آخر تحديث:15:25(بيروت)
الأربعاء 17/06/2020
share

بعد "فلويد الفرنسي".. الشرطة في مأزق جديد: تعنيف ممرضة!

حسن مراد | الأربعاء 17/06/2020
شارك المقال :
بعد "فلويد الفرنسي".. الشرطة في مأزق جديد: تعنيف ممرضة!
تداعت الكوادر الطبية في فرنسا للتظاهر في أنحاء البلاد، الثلاثاء، بهدف الضغط على الحكومة وتذكيرها بالتعهدات التي قطعتها لهم خصوصاً لناحية رفع أجورهم.
في باريس وعلى هامش التظاهرة التي شهدت أعمال عنف، التقطت العدسات مقطعًا مصورًا لعناصر من الشرطة وهم يقيدون بعنف إحدى الممرضات. مواقع التواصل الاجتماعي ضجت به، لكن إذا تعمقنا في مضمونه وتوقيته نجد أنه يحمل خصوصية ودلالات تتعدى توثيقه عنف الشرطة.
 

فعند تكبيلها، صرخت الممرضة طالبة "بخاخ الربو". صراخٌ لم يردع أفراد الشرطة عن اقتيادها من دون مراعاة حالتها الصحية. بالتوازي، حاول العناصر إخلاء المكان: حينًا عبر مطالبة المصورين بالابتعاد، وحيناً آخر من خلال تكوين جدار بشري لحجب عملية التوقيف وما صاحبها من عنف.

كان واضحاً تواجد الصحافيين في المحيط، خصوصاً بعدما رد أحدهم على شرطي بالقول "نحن نقوم بعملنا". محاولة عناصر الشرطة منع التصوير تشير إلى إدراكهم المسبق للأثر الذي ستتركه هذه الفيديوهات لدى الرأي العام الفرنسي إذا ما انتشرت في الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يخطئوا بتكهنهم هذا. 

ابنة الممرضة كشفت في تغريدة أن والدتها المصابة بالربو عملت يوميا طوال الأشهر الثلاث الماضية من 12 إلى 14 ساعة ما أدى لإصابتها بالكورونا. وكثرت التغريدات المتضامنة مع الممرضة التي تدعى فريدة، بين دعوات للثورة على الحكومة، ومن طالب أفراد الشرطة بمراجعة تصرفاتهم، فلعلها انقذت حياة أحد أفراد عائلتهم

آخرون نشروا فيديوهات تظهر ما جرى لاحقاً، حيث عمدت عناصر الشرطة إلى تكميم فمها بالقوة لمنعها من التواصل مع المصورين. وتداول مغردون وشخصيات سياسية بهاشتاغ "حرروا فريدة" (#LibérezFarida) إلى جانب تنظيم وقفة احتجاجية على مقربة من مركز اعتقالها.


إلا أن الشرطة الفرنسية لم تقف مكتوفة الأيدي بل بادرت إلى نشر مقطع مصور، التقطته في وقت سابق محطة BFM، تظهر فيه الممرضة المذكورة وهي ترشق بالحجارة. إحدى نقابات الشرطة نشرت الفيديو في حسابها في "تويتر" كما لم تتردد في الرد مباشرة على عدد من الصحافيين، طالبة منهم التحلي بالموضوعية في نقلهم للأحداث.  

الغاية بدت واضحة: تبرير طريقة توقيفها بتهمة استخدام العنف ضد أشخاص ذوي صفة عامة، ما تسبب في انقسام المغردين بين مؤيد ومعارض.   

لكن العنف الذي تعرضت له الممرضة لا يفسر وحده الانتشار الواسع للمقطع المصور، فمهنة فريدة كانت سبباً كافياً للتعاطف والتضامن معها. 

في الواقع، سلطت جائحة كورونا الضوء على "الغبن" اللاحق بالعاملين في القطاع الصحي: فرواتبهم لا تتناسب لا مع الجهد المبذول ولا مع الخطر الذي يواجهونه. ولم يتوان الشارع الفرنسي عن الاعراب عن امتنانه للكوادر الطبية طوال فترة الحجر الصحي عبر الخروج إلى الشرفات للتصفيق لهم. من جهتها، شددت الصحافة الفرنسية على مناقبية الكادر الطبي لا سيما أن المعدات اللازمة لوقايتهم من الاصابة بالفيروس لم تتوافر بالكمية المطلوبة. 


أمام ضغط الرأي العام، أطلقت الحكومة ورشة لبحث سبل تحسين أوضاع العاملين في هذا القطاع. وأتت الدعوة إلى التظاهر يوم البارحة كنوع من الضغط الاستباقي حتى لا تتراخى الحكومة أو تحاول دفع النقابات إلى خفض سقف مطالبها. وعليه، شكل هذا الفيديو صدمة في الشارع الفرنسي ليتساءل البعض ما إذا كانت الحكومة تنوي رد الجميل للكوادر الطبية على هذا النحو. 

وبعيداً من الكورونا، هناك عامل آخر دفع بالمقطع المصور إلى واجهة الأحداث: ففي خضم التعاطف العالمي مع قضية جورج فلويد، عاد ملف وفاة أداما تراوريه ليتصدر المشهد الإعلامي. 

هذا الشاب، أسود البشرة، أوقفته عناصر من الشرطة الفرنسية في تموز 2016، وحين حاول الهرب منهم عمدوا إلى طرحه أرضاً وتكبيله بالقوة واقتياده إلى مركز التوقيف، لكن تدهور وضعه الصحي أدى إلى وفاته. 

في 29 ايار الفائت تلقى القضاة تقريراً يفيد بأن الوفاة سببها مضاعفات في عمل القلب وليس الاختناق ما يبرئ عناصر الشرطة. لكن العائلة عمدت إلى تقديم تقرير مضاد في 3 حزيران يؤكد أن سبب الوفاة هو الاختناق بفعل تثبيت تراوريه على صدره خلال عملية التوقيف. 

وعليه، انتشر مقطع توقيف الممرضة في وقت تعرف فيه البلاد جدلاً حاداً حول إساءة الشرطة الفرنسية استخدام نفوذها. كما أن للمقطع رمزية كبيرة إذ طالبت فريدة بالحصول على "بخاخ ربو" ما يعني إمكانية اصابتها بنوبة اختناق في حال عدم مراعاة ظرفها الصحي، ما يذكر بقضيتي فلويد وتراوريه. 
ليس مبالغة القول أن الحكومة الفرنسية تعبر في الوقت الراهن حقل ألغام: فالتقارير الأمنية، كما النقابات ورؤساء البلديات، تكاد تجمع على انفجار اجتماعي قريب. بعد السترات الصفر وإضراب النقابات على خلفية قانون التقاعد، أتت الكورونا لتُعمّق الشرخ بين الحكومة الفرنسية والشارع. وعليه بات يُنظر لمثل هذه الممارسات كأداة للقمع وليس لحفظ النظام.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها