آخر تحديث:15:28(بيروت)
الإثنين 04/05/2020
share

تزايد المعنَّفات في الحجر..كيف تحولت السوشال ميديا طوق نجاة؟

يارا نحلة | الإثنين 04/05/2020
شارك المقال :
تزايد المعنَّفات في الحجر..كيف تحولت السوشال ميديا طوق نجاة؟ شكاوى التحرش والابتزاز الجنسي ازدادت بنسبة 184%.. والعنف المنزلي إرتفع 100% (غيتي)
لم يكن العالم، قبل جائحة كورونا، مثالياً بالنسبة للنساء، بكل ما يمثله من إحتمالات عنف وقمع. لكن يمكن الجزم بأن حلقة العنف هذه قد إشتدّت وأحكمت قبضتها على أجساد النساء المحاصرت في المنازل مع معنفيهن، بموازاة ارتفاع نسبة جرائم الابتزاز والتحرش الجنسي مقارنة بالفترة ما قبل مرحلة التعبئة العامة في لبنان، ويُستدل عليها من بيانات قوى الأمن الداخلي بأن شكاوى الابتزاز والتحرش الجنسي ازدادت 184%. 

#خليك_بالبيت هو الشعار الأكثر تواتراً، اليوم، في سياق حملات التوعية التي تحثّ الناس على الإلتزام بمعايير السلامة العامة والأمان، من دون الإلتفات إلى حقيقة أن البيت هو أبعد ما يكون عن الأمان بالنسبة للكثيرات. فماذا عن النساء العالقات في بيوت فاقدة للأمان؟

تشير أرقام قوى الأمن الداخلي إلى إرتفاع وتيرة العنف الأسري في لبنان بنسبة 100% وذلك خلال شهر آذار/مارس الماضي من الحجر الصحي، بحسب تقرير نشرته "المفكرة القانونية". وإلى جانب الخطّ الساخن لقوى الأمن والمنظمات الحقوقية، تقف وسائل التواصل الإجتماعي شاهداً حياً على ما تتعرّض له النساء في "حرمة" بيوتهن من عنفٍ وإضطهاد. 

فمع تحوّل بيوتهن إلى شبه أقفاص وإنعدام آليات الحماية التي يمكنهن اللجوء إليها، ليس أمام النساء سوى حساباتهن الإلكترونية للإستغاثة عبرها بأصدقائهن الإفتراضيين. أما الفئة الأكثر تهميشاً وعرضةً لحوادث العنف، فهي فئة العاملات المنزليات الأجنبيات، اللواتي لا يملكن منظومة دعم مجتمعية تقيهن شرّ الإستعباد الذي يمارسه بعض أرباب العمل ويغطيه نظام الكفالة.

شبكة الأمان المفقودة هذه تستعيض عنها العاملات المنزليات باللجوء إلى الشبكة العنكبوتية علّها توصل صوتها المكتوم. فقد إنتشر، قبل ايام قليلة، فيديو في إنستغرام لعاملة منزلية ظهرت بفمٍ مدمى وهي تبكي وتستنجد بالقول "إنظروا كيف ضربوني؟ ساعدني يا الله! لا أستطيع التحمّل أكثر من ذلك". وقد تداولت الفيديو بعض الصفحات على السوشيال ميديا ما أدّى إلى إنقاذها، وفق صفحة Political Pen في إنستغرام.  

في الوقت نفسه، تستخدم السوشيال ميديا بطرق مريبة تفضح تعامل بعض اللبنانيين مع عاملات المنازل على أنهن سلع تباع وتشترى. فقد قام مواطن لبناني بعرض عاملة منزلية للبيع بـ"1000$" على صفحة فايسبوكية. وقد عمد إلى نشر صورة لجواز سفرها مرفقة بمؤهلاتها "نشيطة ونظيفة جداً"، فإنهالت عليه التعليقات الساخطة والمحتجة حتى إنتهى الأمر بتوقيفه. 

وتتواتر، منذ بدء أزمة كورونا مصاحبةً بالأزمة الإقتصادية، المقالات والتقارير الصادرة عن الصحافة والمنظمات العالمية والتي تحذّر من تدهور وضع العاملات المنزليات في لبنان من الناحية الإقتصادية ومن ناحية الأمن الشخصي. وقد دعت منظمة العفو الدولية، خلال الشهر الماضي، لبنان إلى "حماية عاملات المنازل المهاجرات خلال تفشي وباء كورونا".

وجاءت هذه الدعوة بعد تكرّر حوادث العنف التي يتمّ توثيقها وعرضها للعالم أجمع عبر مواقع التواصل الإجتماعي. فقد ظهر فيديو منذ حوالي أسبوع لعاملة أثيوبية تحاول شنق نفسها على شرفة المنزل الذي تعمل فيه، وقد قيل أنه في بلدة العباسية الجنوبية. ويسمع في الفيديو، الذي يبدو أنه إلتقط من قبل أحد الجيران، تعليقات الأسرة التي تشغّلها، إذ يقول أحد أفرادها ساخراً "مش هيك بينتحروا، انزلي تعلمك" فيما تردّ إمرأة "بدك تموتي؟ موتي!" 

وخلال شهر آذار نفسه، وُجدت فوستينا (23) التي تحمل الجنسية الغانية جثة هامدة في موقف سيارات تحت منزل مشغّلها. وقد خلُص التحقيق الأولي إلى أن سبب الوفاة كان إنتحاراً، وهذا بالرغم من توافر أدلّة على تعرّضها للعنف، وهي عبارة عن عشرات الرسائل الصوتية التي أرسلتها فوستينا، إلى مجموعة "This is Lebanon" الناشطة في الدفاع عن حقوق العاملات الأجنبيات في لبنان، بهدف طلب المساعدة وتخليصها من أصحاب العمل الذين يعتدون عليها جسدياً وجنسياً. كما إنتشرت صور لها في "تويتر" مع هاشتاغ فوستينا_طي وألغوا نظام الكفالة.

وقد لاقت هذه الحملة إهتماماً واسعاً من وسائل الإعلام العالمية، خصوصاً قناة "الجزيرة" التي غطتها بوفرة، كما ظهرت العارضة العالمية ناعومي كامبل في مقابلة ذكرت فيها قضية فوستينا ودعت النساء الأفرقيات إلى عدم المجيء إلى لبنان حيث سيتمّ "إحتجازهن كالعبيد". وعلى أثر هذه الضغوط الإعلامية إضطرت الدولة اللبنانية إلى إعادة فتح التحقيق.  

هاوا تاراوالي، عاملة منزلية من سيراليون، إستغاثت هي الأخرى بمنصة "هذا لبنان" لتخليصها من عنف وتحرّش أصحاب العمل، قبل أن تختفي في شباط/فبراير الماضي، من دون أن يعرف عنها شيئاً أي من أفراد أسرتها أو أصدقائها. وقد نشرت المنصة مقالاً تحت عنوان "هل هاوا حية أم ميتة؟" مطالبةً فيه صاحب العمل (محمد نورالدين) بالكشف عن مصير هاوا، التي أشارت في رسائلها إلى "هذا لبنان" بأنها تتعرّض للإغتصاب من قبل شقيق صاحبة العمل حتى خلال معاناتها من مشاكل صحية وخضوعها لعملية جراحية، هذا بالإضافة إلى منعها من الإتصال بأسرتها وإرسال المال إليها، ما يشير إلى إمتناع صاحب العمل عن دفع مستحقاتها وإجبارها على العمل بالسخرة.

عنف زوجي 
لكن العاملات الأجنبيات، وإن كن الأكثر تهميشاً، فهن لسنا الضحايا الوحيدات للعنف في ظلّ الأوضاع الحالية. فقد تداول رواد مواقع التواصل الإجتماعي، منذ بضعة أيام، مقاطع فيديو "لايف" لشابة لبّت نداء صديقة عبر فايسبوك لإنقاذها من زوجها (اللبناني) الذي يعتدي عليها بالضرب. وعندما إتجهت الشابة إلى منزل صديقتها، منعها الزوج من الدخول وإعتدى عليها هي الأخرى بالضرب، كما إستعان بشبان آخرين ينتمون إلى أحزاب سياسية نافذة في المنطقة (الضاحية) للتهجم على الفتاة. وقد تمّ توثيق كل ذلك عبر بثٍ مباشر في "فايسبوك"، إذ حرصت الشابة على تصوير الحادثة بكاملها "لايف" وذلك في محاولةٍ لحماية نفسها وإبقاء أصدقائها على إطلاع بما يحدث معها.  

لم تستطع الشابة فعلياً إنقاذ صديقتها التي عادت ونشرت تكذيباً في "فايسبوك" لما كتبته سابقاً، متذرعةً بأن هاتفها كان مسروقاً، وعند وصول القوى الأمنية إستجابةً لشكوى صديقتها، إدّعت الأولى بأن شيئاً لم يحصل. غير أن صديقاتها يرجّحن تراجعها عن قصتها الأولى تحت الضغط والتهديد. كذلك فشلت رسائل فوستينا ومناشداتها، فداهمها الموت قبل وصول المساعدة. 

إلا أن ما تكشفه هذه الحوادث هو تحوّل السوشال ميديا إلى أداة حماية للنساء ضحايا العنف ووسلية للإستغاثة بالمجتمع الإفتراضي لمواجهة قسوة المجتمع الواقعي ومحاسبة الجناة، في ظلّ غياب أي آليات قانونية للمساءلة والعقاب. وهي حتى الآن قد نجحت في لفت أنظار العالم إلى ما تتعرّض إليه النساء عموماً والعاملات الأجنبيات خصوصاً في لبنان، حتى أضحى موضوع "الكفالة" وما يتأتّى عنه من عنف، قضية عالمية ستضطر الدولة اللبنانية إلى معالجتها عاجلاً أم آجلاً. أما في ما يخص قضية العنف الأسري، فلا يبدو أن هناك أي بوادر حلّ لهذه الأزمة المتعاظمة على صعيد العالم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها