آخر تحديث:15:43(بيروت)
الإثنين 20/07/2020
share

عاصمة الياسمين والخبيزة

عدنان نعوف | الإثنين 20/07/2020
شارك المقال :
عاصمة الياسمين والخبيزة سوق الحميدية في دمشق (غيتي)
بَرّادٌ فارغ، وبيتٌ خَلَا من الطعام، حتى بَدَتْ ملامحه أكثر اصفراراً من المُعتاد. كان المَشهدٌ مستفزّاً لنا، أنا وشريكي في السكن. لذا فقد حاولتُ تدارك الأمر، فخرجتُ شَاهراً غضبي، وتوجّهتُ إلى أقرب بقالية، ثم عُدتُ مُسلّحاً بالمرتديلا والمعكرونة والكثير من الخبز. أما صديقي محمد، فإلى السوق انطلقَ أيضاً، لكنه عاد ومعه الكثير من الكولا (مشروبات غازية)، وباقة وَرد!

من دون تنسيقٍ حدَثَ ذلك. وبدا ما جرى حينها - في الشكل- دليلاً على تمايز طبقي بينَ مَن يَهجُسُ بالخبز كمصدرٍ للشعور بالأمان الغذائي، مهما امتلك من المال، وبين مَن يحرص على "الذوق" والتذوّق أياً كانت ظروفه المعيشية.

محمد ابن مدينة حماة، وأنا ابن ريفها، وقد جمعَتْنا "عاصمة الياسمين" دمشق في العام 2008 على الكفاح لبناء المستقبل.

لِحُسنِ الحظّ لم نُحوِّل طباعنا وسلوكياتنا، خلال فترة إقامتنا سويّاً، إلى فرصة لتسجيل النقاط لكلّ منا على الآخر. فلم يذهب محمد مثلاً إلى تعييري بريفيّتي التي أحالت دمشق المدينة من كونها "بوابة التاريخ" (كما وصفها الشاعر سعيد عقل)، إلى تجمُّعٍ للعشوائيات حيث تختفي رائحة الورود خلف لهاث المعيشة اليومي. كذلك لم يَجنَح صديقي إلى اتهامي بأنني كـ"أقلّويّ" أُشَكِّلُ امتداداً لفترة الستينات، حين "بدأت قوافل القرويين منذ أن ظهر الحزب (البعث) تتركُ القرى من السهول والجبال إلى دمشق" حتى طَغتْ "القاف المُقَلقَلة في شوارعها ومقاهيها" (بحسب السياسي البعثي السوري سامي الجندي).

وفي المقابل، لم يخطُر في بالي أن أتَهِمَ محمد مثلاً، بأنه "سليلُ الطبقات الأنانية المتحالفة مع الاستعمارات المتتالية"، وصاحِب "نهج إمبريالي لا يَعبَأ بكوارث الشعوب"، وأنّه بسلوكه الأرستقراطي، السبب في فشل محاولات التغيير السياسي، ومَوتْ سوريا، وتحوّلها من جمهورية إلى مملكة أسديّة.

لم نَكُنْ في حاجة إلى الكثير منَ التآخي لتَجاوُزِ أيِّ سوء تفاهم مُحتمل، ولو على سبيل النكتة، فكلّ الصِدامات المُتَخيَّلة تقِفُ عند حدود معرفته بي، وبأنني رِيفيٌّ بلا أرضٍ أزرَعُها، وإنما بالاسم؛ بالعتابا والمتّة. ومعرفتي به أيضاً، وبأنه برجوازيٌّ بالحُلُمِ، وبلا رؤوس أموال يستثمرها، أو أملاكٍ يخشى أن أقوم بتأميمها.

الأمر بسيط، ولا يلزمهُ تبويس شوارب كي تبقى الأمور في حجمها وسياقها، إذ يكفي الوقوف على أرض الواقع (لا على أرض التاريخ ولا الخيال) لاتقاء شر عواصف الافتخار وتضخّم الانتماءات، وتصفية الحسابات في غير زمانها ومكانها وبغياب أطرافها المسؤولين عنها.
فبِلُغَةِ واقعيّة، لم يكنْ شيءٌ قد بقيَ على حاله في بلدٍ لا ينُتج سوى الأزمات له وللآخرين. فقد كان كثير من أبناء الريف السوري يَزرَعون شوارع دمشق وأبواب السفارات بالأمل والصبر، باحثين عن حصادٍ، عن فُرصةِ عملٍ أو هجرة. فيما أصبح أبناء الطبقة الوسطى - بمرور الوقت - من "أصحاب الدخل المحدود" و"السّاعين لتأمين دَخلٍ إضافي". وبالنسبة لبرجوازية دمشق السُنّية العريقة، فقد استُبدلت بطبقةٍ دِينُها المال المتدفق من حَلْبِ القطاع العام بمختلف أشكال الفساد، ومن المقاولات والصفقات والمضاربة والتهريب واستخدام سُلطة الجيش والحزب والطائفة. كانت تلك طبقة القطط السِّمَان، أصحاب الثراء الفاحش (المتراكم منذ سبعينات القرن الماضي) والتي مَحَت الفوارق مع الشعب عبر إفقاره (لا بتطبيق كذبة الاشتراكية)، واستوطنت كمرحلة أولى في "حيَّ المالكي" جاعلةً منه جزيرة أمنية ورمزاً للبرجوازية الجديدة.

هذا كان في سوريا. أما في ما وراء البحار، وفي مرحلة ما بعد اندلاع ثورة 2011، فقد راحت تتشكل طبقة "نحنُ الثورة المستمرّة"، وتألّفت من سياسيين يعتاشون على أحلام السوريين بالتغيير، بلا تقديم جهد ملموس، سوى الطأطأة للممول، وإنتاج المنشورات الفايسبوكية المفتقِدة للّياقة والفكر والعمق. وهؤلاء يتميزون بأن أحداً لا يشعر بوجودهم لولا أنّهم يثيرون النعرات من حين لآخر بذريعة سرد الحقائق التاريخية، ويصنعون الحساسيات من مُخلّفات معارك إثنية وطبقية سابقة، ومن بقايا قضايا ومشكلات أُصِيبَت بانسداد الأفق. ليَجلسوا ويتفرجوا لاحقاً على السوريين وهم يتقاتلون على مَوروثات وهويّات، بِسُيوفٍ مِن خشب.
هذه الحروب الوهمية جاءت كضريبة لِثَورةٍ لم تكتمل لِتُنجِزْ، ولِحَربٍ أهليّةٍ غير رسمية، انتهت قبل أن تنتصفَ وتُعلِنَ قِسمَتُها الواضحة، رغم أن عَدّاد القتل العبثي فيها استمرّ بأيدٍ محلية، وبإشراف وخبرات مستوردة.

وعليه، فكلما استراح المتحاربون، وتراجعَ أزيز رصاصهم، علَت سجالاتٍ تُعوّض عن الاقتتال الفعلي، وتتراوح بين المهاترة والجدّ؛ بين إثارة الرأي العام وتقاذف المسؤوليات؛ وبين البحث عن الذات والثأر للماضي.

وفي القادمات، لرُبما يَردُّ "أنصار الريف" اعتبارهُم بتحميلِ مسؤولية الفشل الثوري للمدينيينَ أصحاب حفلات الشواء أيام الجمعة - في بدايات الحِراك- والذين وظّفت كاميرات تلفزيون النظام صُوَرَهُم دعائياً للقول إن التظاهرات "مفبركة". ولو حصل ذلك اليوم، واستخدم "الريفيون" هذه الورقة، فلن يكون في الأمر هذه المرة "حِقدٌ طَبقيٌّ". ذلك أنه وبفضل "القيادة الحكيمة"، اختفت التمايزات بنسبة كبيرة، وأصبح السوريون في الوطن والمهجر ينقسمون إلى طبقتين أساسيتين: طبقة "هات اعطينا دولاراتك"، وطبقة "البرادات بلا لحمة..واشتغل وابعت لأهلك".

ولِكَوني واحداً من سكّان "ثلاجة الانتظار" الأصليين، فإني سأظلّ أُمَنّي النفس بالعودة يوماً إلى "مدينة الياسمين" دمشق، للقاء صديقي محمد. عندها سأدعوه لتناول "خبيزة بالزيت والبرغل"، من دون أن تخالجهُ مخاوف من أن تكون دعوتي هذه خطوةً على طريق ترييف الشام؛ "سمْعَلَتها"؛ "علونتها"؛ أو "حَورنتها". أو مقدّمة لاستبدال رموزها، وإحلال المنجل والمنكوش مَحلّ جامعها الأموي ومقاهيها وأبوابها وأصوات أصحابي المقيمة فيها، أبداً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها