتح على جماعات وإنما يستخدمها، متعمداً فتح الباب لها للعمل من أجل استثمارها لأغراضه الخاصة. فعندما قرر النظام إتاحة العمل العلني للقبيسيات العام 2003 كان يهدف لاستخدام الجماعة كفزاعة للغرب، بموازاة اعتقاده حينها بأنه الهدف التالي لواشنطن بعد العراق. وعليه تحرك النظام للدفاع عن نفسه بوسائل استباقية منها التخويف من إسقاطه بالفراغ الذي سيملأه الإسلاميون، ولتحقيق هذا الغرض، شن حملة إعلامية في داخل سوريا فقط وعبر وسائل الإعلام العالمية على حد سواء، روج فيها لظهور تنظيم القبيسيات وانتشاره الهائل في المجتمع النسوي السوري. وفي داخل البلاد استخدم الإعلام الممنهج للهجوم على القبيسيات مقدماً نفسه كحامٍ للعلمانية.

وأكمل الحاج: "حين اندلعت الثورة احتاج النظام إلى دعم سني لتعميق الانقسامات في المجتمع السوري تجاه شرعية النظام وتحويل الثورة إلى اقتتال أهلي. وقد تجنبت القبيسيات عموماً الانخراط مع النظام، لكن من الصعب توقع ألا يكون لتطور العلاقة بين الطبقة الغنية والمرتبطة بالسلطة تأثير على موقفهن. ولهذا السبب انخرطت القبيسيات بدعم معلن تارة وغالباً بدعم صامت للنظام. لم يكن هنالك خيار، فبعض قيادة الصف الأول منخرطون في دعم النظام، مثل السيدة أميرة جبريل شقيقة أحمد جبريل الذي جند الفلسطينيين لقمع الثورة والسيطرة على المخيمات بشكل خاص".



علاقة النظام مع القبيسيات أخذت منعطفاً حقيقياً العام 2014، عندما التقى بشار الأسد بوفد من داعيات دمشق بشكل مفاجئ، وفي العام نفسه تم تعيين سلمى عياش، إحدى قيادات القبيسيات المعروفات في الساحل السوري في منصب معاون وزير الأوقاف، في سابقة بالنسبة لامرأة ضمن الوزارة. وعياش هي أخت زوجة وزير الأوقاف السوري‏ محمد عبد الستار السيد. وبحسب الحاج، أراد النظام بتعيينها إحداث شرخ داخل القبيسيات بالاندراج الرسمي في النظام من خلال وزارته أكثر من رغبته بالسيطرة على التنظيم نفسه، "لأن هذا غير ممكن فعلياً وسيؤدي إلى تفكيكه لو حدث".

ويواجه وزير الأوقاف هنا اتهامات كثيرة، من موالين ومعارضين للنظام على حد سواء برعاية القبيسيات وتحويلهن إلى تنظيم يعمل بشكل علني ويحظى بنفوذ كبير عززه المرسوم التشريعي رقم 16 للعام 2018 الذي أعطى وزارة الأوقاف سلطات واسعة وغير مسبوقة، لم تحجم فقط من منصب مفتي الجمهورية لصالح وزير الأوقاف، بل أعطت الوزارة الحق في التحكم بمؤسسات مالية وتربوية، وبالإنتاج الفني والثقافي وتأميم النشاط الديني، فضلاً عن تأسيس جماعة دينية تحت مسمى "الفريق الديني الشبابي" خلافاً لما ينص عليه الدستور السوري الذي يوضح صراحة منع تشكيل المجموعات الدينية في البلاد.

وعلق الحاج: "لعب وزير الأوقاف الدور الرئيس في هذه القضية، لأن مهمته الأساسية في ظل الثورة صارت تجيير المؤسسات الدينية ورجال الدين للوقوف خلف النظام والاندراج في روايته، ما يسهم في تعميق الانقسام الاجتماعي. قد لا يكون وزير الأوقاف مدركاً لهذه النتيجة السياسية، لكن النظام مدرك لذلك بالتأكيد".

ويجب القول أن شعور المعارضين للنظام تحديداً بوجود فرق بين السروجي والقبيسيات عموماً قد يكون محقاً، خصوصاً أن السروجي ظهرت في عدد من مقاطع الفيديو في السفارة الإيرانية، الدولة التي تحمل لواء الإسلام الشيعي في المنطقة وتسعى لتصدير ثورتها ونسختها من الإسلام إلى دول الشرق الأوسط منذ العام 1979. ويصعب تحديد موقف القبيسيات من كل ذلك، لعدم وجود حضورٍ إعلامي رسمي لهن.



ورجح الحاج أن دور السروجي وعلاقاتها مع إيران، فردي ولا يعبر عن الجماعة نفسها، خصوصاً أنها تسلمت منصباً رسمياً كمستشارة إعلامية لوزير الأوقاف. مضيفاً أن "صمت التنظيم يعبر ربما عن عجزه عن اتخاذ موقف أكثر من أي شيء آخر"، أي أن العلاقات مع إيران هي علاقات سياسية تظهر في حالة السروجي بشكل ديني بالنظر إلى طبيعة الموقع الذي تشغله السروجي في وزارة الأوقاف، ويأتي ذلك "في صلب الانقسام الطائفي" من أجل "تعميق رواية السلطة" وزيادة الشرخ السني الشيعي بدلاً من ترميمه.

وأوضح الحاج: "هذه الجماعة من نوع التنظيمات شبه التقليدية، تحتل فيها الشيخة المؤسسة دوراً رئيسياً ورمزياً لاستمرار الجماعة، والخلافة فيها تقوم على أساس تقليدي، لكنها رغم ذلك تتضمن نظام عضوية وتسلسلٍ تراتبي يمنح الجماعة تماسكاً تنظيمياً ملموساً. وكجماعة دينية، لها طبعاً امتداد خارج الحدود، فالدين لا يعترف بالحدود السياسية بل يعتني بالإنسان وهو أممي بالضرورة"، مشيراً لحالة التنظيم الخاصة "كنسوية فريدة من نوعها في العالم وفي التاريخ الإسلامي، حيث لم يسبق أن عرفت المجتمعات الإسلامية تنظيماً دينياً نسوياً صرفاً"، مشدداً على أن "هذا لا يعني أن لها علاقات مع دول غير سنية، فالقبيسيات تنظيم سني في نهاية المطاف".

وتظهر حالة السروجي البارزة في مواقع التواصل، التناقضات بين ادعاءات النظام امتلاك العلمانية، مع بروز الترف والنفوذ الذي تمتلكه طبقة رجال الدين في المجتمع السوري حالياً بالمستوى نفسه الذي يمتلكه رجال السياسة والمسؤولون، وهو نقاش قديم يتجدد في كل ملمح لطبيعة الحكم في البلاد. فرغم أن "سوريا الأسد" لم تكن دولة دينية بالكامل على غرار السعودية أو إيران، إلا أنها لم تكن أيضاً دولة علمانية مدنية، لأن العلمانية تقوم على ركيزتي فصل الدين عن الدولة وإقرار حرية الإعتقاد الديني. وكلا الركيزتان لا يمكن أن تتحققا إلا في مجتمع ديموقراطي حر. وبالتالي لم تكن الدولة الأسدية سوى نظام ديكتاتوري استبدادي، مزج العبودية الدينية بالعبودية العقائدية البعثية، وعقد تحالفات متينة مع رجال الدين، السنّة بالتحديد، لبقائه بشكل أو بآخر، مدفوعاً بحاجته كنظام طائفي أقلوي، إلى ضبط الطائفة الأكبر في البلاد، عبر التحكم بمفاصلها الأساسية، دينياً واقتصادياً.

وبحسب الحاج، فإن "النظام طائفي ليس لأنه يحب الدين أو الطائفة ولكن لأن الطائفية تخدمه للبقاء في السلطة"، فمع تقديم النظام  كحامٍ للعلمانية، فإنه يستخدم ظهور هذه الجماعات للتخويف من جهة مع سردية عدم وجود بديل غير إسلامي له، ويستخدم قمع الحركات الدينية الإسلامية الأصولية لتعزيز تلك السردية من جهة ثانية. "وينطبق هذا على القبيسيات أكثر من أي تنظيم آخر". ورغم ذلك "لا أعتقد أن النظام يستطيع استخدام القبيسيات كواحدة من أدوات الضبط، لأنه في ظل الحرب لعشر سنوات، والانقسام الأهلي الحاد الناتج عن قمع المجتمع السوري المكون بأكثريته من العنصر السني سيكون من العسير أن تنجح أي جماعة دينية في تحقيق ضبط لصالح النظام، لكن من الممكن أن يكون لها تأثير محدود".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها