آخر تحديث:13:04(بيروت)
الأحد 19/07/2020
share

"امبراطورة" تدعم كارلوس غصن..ولا تقفز من مركبه الغارق

حسن مراد | الأحد 19/07/2020
شارك المقال :
"امبراطورة" تدعم كارلوس غصن..ولا تقفز من مركبه الغارق نسقت تصريحاته في المؤتمر الصحافي في بيروت ومنعت 96 صحافياً يابانياً من تغطيته


لا يزال ملف كارلوس غصن، الرئيس السابق لتحالف رينو - نيسان – ميتسوبيشي، حاضراً في وسائل الاعلام بوصفه سراً تتكشف فصوله تدريجياً، في خرق لاستراتيجية غصن الإعلامية التي قامت على نقطتين اثنتين: عدم الغوص في تفاصيل هروبه تفادياً لإلحاق الأذى بمن ساعده، والتركيز على فراره من "اللاعدالة" اليابانية. هي استراتيجية غير مرتجلة، بل وضعت بعناية من ماكينة إعلامية تديرها سيدة محنكة اسمها آن مييوه. 

فور وصول كارلوس غصن إلى بيروت مطلع العام الحالي، علمت آن مييوه بهروبه حتى قبل انتشار الخبر إعلامياً. لم تتردد في قطع إجازة نهاية العام والتوجه إلى لبنان لتدير المعركة الإعلامية. هذه السيدة الفرنسية التي تمتلك شركة Image 7، ذائعة الصيت في مجال بلورة الاستراتيجيات الإعلامية، اشارت على غصن التركيز على مهاجمة القضاء الياباني واتهامه بالانحياز للقول إنه لم يهرب من وجه العدالة بل من الظلم والاضطهاد.

أتت الاستراتيجية الإعلامية بثمارها: تمكنت مييوه من التأثير على وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية، دفعتهم إلى تناول "عيوب العدالة اليابانية" في معرض تغطيتهم لهذا الحدث. في الواقع لم تطلب من أي وسيلة اعلامية التطرق إلى هذه المسألة، لكن ابتداعها لتلك الحجة كان الدافع وراء خوض الصحافيين هذا الطريق، ما سهّل على كارلوس غصن تقديم نفسه كضحية عوضاً عن الظهور بلباس رجل الأعمال المتغطرس الخارج عن القانون. 

أرادت أن يبقى غصن في موقع المبادرة حتى لا تخرج الامور عن السيطرة وتغرد كل وسيلة إعلامية على هواها. كانت خلف تنظيم مؤتمره الصحافي في بيروت ومنحت بنفسها الاعتمادات الصحافية: من أصل 100 صحافي وإعلامي ياباني، لم تسمح آن مييوه إلا لأربعة منهم بالحضور. 

نيكولا ساركوزي هو من أشار على كارول، زوجة كارلوس غصن، اللجوء إلى خدمات آن مييوه. مهمة غاية في التعقيد بعدما اختلطت الجوانب القضائية بالاعتبارات السياسية معطوفة على نفوذ الشركات المتعددة الجنسيات. والأهم أنه لم يُسمح لمييوه بلقاء "زبونها" ولا حتى التواصل معه داخل سجنه. 

مع ذلك فرضت نفسها في ذاك المحيط الذي يجمع، إلى جانب أفراد عائلة غصن، فريقاً كبيراً من محامي الدفاع وشركة GPG الأميركية المختصة بالعلاقات العامة. وفقا لصحافيين مطلعين على الملف، تحولت آن مييوه إلى ما يشبه ضابط الايقاع الذي يدير حلقات النقاش ويغربلها لا سيما على مجموعة الواتساب التي انشئت للتنسيق بين كل المذكورين أعلاه.   

التداول باسمها في الفضاء العام الفرنسي بدأ قبل ثلاث سنوات، حين كانت المستشارة الإعلامية لحملة فرنسوا فيون الرئاسية عام 2017 فتعين عليها التصدي لما واجهه مرشح اليمين من فضائح متتالية. اتبعت الاستراتيجية التي اعتمدتها لاحقاً مع كارلوس غصن: عدم الاستسلام، وعدم الاعتراف ورفض الاعتذار. لا تجد آن مييوه حرجاً في مساندة شخص تحوم حوله شبهات قضائية، فمهمتها لا تختلف بشيء عن عمل المحامين على حد تعبيرها، إذ يكفل القضاء حق الدفاع لأي متهم. 

لا ينحصر نشاطها بالاطار السياسي. آن مييوه أشهر من نار على علم في عالم الأعمال الفرنسي. يتجاوز عدد زبائنها الـ 100، معظمهم من كبار رجال الأعمال ومدراء كبرى الشركات الفرنسية. 

لم تطرق باب أحدهم، بل هم من يلهثون خلفها: مييوه تعلم عن كثب ميول كل صحافي/ة، ونقاط القوة والضعف التي تتحلى بها كل وسيلة إعلامية، إلى جانب طبيعة العلاقات وشكل المنافسة داخل "سوق الاعلام الفرنسي". وعليه، بات التسويق الإعلامي للصفقات التجارية يمرّ عبرها خصوصاً حين يتعلق الأمر بعملية اندماج بين شركتين. 

تخطت شهرتها حدود فرنسا، فلا مفر من توجه الشركات العالمية إلى مقر Image 7 حتى لا يكون تغلغلهم في السوق الفرنسية مستفزاً.  في هذا الصدد، تقول آن مييوه: "الاستراتيجية الإعلامية الناجحة لن تُحَسِّن من صورة صفقة سيئة بطبيعتها. لكن خطة إعلامية رديئة بإمكانها إجهاض مشروع واعد". 

خبرة آن مييوه ومسيرتها المهنية أتاحت لها ترف اختيار زبائنها لا سيما حين تعلق الأمر بنزاع قضائي. فبسبب إبرامها عقوداً استشارية مع عدد كبير من الشركات ورجال الأعمال الفرنسيين، أراد كل طرف استمالتها إلى صفه. حتى اليوم، لم يغفر لها برنارد آرنو، أغنى رجل في فرنسا، قرارها الانحياز إلى خصمه في ما عرف بقضية GUCCI عام 1999.

أدرك آرنو في حينها أن كل أسراره باتت في متناول خصمه بسبب اصطفاف مييوه. وفي عدد من القضايا، تردد أن رجال أعمال أبدوا استعداداً لدفع أموال لمجرد عزوفها عن ادارة المعركة الإعلامية لخصومهم.  

في هذا النوع من القضايا التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة، تسعى مييوه إلى التأثير على الرأي العام. غايتها ممارسة ضغط غير مباشر على الأجهزة القضائية عبر دفعهم لعدم استعداء الشارع. ولم تشذ قضية غصن عن هذه القاعدة. 

آن مييوه إمرأة صريحة، لا تتردد في قول الأمور كما هي وبعبارات فظة أحياناً. أقرت ذات مرة أن ما تعرضه على زبائنها من مقترحات ليست دوماً خلاقة، ففي أكثر من مناسبة اكتفت بتشخيص واقع الأمور وعرضها بشفافية على زبائنها النافذين، في وقت كان يخشى المحيطون بهم مصارحتهم على هذا النحو. تعتمد في ذلك على كسر الحواجز الرسمية وبناء علاقات شخصية من خلال دعوات العشاء إلى منزلها. حتى أنها كانت ترافق آن لافيرجون، المديرة التنفيذية السابقة لشركة Areva، للتسوق. 

ميزة أخرى اشتهرت بها آن مييوه: الوفاء. لم يحدث أن قفزت من قارب يغرق. المثال الأبرز عدم تخليها عن فرنسوا فيون خلال حملته الانتخابية. وحتى بعد خسارة فيون للسباق الرئاسي، استمرت مييوه بإدارة معركته الإعلامية. وفاء تدفع ثمنه لغاية اليوم بعدما رفض ايمانويل ماكرون التعاون معها.

لكن هذه الاستراتيجية الصدامية كما طبيعة العلاقة التي تجمعها بزبائنها كلفتها الكثير من الانتقادات. منافسوها في السوق يرون فيها مستشارة للأفراد وليس للشركات وفي كثير من الأحيان تكون الاستشارة لمواجهة مأزق ما، أي لبلورة استراتيجيات قصيرة الأمد بدل الاستثمار بصورة الشركة على المدى البعيد.    

تتعدد الآراء حيال هذه السيدة المختصّة "بالإدارة الإعلامية للأزمات": بين من يصفها بملكة الدعاية والإعلام في فرنسا، ومن يرى شركتها أقرب إلى الإمبراطورية. يقول المثل "وراء كل رجل عظيم امرأة"، لكن في الحالة الفرنسية يجوز تعديله ليصبح "وراء كل رجل عظيم ... آن مييوه".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها