آخر تحديث:19:26(بيروت)
السبت 30/05/2020
share

التهريب السوري-اللبناني.. منذ قُبلات "مونيكا" و"خوان الغول"

عدنان نعوف | السبت 30/05/2020
شارك المقال :
التهريب السوري-اللبناني.. منذ قُبلات "مونيكا" و"خوان الغول"
اليوم عيدٌ من نَوعٍ خاص، انتَظرَهُ كثرٌ من مراهقي مدينتي السوريّة. اليوم يتزوَّج "خوان الغول" من "مونيكا"، ليكون عيداً للَّحَظات الحميمة والقُبُلات "المُهرّبة" عبْرَ هوائيات (انتيلات) فارعة الطول تلتقط البث التلفزيوني اللبناني.
فضلاً عن الـ375 كلم التي تُشكّل طول الحدود اللبنانية- السورية، وَجَبَ في فترة التسعينات من القرن الماضي، إضافةُ مئات وربما آلاف الأمتار، هي مجموع أطوال الأنابيب المعدنية المنصوبة فوق أسطُح منازل السوريين، والحاملة لهوائيات و"مقوّيات إشارة" تستقبل ما "تُهرِّبهُ" قنوات تلفزيونية إلى المُخيّلة من "بضائع" مميّزة قادمة من لبنان. 

مسلسلات مكسيكية جريئة (بمقاييس عصر ما قبل السوشال ميديا والفضائيات)، برامج مسابقات، مباريات حماسيّة من مختلف الألعاب (NBA، فورمولا1..) وصَوْتُ مُذيعٍ يُكرّر المعلومة، ويفاجئنا بها للمرة المئة: "على فكرة ..اللاعب كاموكاي كالون المحترف في فريق "التضامن صور" هو شقيق لاعب انترميلان الإيطالي "محمد كالون"!.

كنتُ أسمَعُ وأشاهد، فتَمُوجُ أفكاري بالخيالات والأفكار الخارقة للاعتياد:

- "لسا ناقص جيب بوط رياضة ماركة؛ مهرَّب من لبنان". 

في حال توفُّرِ المال، لم يكن هناك مشكلة في رغبةٍ كهذه، سوى أنها تنزلقُ نحو "متعة الكماليات" التي عَلّمَنَا القائد "المُفدَّى إلى حَدِّ الانتحار الجماعي" حافظ الأسد، أن ننبُذَها. ومن دون أن يقول شيئاً أو يُقيمَ مهرجاناً، كان يمكن سماع صوت امتعاضاته غير المنطوقة:

- "لك أنا ربيتكم لتاكلو وتشربو وبس...وصلتْ فيكم الرفاهية تفكرو بعلاقات عاطفية مكسيكية وأحذية رياضية أجنبية؟!"
كسوريّين (دوناً عن بقية شعوب الأرض)، فإن اتهامهم بـ"الرفاهية" وفهْمَ معانيها، كان وسيَبقى تَجنّياً غير مُثبَت. لذا فقد كان الأقرب للواقع هو الحديث عن "استثمار الظرف". فُروقُ الأسعار والإعفاء من الجمركة، وعوامل أخرى جعلت الكثير من السّلع تتدفق إلى سوريا من لبنان، خلال فترة حصار الثمانينات وفي الأعوام التي تلتها. ولم يَكُن الضُبّاط والعسكر هم وحدهم من يُهرّبون هذه البضائع مُستفيدين من هيمنة احتلالية وتَسيّب ممنهج. مسافرون وسائقون عاديّون أيضاً اعتادوا نقل ما يريدون -عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية- لغايات تجارية أو للاقتناء الشخصي.

هكذا اختفتْ حكايات لبنانيين تعرّضوا للبلطجة خَلْفَ لَمعان كؤوس زجاجية مُهرّبة أوروبية المنشأ اقتناها سوريون في تلك المرحلة. ومع ذلك، فإنّ التوقف لإدانةِ ما وراء الزجاج والثياب والقطع الكهربائية سيبدو ثانوياً أمام الصورة الأشمل. فالفَلَتان والاستباحة ممهوران بخَتْم "الأُخُوُّة" من قِبَل كارتيلات المال ومافيات السياسة التي تُرسِل وتستقبل "الأسوأ". ولو بحثنا عن "بضاعة أساسية" تتنقّل بالاتجاهين، فسنجدها في الكبتاغون والكوكايين والأسلحة والمجاهدين، والمتفجّرات المُعَدّة لتنفيذ العمليات "الإرهابية". 

بهذا المعنى، تناوَبَ "المستفيدون" من الجانبين على تصدير الأذى إلى السوريين واللبنانيين، حتى باتَ واضحاً أنَّ أشكال الموت - السريع منه والبطيء - ستبقى تخيّم فوق هذه البقعة الشرق أوسطية، طالما أن نِظَامَي البلَدين لا يزالان يَحتفِظَان بمفاتيح السُلطة ليفتحا بها الأبواب والمعابر الواسعة والضيقة؛ الأرضيّة والبحرية والجوية. 

لكن، إلى أين نمضي والأفقُ الحالي يزداد انغلاقاً؟ ها هو الدولار يتَحوّلُ إلى طائر مهاجر يَعبُر فوق البلاد مستعجِلاً، أو يَحطُّ لأيّامٍ في أحسن الأحوال!. 

لا شكّ أنّ "مسلسل التهريب" سَيَطول، وسنشاهد حلقات جديدة منه (ليس آخرها حلقة "الطحين والمازوت المدعوم"). وهذه المرة دون حدٍّ أدنى من الترفيه، بل بالكثير من المأساة التي ستعبَثُ بالخطوط الحُمْر، وَتُوَزِّع أرباح "تجارة المعابر" في شبكات انتفاعية أضيق، وحواضن شعبيّة أصغر، تصنعُ من الفقْرِ طبقاتٍ تأكلُ بعضَها.

وبالنسبة للحلقة الأخيرة من هذا المسلسل، فالأكيد أننا لن نُشاهِدَها قبل إحداث تغييرات سياسيّة في سوريا ولبنان. وحتى ذلك الحين، لن يكون هناك متّسعٌ كبير للحاجات النفسيّة والعاطفية عند شَعبَي البلدَين المَسكونينَ بشبح "الأساسيات" (كأنّي أرى الأسد الأب في ضريحه سعيداً بتحويل الجميع إلى جماهير "كادحة"!).  بالنتيجة سوف يَشغَلُ الرَغيفُ الناسَ عن لحظات حميمة واقعيّة أو مُستَعادة كصُوَر وذكريات؛ عابرة فوق الغيوم وموجات التشويش، أو واصلة عبر رسائل الواتساب وموقع يوتيوب وفايسبوك.
وسواءٌ بَقيَ "خوان الغول" مع "مونيكا" لاحقاً، أو هَجَرَها وأحَبَّ شقيقتها، وسواءٌ اعتزل كاموكاي كالون اللعب، أو عادَ مُدرّباً لفريق "النجمة" أو "الأنصار"، فإنّ أحداً لن يكترث، فالكلُّ مَشغولٌ باليوم التالي، وبرِياضة تجاوُزِ الموانع المعيشية، والتي تجعل رياضيّيها بمرور الزمن حُفاةً يَحلُمُون ببوط بلا ماركة، لِيُصبِحَ العيد الفعلي هو "عيد الشعور بالأمان".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها