آخر تحديث:19:02(بيروت)
السبت 27/06/2020
share

أيأتي زمن لا نحيي فيه اليوم العالمي لضحايا التعذيب؟

وليد بركسية | السبت 27/06/2020
شارك المقال :
أيأتي زمن لا نحيي فيه اليوم العالمي لضحايا التعذيب؟ قتل 14235 سوريا تحت التعذيب في معتقلات نظام الأسد منذ العام 2011 (غيتي)
لا يمكن الإحساس بمعنى كلمة التعذيب في العالم العربي، عند الاطلاع على وسائل الإعلام التقليدية التي وجدت في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، مثل أي قضية أخرى، فرصة لرمي الاتهامات على الدول "المعادية" وفق الاصطفافات السياسية التي تفرضها شروط التمويل بشكل أساسي. لكن نظرة بسيطة على هاشتاغ #اليوم_العالمي_لمساندة_ضحايا_التعذيب في مواقع التواصل تعطي بُعداً آخر للكلمة بوصفها محدداً لحياة آلاف، إن لم يكن ملايين الأشخاص في المنطقة منذ عقود.

ومع صور السجون في العراق والمقابر الجماعية لضحايا التعذيب في السودان، وصولاً إلى صور التشوهات التي تحملها أجساد الناجين من المعتقلات في موريتانيا، يبدو الواقع في العالم العربي ككل مخيفاً، خصوصاً ان ثورات الربيع العربي قامت من أجل وضع حد لذلك الرعب، من ضمن إصلاحات سياسية عديدة، إلا أن مصير عدد كبير من الناشطين والثائرين كان مظلماً وانتهى بهم الأمر في السجون، ليعانوا التعذيب بدورهم، مثلما تشير تقارير حقوقية صدرت بشكل خاص في كل من مصر والعراق وسوريا والبحرين واليمن، وغيرها.

وتكرر وصف "الداعشية" لوصف طبيعة الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، حيث يعمل التعذيب على سحق المسجون وإرهاب غير المسجون في وقت واحد، من أجل خلق حالة من الخوف بوصفه عنصراً لا يتجزأ من طبيعة الأنظمة الاستبدادية، وتصبح السلطة بالتالي هي مصدر الخوف والحامي منه في الوقت نفسه، لأن شرط الطاعة للسلطة، نظرياً، ينفي العقوبة. مع الإشارة إلى أن هذا النوع من التهديد يتكرر في دول المنطقة، مع اختلاف التسميات. ويمتد هذا العقد الاجتماعي المشوّه، القائم على ثنائية الخوف - الحماية، نحو خلق مصادر خوف خارجية متنوعة، يتم وسم المتعرضين للتعذيب، بالعمالة لها، وتصويرهم عموماً كمصدر للخطر، ما يجعل السلطات بقيامها بعمليات الاعتقال والتعذيب، الذي لا يتم الاعتراف به صراحة، مصدراً للاستقرار.

ومن المؤسف أن العالم مازال مضطراً لتكريس يوم كل عام من أجل مساندة ضحايا التعذيب، بعد 22 عاماً على إعلان 26 حزيران/يونيو من كل عام يوماً مخصصاً لهذه المناسبة من طرف الأمم المتحدة، وبعد 33 عاماً على إطلاق اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي توقع عليها 162 دولة اليوم، من بينها العديد من دول الشرق الأوسط التي تمارس التعذيب بشكل ممنهج، ويروي مواطنوها في "فايسبوك" و"تويتر" اليوم، قصصهم مع التعذيب في المعتقلات، بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وغيرها.

والحال أن هذه القصص الفردية المؤثرة تعطي بُعداً مختلفاً لمعنى الحياة في دول المنطقة، حيث يمكن أن يتعرض أي شخص للاعتقال والتعذيب لسبب أو من دون سبب. يروي أحدهم مثلاً قصة شخصية لاعتقاله وتعذيبه لسنوات في سوريا نيابة عن شقيقه الذي لم تجده قوات الأمن السوري في المنزل حين أتت لاعتقاله في ثمانينيات القرن الماضي بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، فيما يروي آخر ذكرياته مع غياب والده المعتقل وزيارات والدته المتكررة للسجن والفراغ العائلي الذي أثر عليه لعقود. وكلها قصص لحياة المهمشين الذين لا يحظون بشهرة وتعاطف واسع ويبقون في الظل، بعكس الناشطين البارزين ومعتقلي الرأي من السياسيين، وحتى أولئك المدنيين الذين لا يتذكر أحد أسماءهم بالتحديد، بقدر ما يتذكر ظروف تعذيبهم التي قام فيها الجلادون أنفسهم بتصويرها ونشرها لتصبح قضيتهم قضية رأي عام لفترة محدودة قبل أن تظهر مروعة جديدة لتخطف الأنظار.

وأظهر تقرير خاص أصدرته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" مقتل 14388 سورياً تحت التعذيب من بينهم 14235 شخصاً قتلوا في معتقلات نظام الأسد منذ العام 2011، في وقت أنكر فيه رئيس النظام بشار الأسد في عدد من المقابلات الإعلامية وجود التعذيب في البلاد من أساسه، وهي السياسة المتبعة في التعامل هذه الأيام مع قانون قيصر الأميركي الذي يفرض عقوبات جديدة على النظام والمقربين منه، ففيما أتى القانون نتيجة تسريب المصور "قيصر" المنشق عن النظام 55 ألف صورة مروعة من داخل المعتقلات الأسدية، بما يظهر التعذيب كسياسة ممنهجة هناك، فإن النظام لا يذكر ذلك مطلقاً في شرحه الإعلامي والدبلوماسي لجذور القانون، مع الاكتفاء بالقول أنه تمثيل لـ"الهيمنة الأميركية"، فيما وصف الأسد الصور المسربة شخصياً في إحدى المرات بأنها نتيجة التلاعب بالصور عبر برنامج "فوتوشوب".

وفيما يرتبط التعذيب في سوريا تحديداً بالثورة السورية التي انطلقت في درعا العام 2011 بعد تعذيب عدد من الأطفال الذين كتبوا على الجدران عبارات مستمدة من الربيع العربي الذي عصف بدول الجوار حينها، ما أدى لموجة غضب كبيرة في المنطقة، فإن قصص التعذيب تعود لعقود سابقة، ويمكن تلمس قصص مروعة له سواء من ناجين من المعتقلات أم من أقربائهم، وتحديداً في فترة الثمانينيات المظلمة، ويكفي القول أن سوريا الأسد قدمت للعالم نماذج للرعب المعاصر مثل سجن تدمر سيئ السمعة أو سجن صيدنايا العسكري الذي تصفه منظمة العفو الدولية "أمنستي" بـ"المسلخ البشري" وبأنه "أسوأ مكان على الكوكب".

وإن كانت الأنظمة الشمولية الحاكمة في الشرق الأوسط هي المسؤولة عن جرم التعذيب عموماً، لكنه في الواقع ليس مقتصراً عليها، فالميليشيات والقوى الفاعلة غير الحكومية تمارس التعذيب بدورها في دول المنطقة، خصوصاً بعدما باتت القوى الوكيلة أسلوباً أساسياً في حروب المنطقة. وتكررت قصص ضمن هذا السياق من السودان إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغيرها، كما يمكن رصد العديد من القصص التي يمارس فيها التعذيب على نطاق فردي، لسبب أو لآخر، من بينها فائض القوة أو التمتع بنفوذ وسطوة أمنية وغياب القانون وانتشار السلاح غير الشرعي.

وهنا تسقط الكثير من المحددات الضيقة في النقاشات، مثل جنسية الجاني والضحية، وتصبح كل قصة حالة قابلة للتكرار بغض النظر عن المكان والزمان، طالما أن الحديث يتناول الشرق الأوسط الذي تتشارك معظم دوله ضبابية القانون، أو الاستهتار به، حيث تضم دساتير معظم الدول مواداً تنبذ التعذيب رغم اعتماده كأسلوب يعرف به الجميع ولا يريد الحديث عنه أحد، علماً أنه حتى في قضية لا ينبغي أصلاً أن تخلق جدلاً مثل التعذيب، يلاحظ وجود شيء من الانقسام المخجل، لأن أنصار السلطات المحلية والمرتبطون بها يميلون إما لتمجيد العنف الممارس من قبل السلطة والانبطاح أمام رموزها المختلفة، أو لإنكار وجود التعذيب بوصفه اتهامات لتشويه صورة الدولة القومية في تماه مع الخطاب الرسمي لا أكثر.

وفيما يمكن جر التعاطف مع الضحايا إلى الزاوية ونقاشه على أساس كونه محاولة سنوية للتملص من الشعور بالذنب الناجم عن العجز الفردي، يمكن تلمس حالة أكثر إلحاحاً ينشر فيها البعض تعليقات تبرر التعذيب بناء على هوية من يتعرض له، سواء كانت تلك الهوية طائفية أم دينية أم إثنية أو جنسية وغيرها، بدلاً من نبذ كل تلك الجرائم بغض النظر عن سياقها في المقام الأول. وربما تكون تلك أزمة أخلاقية بالدرجة الأولى، أو تعبيراً عن الإحباط الآتي من تحطم صورة الوطن المثالي الذي يحلم به أنصار السلطات في العالم العربي، بمطالعة الواقع وجهاً لوجه عبر السوشيال ميديا، التي تساهم في كسر جدار الوهم السابق المتمثل بالانتماء للوطن.

وأمام ذلك كله، لا يبدو المستقبل مشرقاً، فقصص التعذيب ستتكرر وستضاف لها قصص جديدة عاماً بعد عام، إلى حين تحقيق انتقالات سياسية حقيقية نحو الديموقراطية في دول المنطقة المختلفة التي تتشابه في تمزقها ومشاكلها البنيوية و"رجالها الأقوياء" الذين تصدوا بحزم لأحلام جيل كامل رغب في التحرر قبل عقد كامل، وقوبل بالعنف والرصاص وخطاب التخوين.

  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها