آخر تحديث:19:24(بيروت)
الإثنين 15/06/2020
share

الجنوب اللبناني: استبداد الثقافة الواحدة

يارا نحلة | الإثنين 15/06/2020
شارك المقال :
الجنوب اللبناني: استبداد الثقافة الواحدة إقصاء النساء من المجال العام.. لا يظهر منهن إلى ما يُؤذَن به (غيتي)

"هذه ليست ثقافتنا" هو عنوان النقاش الدائر في الآونة الأخيرة، بين الجنوبيين، وعلى وجه التحديد بين دعاة الأحادية الثقافية من جهة، والمشكّكين في أصالة هذه الثقافة وصحتها التاريخية من جهة أخرى. وفيما يخمد هذا النقاش بين حين وآخر، لا يلبث أن يشتعل من جديدة مع كل ظاهرة قمع إجتماعي جديدة: إغلاق -أو تهديد بإغلاق- محال كحول بالقوة، منع إقامة حفلات وأمسيات شعرية، شنّ حروب الكترونية على من يكثر الإعتراض، إقصاء النساء من المجال العام، وفرض قيود صارمة على تواجدهن فيه، مثلما قامت القيامة ولم تقعد على سيدة ارتدت المايوه في قرية جنوبية.

يستغرب البعض، اليوم، ما آل إليه حال الجنوب لجهة قمع الحريات الفردية وفرض الثقافة الأحادية، وإن إستدعى ذلك تحريف التاريخ بما يشرعن الهيمنة الثقافية لدعاة ولاية الفقيه. لكن الأمر ليس بواقعٍ جديد ومفاجئ، كما يحلو للبعض التعامل معه. إنه حالة نتعايش معها منذ زمن طويل، هو الزمن الذي سمحنا خلاله، نحن أهل الجنوب، لـ"حزب الله" بأن يبسط سلطته التامة، ليس فقط على قرارنا السياسي وإنما أيضاً على أسلوب حياتنا.

صادر حزب الله أسلوب حياتنا العضوي، شيئاً فشيئاً، وعلى مرأى من الجميع، لكن من دون أي مقاومةٍ تذكر. إستبدله بأسلوب حياة إسلامي مستورد، كان هو الآخر ما زال مستجدّاً حينها، مقدّماً إياه على أنه تحوّل ثقافي طبيعي لمجتمعنا الذي كان آنذاك يخوض تجربة شيوعية علمانية. طرح "حزب الله" نفسه كحركة عضوية خارجة من رحم المجتمع الشيعي "المحافظ"، وفق روايته. هو ليس فقط حاضره، بل ماضيه ومستقبله أيضاً. وهو بالتالي يتمتّع بشرعية، بل بحصرية تمثيل هذا المجتمع، سياسياً وعسكرياً وثقافياً. تماشى أهل الجنوب مع هذه الفرضية الكاذبة، وعدّلوا هويتهم تباعاً.

أتساءل اليوم كيف إرتضى أهالينا، لا سيما أولئك الذين حافظوا على مسافتهم وحذرهم من هذا الحزب، التنازل عن حقهم ومسؤوليتهم في إنتاج ثقافة طائفتهم؟ لماذا قبلوا بتسليم سيادتهم الثقافية للحزب الإسلامي، وغضوا النظر عن الجانب المتعلّق بهويته الإيرانية؟ ولماذا هم، وأنتم، ونحن جميعاً متفاجئون اليوم؟

لا شكّ في أن الأصوات المعارضة داخل المجتمع الشيعي كثيرة، وهي لا تنفكّ تتزايد مع تزايد ممارساته القمعية، إلا أن هذه الأصوات التي رفضت الإذعان لهيمنته، لم تجرؤ فعلاً على مواجهة غزوه للحياة الثقافية، بل وقفت على الهامش تراقب محاصرته التدريجية للحريات الفردية. وقد وصل الأمر بهذه الجماعات، المنفصلة عن الحزب، إلى التطبيع مع الدستور الإجتماعي الجديد، فقبلوا مثلاً تعديل لباسهم بما يتناسب مع أحكام الثقافة الواحدة، أو أنهم إمتنعوا عن شرب الكحول في العلن إحتراماً للحساسية الدينية. وبشكلٍ تدريجي، تحوّلت هذه "المسايرة" الثقافية إلى حالة خضوع تام، أعطى "حزب الله" الحقّ في الإستئثار بالهوية الثقافية.

أسّس هذا المنطق، للرقابة الذاتية، والتي أضحينا نمارسها من دون أن يحتاج الحزب لفرضها مباشرةً. فلا ضرورة لأن يبرز "الحاج" عضلاته كي ينهينا عن فعلٍ أمرٍ ما، بل يكفي أن يقطّب حاجبيه، تلك التي تتوسطها طبعة سوداء، هي طبعة حجر الصلاة ورمز الخشوع والوقار. يكفي أن يعبس في وجه امرأة يعثر في هيئتها على ما يثير إعتراضه، يرميها بنظرة إشمئزاز لا تخلو من التهديد المبطن، ويشقّ طريقه عبر هذا التنمّر الصامت إلى الإستيلاء على الفضاء العام وإقصاء كل آخر منه.

يبرّر الجيل الأكبر عجزه وسلبيته إزاء هذه الممارسات، متذرعاً بخصوصية البيئة الإجتماعية المحافظة وضرورة الإمتثال لعاداتها وتقاليدها. إلا أن "حزب الله" تجاوز مرحلة المحافظة بأشواط، ودخل ميدان التطرّف، حتى أضحى أي خرق علني لأعرافه الإجتماعية، مهما كان صغيراً، كشُرب البيرة أو أخذ الكلب في نزهة، في مقام جرم يعاقب عليه بأحكامٍ تستمدّ شرعيتها من دماء الشهداء مباشرةً. وغالباً ما تستخدم ورقة "دماء الشهداء" في أدبيات التوبيخ الأخلاقي الممارس من قبل "حزب الله"، وذلك بطريقةٍ إبتزازية تسعى إلى تقويض حرية أهل الجنوب وإخفاء أصواتهم بحجة حماية الأرض.

في هذه العلاقة الإبتزازية يكمن سبب تغاضي المجتمع الشيعي المعارض عن هيمنة "حزب الله". فهو قايض الاحتلال العسكري بآخر ثقافي، وإرتضى التخلّي عن تفاصيل حياتية لقاء الإحتفاظ بالأرض. لكن أي إحتفاظ هذا الذي لا يخوّل إبن الجنوب إستثمار هذه الأرض إلا إن دفع خوّة الـ51%؟ هو غير قادر حتى على الإستمتاع بطبيعتها والسباحة في أنهرها، ذلك أن المايوه أكثر خدشاً للحياء من التلوث القاتل. وابن الجنوب، اليوم، غير قادر حتى على إنارة شوارع منطقته، فالمطالبة بإنارتها كفيلة بزجّه تحت أقدامهم فائضة قوةً. وعلاوةً على ذلك، هو غير قادر على تحريرها من العملاء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها