آخر تحديث:20:47(بيروت)
الجمعة 17/07/2020
share

اليونان بعد آيا صوفيا: انتقام ورثة الإمبراطورية البيزنطية

عدنان نعوف | الجمعة 17/07/2020
شارك المقال :
اليونان بعد آيا صوفيا: انتقام ورثة الإمبراطورية البيزنطية آيا صوفيا (غيتي)
رغم مرور أيّام على القرار التركي بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، فإنّ اليونانيين ما زالوا "يعاينون الأضرار"، ويعيشون تناقضات البحث في خيارات الردّ، أو الاكتفاء بتفريغ الغضب، أو الاحتماء بالإيمان والعودة إلى الهوية الدينية المنغلقة.
وجاءَ وقعُ قرار المحكمة الإدارية العليا في تركيا مُزلزلاً عند الجارة اليونان التي تعتبر نفسها وريثة للإمبراطورية البيزنطية، وممثلة للمسيحيَّة المشرقية، وحامية لرموزها.

وتؤشر ردود الأفعال اليونانية الشعبية والرسمية إلى أن الأمر لن يقف عند حدود تخفيف الاحتقان، بل إنّ هناك آثاراً اجتماعية وسياسية ستظهر على المدى البعيد، وستتبلور عبر توجهات أكثر يمينيّة.

ولعل أبرز التعليقات في تعبيرها عن أثر الخطوة التركية، هو ما جاء في مقال الكاتب فاسيليس فيرجيس، الذي اعتبر أن "رجب طيب أردوغان ضَربَ الإغريق في إيمانهم؛ في أكثر قيمة أرثوذكسية ومسيحية خلوداً. فما ترمُز إليه هذه الكنيسة العظمى لا تعبّر عنه الكلمات. فهي متجذرة بعمق، لمئات السنين، في القلوب والعقول" على حد تعبيره.

لكنّ أقسى التوصيفات المواكِبة للحدث جاءت عبر الكاتب والمُدوّن جورج بابادوبولوس تتراديس، الذي رأى أن "اليونانيين مهدَّدون من حكّام بلدهم، لا من الأتراك"، ووصف حكومة بلاده بـ"الجبانة" والتي تريد "شعباً مَخصيّاً وبلا كرامة".

ومثّلت لحظة الخيبة والنقمة لدى اليونانيين، مناسبةً لمراجعة الإخفاقات على مختلف الأصعدة، حيث نال رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس، النصيب الأكبر من الهجوم، وذلك ضمن جردة حساب لأداء حكومته، منذ فوز حزبه "الديموقراطية الجديدة" بانتخابات 2019 وحتى اليوم.

وذهبت الصحافة اليونانية أبعد من ذلك، متهمةً ميتسوتاكيس - بشكل غير مباشر - بالتواطؤ والإذعان للأتراك، وتساءلت عمّا إذا كان قد عَلِمَ مسبقاً بالنيّة التركية لتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، وذلك خلال اتصال هاتفي أجراه مع أردوغان بتاريخ 26 حزيران الماضي.

وضمْن هذه الظروف، وجَدَ الخطاب القومي فرصة لكي يطلّ على مسرح الأحداث ويروّج لنفسه من خلال الحزب اليوناني اليميني المتطرف "الفجر الذهبي" والذي يُصّنف ضمن ما يُعرف بأحزاب "النازيين الجدد". وقد علّقت إحدى أعضائه على موضوع آيا صوفيا، مشيرةً إلى أن حزبها لطالما حذّر من طمس معالم بلادها، داعيةً إلى المعاملة بالمثل، ووقف الأعمال الجارية لافتتاح مسجد أثينا. 

وفي حال عدم وجود عراقيل، فإن هذا المسجد (الأول في العاصمة اليونانية) يُفترض أن يكون جاهزاً لاستقبال المصلَين بحلول نهاية الخريف المقبل.

غير أن التلويح بالتضييق على دُور العبادة الإسلامية لن يكون انفعالاً عابراً كما يبدو، بل في سياق حزمة مقترحات يتم تداولها صحافياً للردّ على "الاستفزاز التركي المتصاعد". وفضلاً عن مجموعة خطوات ذات أبعاد اقتصادية تستهدف التبادل التجاري بين البلدين، يبرز بين الإجراءات اقتراح "بإغلاق جميع أماكن العبادة غير القانونية في اليونان"، و"تعليق عمليات ترميم وصيانة الآثار العثمانية الموجودة فيها".

وفي خطوة "رمزية" مبدئية، فإن المطروح حالياً هو تحويل منزل مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، في مدينة سالونيك اليونانية إلى متحف لتخليد ذكرى الإبادة الجماعية للبونتيك خلال الحرب العالمية الأولى (مذابح اليونانيين من سكان الدولة العثمانية في منطقة بونتوس على البحر الأسود). 

ولا يُعتبر ذلك كافياً في نظر الرأي العام اليوناني. وفقاً لمحللين، فإنّ ردع "الأجندة الإسلاموية التركية" يقتضي فرض "عقوبات اقتصادية من الاتحاد الأوروبي على تركيا"، بالإضافة إلى "بناء تحالفات عسكرية مع دول في المنطقة". 

وفيما يرى جورج فيليس، أستاذ الجغرافيا السياسية والشؤون الأوروبية ومحلل الشؤون الدولية، أنّ الانتقام بتحويل مبنى إسلامي إلى مبنى مسيحي لا يتماشى مع الثقافة اليونانية، فهو لا يخفي مخاوفه من أن يكون ما يجري حالياً مقدّمة "لحرب بين الإسلام السني والمسيحيين".  

وينسحب التحذير من خطورة اللحظة "الانفعالية" الراهنة على كتّاب آخرين، خصوصاً أن الأمر يَمسّ الهويّة اليونانية، "ما يجعل من السهل تحويل النقاش العام إلى توتر لا يمكن السيطرة عليه". 

ويمكن القول هنا أن دعوات التهدئة والتصعيد - على السواء - أظهرت شعوراً عاماً لدى اليونانيين بالإحباط وتخلّي الغرب عنهم في معركتهم ضدّ "ثقافة الفتح العثمانية الجديدة"، و"قانون الأقوياء".

وأمام حالة الانكسار هذه كان واضحاً ارتكاس الخطاب اليوناني نحو التديّن، والنزوع نحو الإيمان كحلّ روحاني، وهو ما تجسّد على ألسن رجال دين راحوا يروّجون لحديث الغيبيات، بعد أن خاب الأمل بـ "عالَمٍ متحضر" لم يتحرّك لوقف استهداف "تقاليد المسيحيين" بحسب القسّ اليوناني نيكتاريوس.

وتشكّل التغييرات المحتملة لمعالم آيا صوفيا، مصدر قلق ومتابعة من قبل الأوساط الكنسيّة في اليونان، وبشكل خاص عملية إخفاء الفسيفساء وجداريات المسيح ومريم العذراء.

وفي الأثناء، يزداد الترقب والشحن العاطفي تدريجياً بانتظار يوم 24 من الشهر الجاري، موعد إقامة أول صلاة إسلامية في آيا صوفيا، والتي يُتوقّع أن يلقي خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خطبة "بدلاً من أن يقود الصلاة" وفقاً لما ذكرته مصادر صحافية.
وتحضيراً لهذا اليوم، فقد اقترح مدير الكنيسة الرسولية في اليونان، أغاثانغيلوس، أن يتمّ ترتيل ترنيمة مسيحية خاصة "من قبل المؤمنين والكهنة والرهبان والراهبات في جميع الكنائس والأديرة الأرثوذكسية بالتزامن مع أداء المسلمين أول صلاة في آيا صوفيا".

ولإدراك حجم الأثر الذي تركه تحويل آيا صوفيا إلى مسجد في الوجدان اليوناني، ينبغي التوقف عند "منطق الإعجاز" الذي أصبح متداولاً بطرق مختلفة. وقد تجاوز ذلك مجرّد التغنّي بهذا الصرح المعماري بوصفه "معجزة هندسية على مرّ الزمن ظلّت رمزاً للحضارة الغربية"، إلى سرد وقائع تاريخية-أسطورية، وقصص أحاطت بسقوط القسطنطينية (اسطنبول) سنة 1453م. 

وتصدّرت هذه الروايات أسطورة تتحدث عن "موت ضابط تركي بصعقة برق، عندما حاول تدمير جدارية مريم العذراء التي تحمل الطفل يسوع بين يديها"، وهو مصير "تكرّر مع كلّ من حاولوا تدمير هذه اللوحة"، بحسب الأسطورة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عدنان نعوف

عدنان نعوف

كاتب سوري

مقالات أخرى للكاتب