آخر تحديث:17:22(بيروت)
الأربعاء 01/07/2020
share

"سبيستون": قناة شباب المستقبل تنشر التطرف والكراهية

وليد بركسية | الأربعاء 01/07/2020
شارك المقال :
"سبيستون": قناة شباب المستقبل تنشر التطرف والكراهية
لا يعتبر الاعتراف الذي قدمته إحدى العاملات في قناة "سبيستون" الخاصة بالأطفال، بتشويه أعمال الأنمي الأصلية وتقديمها بما يتناسب مع "الثقافة الإسلامية" جديداً، بل هو معطى عام يعرفه الجميع، وإن كان القائمون على القناة وعلى مركز "الزهرة" للإنتاج، الرديف لها، يتحاشون الاعتراف به صراحة حتى وقت قريب، حتى عند مواجتهم بذلك في سياق مقابلات صحافية.

والاعتراف الذي يمدح القناة أمام الجمهور العربي المحافظ عبر اللعب على استمالات دينية متشددة، يهدف في الواقع إلى ضرب القنوات المنافسة، وتحديداً شبكة "كارتون نيتوورك" التي حصدت جماهيرية واسعة في السنوات الأخيرة، عطفاً على كمية التجديد ضمنها، بعدما غيرت الشبكة صور حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى ألوان قوس قزح، دعماً للمثليين جنسياً، على غرار كثير من الشركات الكبرى حول العالم في شهر حزيران/يونيو سنوياً، بوصفه شهر الفخر بالهوية الجنسية، مع الإشارة إلى أن معرفات الشبكة العربية لم تقم بتلك الخطوة أصلاً.


وتشكل مسألة المثلية الجنسية في العالم العربي قضية تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، منذ حادثة انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي الشهر الماضي، وكمية التعاطف الذي حظيت به إلى درجة خلقت حالة مضادة من المتدنين والمحافظين، الذين مازالوا يشنون حملات ضد القيم الغربية بوصفها غزواً ثقافياً يهدف إلى تدمير "الحضارة" العربية والإسلامية. وتكثف ذلك في حالة "سبيستون" و"كارتون نيتوورك" على اعتبارهما شركتين تقدمان منتجات إعلامية أجنبية للجمهور العربي، وكررت عشرات التعليقات حديثها عن نظرية مؤامرة مفترضة، تقوم فيها الدول الأجنبية، كاليابان والولايات المتحدة، بتصنيع الرسوم المتحركة من أجل غسل أدمغة الشباب العربي، وأن ما تقوم به "سبيستون" من رقابة يعتبر أمراً ضرورياً في هذه الحرب الوجودية.

غير المفهوم هنا هو استماتة هذه الفئة من الجمهور في الحصول على المنتجات الأجنبية منقحة، رغم وجود منتجات إعلامية كثيرة تصنف على أنها مناسبة للجمهور العائلي، أو خيار عدم المشاهدة من أصله. ولا يشكل الغرض الأساسي الحصول على التسلية والترفيه، بل ترفده أيضاً فكرة الأمان مع انتشار سلوك مقيت يحول التلفزيون إلى جليس للأطفال في المنازل العربية. والمثير للضحك أن كل ذلك يبدو أفكاراً عتيقة الطراز من حقبة ما قبل الإنترنت الذي يستخدمه الأطفال وربما لا يمكن للأهل ضبطه إن كانوا مشغولين عن أطفالهم أو يتعاملون معهم باستغباء ممنهج يرتبط بطيف واسع من الممارسات المماثلة في مجتمعات ذكورية وأبوية مازالت منغلقة على نفسها رغم كل التطور التكنولوجي وانفتاح العالم على بعضه بفعل العولمة.

قد يبدو الوصف السابق تعميماً ظالماً للوهلة الأولى، إلا أن سياسات الشركات الكبرى تجاه المنطقة كسوق "له خصوصية ثقافية" تؤكده. بما في ذلك على سبيل المثال شركات الترفيه الكبرى التي تقدم منتجاتها في الشرق الأوسط وتخشى حملات المقاطعة، ومن بينها شركة "سوني" التي لم توفر الجزء الجديد من لعبة "The last of us" في المنطقة بسبب تضمينها مواضيع متعلقة بالمثلية الجنسية، أو حتى شركة "نيتفلكس" التي حجبت حلقات من مسلسلات وبرامج خاصة بها، لتضمنها حساسيات معينة، بما في ذلك حذف حلقة من برنامج الكوميدي الأميركي حسن منهاج تضمنت انتقادات سياسية للمملكة العربية السعودية.

وحتى وقت قريب، كانت هنالك فكرة شائعة تتكرر في مواقع التواصل بالقول أن أفلام الرسوم المتحركة ومسلسلات الأنمي تزرع قيماً ومثلاً عليا عند الأطفال لتأتي برامج الكبار فيما بعد وتشوه ذلك، عبر تطعيم الأشخاص بأفكار العنف والعنصرية. ويحمل ذلك أبعاداً متعددة، إلا أن صدورها من طرف محافظين ومتزمتين يتوازى مع حديث "سبيستون" تحديدأ عن امتلاكها واجباً أخلاقياً يتمثل بكونها "مؤتمنة على جيل كامل" وأن ما تبثه يمثل "رسالة". وبالنظر إلى ممارسات القناة نفسها لتحقيق ذلك الهدف، تنعكس الأمور وتصبح منتجات القناة المشوهة هي مصدر التطرف والعنصرية، مع تفريغ القصص من مضمونها، وتحميلها طابعاً جديداً يعادي النساء وغير المسلمين وحتى الخيال كعنصر لا بد منه لتحقيق التسلية، وصولاً إلى تعزيز الصور النمطية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالأدوار المجتمعية والفروقات الجندرية، ويصل ذلك حد تقديم الشخصيات النسائية المستقلة أحياناً على أنها شخصيات ذكورية متنكرة.

والحال أن "قناة شباب المستقبل" التي ارتبطت منذ تأسيسها أواخر تسعينيات القرن الماضي بالمال الخليجي كمصدر للتمويل، وأدى ذلك إلى خلق سياسة متشددة تحذف كل ما لا يناسب الثقافات المحلية التي تحاول الأنظمة السياسية في دول المنطقة تكريسها، مع الإشارة إلى أن التعديل لم يشمل الأعمال الجديدة التي بثتها القناة بشكل حصري، بل أيضاً الأعمال الكلاسيكية القديمة التي عرفها الجمهور العربي قبل حقبة البث الفضائي نفسه حتى. وتبدأ قائمة المحظورات بعبارات الحب والقلوب الحمراء التي قد تتواجد في المشاهد إلى الرموز الدينية غير الإسلامية كالصليب حتى لو كان مرسوماً للإشارة إلى علبة إسعافات أولية، وصولاً إلى اعتماد تقنيات خاصة لإطالة ثياب الفتيات فيه، أو حذفها في حال استحالة التغطية، بالإضافة لحذف شخصيات نسائية بأكملها مثل القطة البيضاء الجميلة التي يقع القط توم في غرامها ضمن سلسلة "توم وجيري" الكلاسيكية.

يخلق ذلك عالماً أحادياً لا تنوع فيه ولا اختلاف، في تجسيد حرفي لإقصاء الآخر الذي يقود بدوره للتطرف العنيف وزرع الكراهية منذ سن مبكرة، حتى قبل سن المدرسة. وفيما يتم الحديث باستمرار عن مصادر التطرف والكراهية في المناهج الدراسية الرسمية في الدول العربية، وتحديداً المناهج الدينية، مع مطالبات دبلوماسية غربية بالإصلاح في هذا الإطار، فإن ذلك قد لا يكون كافياً لأن التطرف ينشأ في بيئات متعددة، عبر هذه النوعية من الوصاية السامة، التي تتبجح جهات كثيرة بممارستها على صعيد يومي، مع شيطنة البدائل التي تضطر مع مرور الوقت إلى اتباع النمط السائد، بما في ذلك "كارتون نيتوورك" العربية التي تحذف لقطات وحلقات مقارنة بالنسخ نفسها التي تبث بلغات أخرى.

ولعل السؤال الأساسي هنا يتمحور حول هوية من يحاول تكريس مفاهيم الانغلاق في المنطقة، لأن المسألة تتخطى وجود حالات فردية ينشر فيها أشخاص معينون قناعاتهم الشخصية. وربما تشكل حالة سلسلة "بوكيمون" الشهيرة مثالاً مناسباً يوضح تداخل السلطة الدينية مع السلطة السياسية لتوجيه الأفراد في المجتمعات العربية وفرض وصاية عليهم. ففي العام 2001 صدرت فتوى من الشيخ يوسف القرضاوي وفتاوى موازية من الأزهر، بتحريم مشاهدة وعرض مسلسل الأنمي الذي اجتاح العالم حينها، بحجة أنه "يتضمن خطراً على العقيدة الإسلامية بتبنيه الفكرة الداروينية المعروفة بنظرية النشوء والارتقاء وتطور الأجناس والأنواع من مخلوقات دنيا إلى مخلوقات أرقى وأكثر قدرة، كما أنه يتضمن خطراً على عقلية الطفل وحسن تربيته فكرياً، لكونه يغرس في عقله خيالات لا أصل لها وأشياء خارقة للعادة وغير متماشية مع سنن الله الكونية". ما أدى إلى إيقاف عرض المسلسل ودبلجة مواسمه المتبقية.

والملاحظ أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت في تخفيف قدر كبير من أثر التسلط الديني على الحريات، عما كان عليه الحال قبل 20 عاماً، ويلاحظ ذلك بردود أفعال الناس عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والساخرة من فتوى تحريم لعبة "بوكيمون غو" العام 2016 مقارنة بالخضوع للقرار الديني العام 2001 تجاه المنتج نفسه. لكن ذلك لا يعني بأي حال انتهاء حقبة التسلط الديني التي طبعت الحياة في المنطقة العربية لقرون متتالية، كما لا تعني بداية نزاع بين أفكار تحررية والمرجعيات الدينية التي تستمد قوتها من خطاب ذي نزعة إلهية بحتة، لأن ذلك الخطاب يعتبر ركيزة للأنظمة السياسية الاستبدادية الحاكمة في المنطقة.

وشكلت حادثة تحريم "بوكيمون" تاريخاً مفصلياً بالنسبة لـ"سبيستون" نفسها التي كانت تعرض السلسلة وزادت في رقابتها المتشددة بعدها. ولعل تزمت سياسة القناة تدريجياً وعدم بثها للأعمال الجديدة الرائجة وتكرار الأعمال المنتجة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي التي تدغدغ ذكريات الأهالي، كانت دافعاً لانتشار مواقع إلكترونية عربية تقرصن أعمال الأنمي الأصلية وتعرضها بعد ترجمتها بأمانة لا تتوفر في نسخ "سبيستون".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها