آخر تحديث:18:33(بيروت)
الثلاثاء 26/05/2020
share

زيارة إلى أمل كعوش..وفنون التعبير عن إحباطنا بحواضر البيت

زكي محفوض | الثلاثاء 26/05/2020
شارك المقال :
زيارة إلى أمل كعوش..وفنون التعبير عن إحباطنا بحواضر البيت
في حالة إحباط شمولي كهذه التي يعيشها كوكبنا، قد تنتابنا نزعة إلى قتل الفضول بتتفيه كل شيء: موسيقى، كتب، نكات، أفلام، أفكار سابقة، أخبار. فيغلبنا انطباع، مثلاً، ونحن نقلّب محتويات الفضاء الرقمي، بأن كل صفحات "فايسبوك" متشابهة: مستطيلات تحمل منشورات مكتوبة ومرئية وتعليقات. يكرّها المتابع، على غير هدى، حتى يقع على منشور يثير اهتمامه. إلاّ أن بعضها يختلف عن بعضها الآخر، في قدرتها على استيقاف المتابع عند مستطيلاتها، حتى ولو كانت نفسيته في القعر.

وصفحة أمل كعوش الشخصية، كاتبة الأغنيات، المغنّية والرسّامة التي تعيش في لبنان ولديها مَلَكَة التكلّم من بطنها، كما تعرّف عن نفسها، هي من تلك الصفحات الفايسبوكية التي تستوقف المتابع عند كل مستطيل. فالصبية السمراء، كما مثيلاتها وأمثالها المتّقدين بالحياة تحت رماد الملل والخوف من المستقبل المجهول، تمرّدت على نفسها أولاً وعلى حصارنا المدمّر، وراحت تبثّ علينا نتاجات نفسها المتجدّدة وحبّها للحياة، ومعنى اسمها الوحيد: أمل. وقد غنّته مع صديقتها الدمية "كستناءْ": "وكل دمعة على الخدين كانت بتسيل / مليانة أمل انّحنا نبقى موجودين"، من أغنية "كلمة حلوة كلمتين" لداليدا.


وفي مقابل الفيديو المؤثّر جداً، الذي سالت فيه دموع "كستناء" (تصميم مريم سمعان)، وفقدت فيه أعصابها من وطأة الحَجْر، تطالعنا أمل بكاريكاتير لدجاجة ترتدي كّمامة وتقول لصُوصها الذي يحاول التفقّس: "خليك بالبيض"، جامعةً الفرح والترح في كل ما تفعله على مواقع تواصلها مع العالم الخارجي. علماً أن حساب كعوش الرسمي غير حسابها الشخصي. ففي الأول، تفصل "أمل المكويّة"، كما وصفت نفسها، عن أمل المنكوشة في الثاني، حيث انطلقت على سجيتها و"تفجّرت طاقاتي"، بعد وقت من الخوف من نهاية العالم، سعياً منها إلى خلق الجو النفسي الذي يساعدها مع الآخرين على النهوض.

وقالت كعوش في حديث مع "المدن": "كانت حالتي النفسية سيئة جداً وأنا أرى العالم كله ينهار أمامي. لكني تعودتُ تحويل أي هبوط في معنوياتي إلى أغنية. وبالفعل، ألّفت أمل كلمات أغنية: العالم سينتهي سننتهي جميعاً يا رفاقي فالوداع" على لحن شارة مسلسل الرسوم المتحرّكة "عدنان ولينا".

وكان أداؤها الصوتي مسرحياً، كما في "ميوزيكال"، وطفولياً لم يعهده جمهور "أمل المكوية" من قبل. لكنها قالت أن هذه الأغنية كانت بمثابة "فشّة خلق"، بعدما قررت الخروج عن صورتها المعهودة. وتجلّى قرارها بأغنية لغسل اليدين، في مناسبة سيادة كوفيد-19 على الكوكب ولزوم التعقيم لمجابهته. فأدّت الأغنية رقصاً قعوداً، منكوشة الشعر بثياب بيتية مريحة، في شكل لم تكن تطلّ به في العلن، هي الفلسطينية التي عرفها كثر وهي تغنّي الأغاني الوطنية والشعبية بشعرها الأسود وأزيائها المطرّزة المشغولة التي تعبّر عن هويتها.


وأغلقت أمل صفحتها الشخصية مع بداية ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر لستة أشهر، بحثاً عن ذاتها. ثم "نجّاني فايسبوك الذي لبّى حاجتي إلى التلاقي مع الناس، كامرأة عادية. فأنا لم أعد أريد أن يتم تقييمي كفلسطينية ملتزمة تؤدي الأناشيد الوطنية، بل كفنانة يقدّر الناس قيمة ما أفعله غير الشِّعر والكليشيهات".

ومن ضيوف أمل في صفحتها، وهي التي لديها ذائقة رفيعة في الاختيار، عامر حليحل الذي أرسل "رسالة إلى شكسبير"، يسأله فيها "كيف على الفنان أن يتصرّف أثناء الجوائح؟" وينطلق السؤال من أن الكاتب المسرحي الشهير، خلال الحجر سنة 1606، أنجز ثلاثة من أهم أعماله هي "أنتوني وكليوباترا" و"ماكبث" و"الملك لير". ولم يذكر الطاعون، سبب حجره، ولا مرة، ما خلا في سطرين في مسرحية "ماكبث". فكيف استطاع أن ينفصل عن واقعه، فيما العالم كله منشغل حالياً بالتفاعل مع تأثيرات كوفيد-19؟

من جهتها، عقدت أمل عزمها، وبكل ما لديها من مهارات وأدوات وحواضر البيت، على "التعبير عن الإحباط الذي نعيشه". ومن جهة أخرى، قررت أيضاً الانفصال عن واقعها التي كانت تعيش فيه حالة من الاغتراب. وقالت: "عشتُ بطريقة كانت تأخذني دائماً إلى القرار الأكثر أماناً. أبي، وهو أيضاً شاعر، كان يعمل في مجال الصحة العامة ويحب الطب. وكان يخيّرني بين شاعر تذهب قصائده هباءً وطبيب يكتشف بكتيريا".

وهكذا، درست أمل البيولوجيا مدة 4 سنوات، بقي الفنّ خلالها خيارها الأحب وبقي يدعوها للانضمام إليه. لكنها قبلت بوظيفة بدلاً من أن تحصل على منحة فنية، فقد "كنت أريد أن أستقر مادياً ونفسياً. ورغم ذلك لم أكن منسجمة مع نفسي. وخضت صراع هوية. وحاولتُ أن أستقيل، لكني لم أفلح في ذلك". كما انخرطت في ورشات فنّية. ولمّا حان الوقت لفكفكة قيودها الجسدية، اشتركت في ورشة تعبير مسرحي مع عائدة صبرا، وأخرى للتدريب على الصوت مع أسامة عبد الفتاح، فأصبحت أكثر تمكّناً من صوتها وأدائها. ومع كل ورشة، "كان قيد ما يتحطّم في داخلي".

وفي آذار/مارس 2019، خسرت وظيفتها، فيما بدا أن القدر هو ما دفعها إلى الارتماء كلياً في أحضان الفن، ولو متأخّرةً. وتحرّرت من اغترابها في "عمل لستُ مقتنعة به". وراحت تبني علاقة مع نفسها، تخضع فيها لما تمليه عليها طاقة جسمها. وأخيراً، حذت حذو شكسبير حين عزلت نفسها 6 أشهر، قبل كورونا، منقطعة تماماً عن "فايسبوك"، أمضتها في القراءة والاطّلاع، فباتت محصّنة ضد الإحباطات، جاهزة "لإشهار ما بداخلي، بعدما وعيت قدراتي".

ولعلّها بذلك تكون استعادت شجاعة وجرأة تلك الطفلة كبرى اخوتها، الشقيّة أمل، التي وُلدت في صيدا ونشأت في مخيّم عين الحلوة، حيث ترشق الحجارة وتتسلّق الشجر، قبل أن ترحل العائلة عنه بسبب القصف. ثم سكنت في شقة صغيرة، أشبه بـ"علبة. تقيّدتْ فيها حركتي ومعها قدرتي على التعبير،" وهو ما أفضى إلى أمل المكويّة المنضبطة.

تلك الجرأة المستعادة، أوصلت كعوش إلى فيديو "نصحانة 5 كيلو" ونسختيه الإضافيتين: الأولى بمرافقة عازف البزق السوري المقيم في تركيا، محمد نوري. والثانية مع تخت شرقي نفّذ آلاته الصديق المقيم في الولايات المتحدة، هاني الدهشان. وشاع الفيديو كثيراً وولّد سجالاً بين من هم ضد أمل المنكوشة ومن معها، ولم "أكن أتوقّع أن أكون بهذه الجرأة".

View this post on Instagram

English below خمسة كيلو كلمات، ألحان وغناء أمل كعوش توزيع موسيقي، عزف وكورال هاني الدهشان تصوير ومونتاج هاني الدهشان الكلمات نصحانة خمسة كيلو! هذا شيء مش قليل إني أنصح خمسة كيلو يا حبيبي نصحانة وشو منصّحني، بنطلوني ما مريّحني ليه عم بنصح؟ شو عرّفني، شوي غريبة! أنا والله ما عم بتقّل، عم باكل شوي شوي وبين الوجبة وبين التانية بشربلي شي ليتر مي تلات وجبات وهاي هيّ لكن مفتوحة الشهية واللي ضرسه طيّبوالله عنده مصيبة شو ما تستحلي هالعين بدي البّيلها الطلب إن ما لبّيت النداء تعتبر قلة أدب كلّه طيّب يا حبيبي اللي انكل واللي انشرب ليه بدّي أوقّف قلّي شو السبب؟ نصحانة خمسة كيلو وهذا الوزن ما بزيله ما الأكل يا روحي عندي كالطرب آه يا ليلي يا ليلي يا عين آه يا عيني يا عيني يا ليل الطيّب كثّر منه ان كان بالصبح وكان بالليل ان كان بالصبح وكان بالليل ما بيهمّش هالتفصيل بدّك تتعرّف عليي، بس حسب! نصحانة خمسة كيلو! هذا شيء مش قليل إني أنصح خمسة كيلو يا حبيبي هل أنت في فريقي من جماعة شطّ ريقي؟ إن جاوبت "كلّا" يعني فش نصيبِ Hani Al Dahshan's cover of Amal Kaawash's "5 extra kilograms" "Five Extra Kilograms" Lyrics, music composition and main vocals by Amal Kaawash Music arrangement and performance by Hani Al Dahshan Filmed and edited by Hani Al Dahshan @hanster89 #song #stayhome #cover #oud #nay #saz #tabla #riq #qanun #arabic #oriental #food #quarantine #طربوش #amalkaaawash #hanialdahshan

A post shared by Amal Kaawash (@amal.kaawash) on


وفي الفنون، تعتبر كعوش نفسها جزءاً من التراث. و"تفاعلي معه فقط لأنه قيمة جمالية، فضلاً عن أنه قطعة من التاريخ". وهي تتواصل مع أهلها في الداخل بحثاً عن أشياء وصداقات جديدة، منها منتشر في العالم، من منطلق إنساني وثقافي. فشخصية ميرون، الماريونيت طويلة الشعر صاحبة الجديلتين، سمّتها تيمّناً بالقرية التي هجّر الصهاينة أهلها، ومن بينهم جدّها محمد حسين كعوش، وكانت القرية مثالاً للتعايش بين اليهود والمسلمين. وتقول: "لم أبنِ شخصية ميرون على عناوين وشعارات، إنما على نماذج نضالية إنسانية، قدمت إلى فلسطين لدعم القضية الكبرى، من أمثال الأميركية رايشل كوري والإيطالي فيتوريو أرّيغوني".

وذكرت كعوش أن اثنين من أصحابها سمّوا بنتيهما ميرون، تيمّناً بالعروسة أمّ الجديدلتين، وهو الأمر الذي يدل على أن القضية إنسانية بالدرجة الأولى، مضيفة: "وهذه القصص أهم من الشعارات". فقد فتح أمامها مشروع "ميرون"، وليد الصدفة، الباب على فلسطين لإقامة صداقات عادية بعيدة من الصورة المنمّطة، "ونحن امتداد لهذه الذاكرة".

وتتألّم كعوش، تلميذة المدرسة الإنجيلية، من ذكرى حصّة مادة التاريخ، حين كانت المعلّمة تطلب منهم القفز عن الفصل الذي يتناول الفلسطينيين في الكتاب. وتتأسف على أن معلومات كثيرة فاتتها وهي صغيرة، مثل أن مؤلف نشيد "موطني" هو الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان، فضلاً عن أمور كثيرة لعلّها فاتت أجيالاً متعاقبة من "اللاجئين بالولادة".

وفي مناسبة وفاة جدّة صديقها ريّان الهبر، استعادت أمل ذكرى جدّتها فاطمة، عبر فيديو من سلسلة "زيارة"، أعدّته "هوم أوف سيني جام" وهي جمعيّة للفنون الإنسانية. جدتها فاطمة التي ساهمت في تربيتها مع اخوتها في عين الحلوة، كانت تحب الزهور كثيراً. أهدتها أمل نبتة حبق سمّتها الجدة أمل وكانت تعتني بها. وحين استحكم فيها مرض عضال، وحان وقت الذهاب إلى المستشفى، أوكلت ابنها العناية بسقي نبتة الحبق. وكان مهملاً. ولمّا عادت إلى المنزل، وجدت الحبق يابساً. فقالت لابنها "قتلت لي أمل".

لم تدرِ أمل كعوش إذا كانت جدتها فاطمة تعي البُعد المجازي لقولها، لكن الفنانة الفلسطينية المرهفة المكوية والمنكوشة تألّمت جداً عند سماعه. وبعد انتهاء موجة كورونا، ستفتقد كعوش للسوشال ميديا "ملجأنا خلال الوباء، الذي أمّن ترابطنا عبر الشاشة". وعبّرت عن خوفها من الحذر الذي قد يعتري الناس ويفرض "قيوداً خفية" على التلاقي في ما بينهم، "وهذا يخيفني".

ورغم ذلك، تراها تغنّي بفرح أغنية "طلّ وسألني" لفيروز، لتحوّلها عند "غطيت وجهي" إلى نصيحة باتّباع تعليمات التباعد الاجتماعي بأن وضعت كمامة على وجهها وأسدت بعض النصائح. وبدلاً من أن تكمل بـ"بعدك على بالي"، غنّت "بعّد عن بابي".

View this post on Instagram

نيسان دق الباب؟ #كورونا #حجر_صحي #فيروز #covid_19 #virus #quarantine #lebanon

A post shared by Amal Kaawash (@amal.kaawash) on


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها