آخر تحديث:21:02(بيروت)
الإثنين 20/07/2020
share

"الحياد" يحيي هواجس الشيعة من متصرفية جبل لبنان

نذير رضا | الإثنين 20/07/2020
شارك المقال :
"الحياد" يحيي هواجس الشيعة من متصرفية جبل لبنان حرب إعلامية بين بكرمي ودار الإفتاء الجعفري.. ربما يكون عمقها ملف توطين الفلسطينيين (أرشيف)
حين طرحت مراسلة قناة "ال بي سي"، على البطريرك الماروني بشارة الراعي، السبت، سؤالاً عن موقفه من حملة المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان عليه، ترفّع عن الخوض في سجال. فما يطرحه البطريرك، في الشكل، هو "باب الخلاص للبنان"، كما قال، لكنه في المضمون، فتح مجالاً لتراشق إعلامي مع الطائفة الشيعية، لم يهدأ منذ الأسبوع الماضي. 

ومع أن السجال يحفظ هذه المرة المواقع والأسماء، لجهة تجنّب تسميتها في الردود على الطرح بخصوص "الحياد"، إلا أن مضمون الردود لا يحتاج الى عرّافين لمعرفة صندوق البريد الذي تُرسل اليه الرسائل. 

ثمة حرب اعلامية بين بكركي ودار الافتاء الجعفري، لا يجهلها أحد، تستعر عندما يغوص الراعي في تفسير مفهومه للحياد، وتقرأه مؤسسة الإفتاء الشيعية على انه طرح من خلفية طائفية، ما يحيل الخلاف حول الحياد الى خلاف طائفي، بما يتخطى الخلاف السياسي حول مقاربات مختلفة لحماية لبنان، ينظر اليها المسيحيون على انها لن تكون بغير الحياد، بينما ينظر اليها الشيعة على انها تتم وفق الستاتيكو القائم. وهو ما عبّر عنه نائب أمين عام "حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، في مقابلة تلفزيونية، حين قال إن طرح الراعي هو "رأيه"، وأن لبنان الآن "في موقع صحيح"، منوهاً بأن العلاقة مع بكركي "جيدة". 

وتطييف المعركة، يُقرأ من رد المفتي قبلان على الراعي. قال البطريرك انه راجع "البيانات الوزارية من 1943 حتى 1980 وكلها تقول إن لبنان يعتمد الحياد"، آملاً في "أن يكون جميع اللبنانيين في موقف واحد للوصول الى قرار من مجلس الأمن والأمم المتحدة بأن يكون للبنان نظام حيادي فاعل". ورد قبلان بأن "المئة سنة الماضية لم تكن صحية للبنان واللبنانيين الذين كانوا يتوقون للبنان الوطن والدولة والمواطن، ولم ينفعنا في يوم من الأيام مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة، خصوصاً عندما كنا نقتل أمام عيونهم وعيونكم".

لم تستعر المعركة قبل تصريحات البطريرك حول "حزب الله"، والتي تباينت، وأحياناً تنافرت، بحسب الجهة التي يصرّح لها، أولاً خلال مقابلة مع وكالة أنباء الفاتيكان، وبعد خروجه من لقاء الرئيس عون، ومن ثم التذكير بموقف لبنان المحايد الذي حماه في أحداث 1958 ثم 1975، وذلك بعد لقائه رئيس الحكومة حسان دياب. بدأ انتقاد الراعي من دون تسميته، يوم الجمعة الماضي، وارتفعت وتيرته اليوم الإثنين بعد تصريح للبطريرك طالب فيه بدور للأمم المتحدة لإعلان حياد لبنان. 

إنه صراع الأعوام المئة إذاً. في مئوية لبنان الكبير، يسيطر على المسيحيين هاجس تحلل الكيان، وهم الذين ينظرون الى الخلاص في تمديد الصيغة، تلك التي قامت على "الحياد" بموجب قرار مجلس نواب متصرفية جبل لبنان في العام 1920، وثُبّتت بعد الاستقلال خلال فترة الحرب الباردة. وهو ما لم يقله البطريرك الراعي حرفياً، وتكفل به وزير الإعلام الأسبق ملحم الرياشي إذ نشَر وثيقة قرار مجلس نواب المتصرفية في "تويتر". لكن السؤال الآن، ما المستجد الذي يدفع إلى إحياء صيغة حياد المتصرفية؟ وما هو الهاجس المسيحي في مئوية لبنان؟


بالتأكيد، تتخطى التطورات التي تُقرأ بين السطور، الأسطورة القائلة بأن عُمر أي اتفاقية لا يتخطى المئة عام. فالتطورات الأخيرة في المنطقة بعد صفقة القرن، المرتبطة بهواجس توطين الفلسطينيين في لبنان (يعبّر عنها الرئيس ميشال عون باستمرار)، تحتلّ أولوية في العقل الباطن المسيحي، وقد تتمظهر في دفع ما تبقى من المسيحيين الى الهجرة، أو الذوبان في سائر مكونات الكيان، رغم ان اتفاق الطائف حسم صيغة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بمعزل عن التعداد الديموغرافي. 

لكن ماذا لم تم فرض التوطين كأمر واقع، بحيث لا تكون للمسيحيين قدرة على مواجهته تحت ضغط تهديد الصيغة اللبنانية بفعل الأزمة الاقتصادية المتنامية، والتي قوّضت عهد عون، وتهدد الكيان، وتدفع مسيحييه الى الهجرة؟ 

ربما لا يكون هناك منفذ من القبول بالتوطين المقنّع، بمعنى التوصل الى تسوية حول تكريس حقوق الفلسطينيين تدريجياً، بهدف حماية الكيان وتأمين استمراريته عبر إعادة تفعيل الحياد بالمفهوم الذي كان قائماً في متصرفية جبل لبنان. لكن ذلك يتطلب تأمين حماية دولية للمسيحيين لتبديد هواجس الهجرة أو التناقص بفعل الاختلال بالميزان الديموغرافي، كما يتطلب تكريس امتيازات للمسيحيين، وهو ما يتم التعبير عنه بمفهوم اللامركزية الإدارية الموسعة التي تحدث عنها نواب وشخصيات مسيحية مؤيدة لطرح البطريرك. 

يدرك المسيحيون أن فكرة الحياد بالمعنى السياسي، لن يقبل به الآخرون، وخصوصاً الشيعة. فالحياد، يوحي للشيعة بأنه شأن مسيحي، لذلك يحملونه على محمل طائفي.. وسيدفعهم أكثر لاستبعاد أي نقاش حول سلاحهم الذي احتفظوا به لأسباب داخلية أولاً، متصلة بحماية استمرار نفوذهم في السلطة، ولأسباب مرتبطة بالصراع مع اسرائيل وبالأجندة الإيرانية. وفي حال طُبّق الحياد في الضفة المسيحية، سينكشفون أكثر، خصوصاً في حال إلغاء "حق العودة" عملياً خارج النصوص، أو تهميش "اللجوء الى موطن ثالث" للفلسطينيين، والمعمول به منذ أكثر من 30 عاماً... 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها