آخر تحديث:15:18(بيروت)
الإثنين 11/05/2020
share

.. وصرت مُدخناً لأسباب طبية

وليد بركسية | الإثنين 11/05/2020
شارك المقال :
.. وصرت مُدخناً لأسباب طبية
يمشي طبيب بردائه الأبيض وهو يتحدث بثقة عن الفوائد الطبية التي سيحصل عليها المشاهدون في حال شرائهم لإحدى ماركات السجائر الشهيرة مقارنة بالشركات المنافسة: عمر طويل ورئتان صحيتان تتجمع في أنسجتهما بقايا النيكوتين والقطران الأسود الجميل الذي يقي من عشرات الأمراض الخطيرة. تمر الثواني بسرعة مع قصة رجل تغيرت حياته جذرياً من مريض متهالك على سرير في أحد المشافي العامة، نحو حياة عائلية مع أطفاله الثلاثة، وزوجته اللطيفة، في منزل أنيق، بعدما قرّر التدخين. في نهاية الإعلان الجذاب الذي يشبه إعلانات معجون الأسنان من العصور الغابرة قبل أن يتغير العالم، يتردد صوت الطبيب مجدداً: "توصي به منظمة الصحة العالمية".


أمسك علبة السجائر بين يدي بشيء من التردد، ليس شكاً في فائدتها الطبية بالطبع، بل لأن هذه هي المرة الأولى التي سأشعل فيها سيجارة لنفسي. لطالما غمرتني رائحة السجائر في بيروت، خلال أيام العمل. الصحافيون مشهورون بأنهم فئة بشرية تعشق التدخين، لم أعرف في حياتي على الإطلاق صحافياً لا يدخن، باستثنائي. يتندر علي زملائي وأصدقائي لتلك الخاصية الفريدة، لن أسمي ذلك تنمراً، لكن لم لا؟ هي كلمة رائجة هذه الأيام. حسناً حتى لو كنت أعمل حالياً من المنزل، ولا أقيم في بيروت أصلاً، فإنني لن أسمح لهم بالتنمر علي مجدداً بنكاتهم البريئة ولن أضطر مجدداً للتعامل مع شفقتهم المزعومة عندما يسألونني بلطف إن كنت سأتضايق لو أشعلوا سيجارة يجمعون بها شتات أفكارهم وهم يكتبون خاتمة مقالهم المسائي.

بالطبع كل تلك الذرائع هي مجرد رتوش درامي يحيط بالسبب الحقيقي، وهو شخصيتي كناجٍ يقوم بكل ما يتطلب منه الأمر للبقاء على قيد الحياة ضمن بيئة شديدة التنافس. ولهذا كنت أندفع دائماً نحو كل ما هو صحي، لا آكل الطعام سريع التحضير وأحب تناول السلطات وأفضل الحركة والمشي في الطبيعة على التلوث في المدن الكبرى وحتى ممارسة شيء من الرياضة من حين إلى آخر. وبالطبع لم أكن مدخناً، إلى أن اكتشف العلماء أن كل ما كان البشر يعتقدونه عن النيكوتين، خاطئ. فهو ليس المتسبب الأول بأمراض السرطان الخاصة بالجهاز التنفسي، بل على العكس، هو سبب نجاة البشرية من فيروس كورونا بوصفه أكبر خطر هدَّد بقاءها في القرن الأخير.

أقلب العلبة الصغيرة بين يدي مجدداً وأنا أقرأ النصائح الطبية التي تنصح بتدخين سيجارة في الصباح عند الاستيقاظ قبل شرب القهوة. في السابق لم أعرف يوماً لماذا يندفع الناس نحو التدخين، تحديداً ملايين المراهقين كل عام. لم أشعر يوماً بالرغبة في التجريب، ربما لأنني نشأت في منزل لا يدخن فيه أحد. ولم يخطر الأمر في بالي كخيار شخصي إلى أن امتلأت الشوارع بالإعلانات التي تشجع على نمط حياة أكثر صحية، بعد انتهاء الجائحة العالمية. وقررت مدفوعاً بالرعب السابق وذكريات الحجر الصحي الشنيعة والأمل الذي أتى من حيث لم يتوقع أحد، أن أستبدل عادتي القديمة بشراء التفاح الأخضر وتناوله كل صباح، والتي واظبت عليها طوال السنوات الثماني الماضية على الأقل، بالسجائر.

في الأفلام والمسلسلات، يسعل المدخنون الجدد دائماً مع سيجارتهم الأولى، قبل أن يعتادوا على الشعور بالاحتراق وهو يتغلغل داخلهم. أحب الجانب المحترق من الموضوع، ففيه شيء من الحميمية وهو بالطبع دليل على أن الجانب العلاجي فعال. في الشتاء لا أتضايق كثيراً من رائحة السجائر في حال وجودها، خصوصاً أن بعض الأنواع الجيدة تمتلك فعلاً رائحة عميقة تشعرني بالدفء، ربما لأن جسدي كان يدرك دائماً، في إحدى طبقات اللاوعي العميقة، أن التدخين مفيد لمكافحة الزكام الموسمي البسيط، حتى لو كنت أمقت التصاق الرائحة بملابسي، وحتى لو كان البشر، بمن فيهم العلماء والمدخنون أنفسهم، يعتقدون العكس.

حملت السيجارة بين أصابعي، قلبتها بطُرق عديدة بحثاً عن طريقة رجولية وجذابة. من الجيد التدرب على ذلك أمام المرآة بحثاً عن أسلوب خاص وفريد، حتى لو كانت أسبابي للتدخين صحية بحتة. قرّبت السيجارة من فمي، واحترت إن كان يجب علي وضعها في الزاوية اليمنى البعيدة أم في المنتصف تماماً. يستحق الأمر تجربة ومقارنة دقيقة في المستقبل، بعدما بات هنالك مستقبل لنا جميعاً بفضل التبغ. أشعلتها وسعلت فوراً حتى قبل أن أستنشق شيئاً، كردّ فعل استباقي ودرامي ربما. لاحظت أن السيجارة لم تشتعل أو ربما انطفأت أو ربما تخيلت إشعالها. أعدت العملية وبعد لحظات كانت سحب رقيقة من الدخان تتشكل حولي. شعرت بالأمان والاطمئنان، فمن اليوم بدأت نمط الحياة الصحي الأقصى.

عادت بي ذاكرتي إلى الماضي القريب، عندما كان التفكير بشيء مما أعيشه اليوم ضرباً من المستحيل. كانت إحصائيات منظمة الصحة العالمية في العام 2020 تشير إلى أن التبغ يقتل نصف من يتعاطونه تقريباً، ويودي بحياة أكثر من 8 ملايين نسمة سنوياً، منهم أكثر من 7 ملايين ممن يتعاطونه مباشرة. لكنه بات المفتاح لمكافحة فيروس كورونا المستجد، بعدما أشارت دراسة فرنسية في نيسان/أبريل من ذلك العام الذي توالت فيه الكوارث على البشرية، إلى أن الأشخاص الذين يدخنون يقل لديهم احتمال الإصابة بكوفيد-19 بنسبة 80% عمّن لا يدخنون من العمر نفسه والجنس ذاته، وانطلقت الدراسة حينها من فرضية أن مادة النيكوتين التي تدخل في صنع السجائر قد تؤثر في قدرة جزيئات فيروس كورونا على الالتصاق بمستقبلات في الجسم.

حينها، قال الباحثون الفرنسيون أنهم سيتابعون دراستهم عن علاقة النيكوتين بعدوى كوفيد-19 خلال ثلاثة أسابيع، بإشراف أستاذ علم الأعصاب في معهد "باستور" جان بيير شانجو، وزاهر عمورة الأستاذ في مستشفى "بيتي سالبترير الجامعي" بباريس (حسبما نقلت وكالة "رويترز"). أعتقد أنهما سيفوزان بجائزة "نوبل" للطب هذا العام. ابتسمت وأنا أتذكر كيف قال الباحثون حينها أنهم سيتوخون الحذر حتى لا يشجع بحثهم الناس على التدخين لما له من آثار مضرة على صحة الإنسان: حسناً، أنظروا إليّ اليوم.

أكملت سيجارتي. كان اعتماد النيكوتين كعلاج رخيص وفعال انعطافة مذهلة لم يكن أحد ليتوقعها بالتزامن مع الخوف العالمي من جائحة فيروس كورونا، خصوصاً أن ذلك العصر كان عصر الصواب السياسي الذي دفع حتى بشركات الإنتاج العالمية الكبرى، إلى الحد من مشاهد التدخين في الميديا، بما في ذلك شركة "نتفليكس" التي قررت صيف 2019، منع ظهور لقطات السجائر أو السجائر الإكترونية، في كافة أعمالها الفنية الجديدة لمشاهديها ممن هم دون 14 عاماً، استجابة لضغوط بهذا الصدد.

وإن كان فيروس كورونا قد غيّر الحياة على الكوكب في أسابيع قليلة، وأثار نقاشات حول نهاية العولمة وبداية نظام عالمي جديد، كان من الغريب أن الوباء أعاد عقارب الساعة إلى الوراء في ما يخص التدخين. فطوال قرون كان التدخين يعتبر عادة صحية، وكانت نبتة التبغ تلقب بـ"العشبة المقدسة" و"العلاج الرباني" في القرن السادس عشر. وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" كان الباحث الطبي الهولندي، جيل إيفرارد، يعتقد، أن التبغ يقلل الحاجة إلى الاستعانة بالأطباء. ووصف في كتابه "باناسيا"، أو العلاج من كل الأمراض، العام 1587 فضائل التبغ وتدخينه باستخدام الغليون، وقال: "كل نفثة منه تعتبر مضاداً لجميع السموم والأمراض المعدية"، ويمكن رصد تاريخ طويل من الكتابات الطبية عن فوائد التدخين للجسم البشري ومقاومة الأمراض المختلفة.

إنها دورة كاملة فعلاً، فمن المذهل كيف تغيرت النظرة إلى التدخين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كان كبار المغنين يوصون بالتدخين "للحفاظ على أنسجة الحنجرة"! مثلما تظهر ملصقات دعائية من تلك الحقبة، أعيد استخدامها في إعلانات كثيرة هذه الأيام. وحتى في ستينيات القرن العشرين كان كبار نجوم السينما يقدمون إعلانات التدخين، التي انحسرت تدريجياً من الشاشات وحلت مكانها إعلانات الوقاية من التدخين، التي روجت منظمة الصحة العالمية، أنها تحمي الأطفال والفئات الأخرى المعرّضة للخطر من استنشاق التبغ وتزيد عدد متعاطي التبغ الذين يقلعون عن تعاطيه، وأكدت طوال عقود أن الإعلان عن التبغ والترويج له ورعايته يزيد من تعاطيه ويساعد على استمراره من خلال استقطاب متعاطين جدد للتبغ وثني متعاطي التبغ عن الإقلاع عن تعاطيه. في ذروة تلك القرارات، لم يبلغ مستوى الحظر التام لجميع أشكال الإعلان عن التبغ والترويج له ورعايته سوى 48 بلداً، ما يمثل 18% من سكان العالم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها