آخر تحديث:18:19(بيروت)
الإثنين 06/04/2020
share

بطلي أنتَ.. يا ابن الكورونا!

شوكت غرز الدين | الإثنين 06/04/2020
شارك المقال :
بطلي أنتَ.. يا ابن الكورونا! (غيتي)
أنا في المختبر. أُعاين حالة مستعجلة بمجهري. فجأةً، وباستفزازٍ بالغٍ، قبع "هذا" أمام مجهري الإلكترونيّ على طاولةٍ مستطيلة الشكل، لها أرجُل معدنية متقاطعة على شكل حرف X. وما أنْ اكتملت طفرته حتى رأيته وأعطيته اسماً. ولمّا اتخذ لنفسه تاجاً من الشوك، أدركَ أنَّه الآن لا يعوزه إلّا مُستقبِل كريم لينسخه؛ فما الفيروس المتنقل بغير مُستقبِلٍ إلّا غيمة بلا مطر، بل غيمة كثيرة رعودها، قليلة أمطارها. كان "هذا" صغيراً يستهويه الانتقال، متوَّجاً كملك! مكورّاً يقبع وحيداً! مضاءً متألقاً أمام فتحة المجهر يتربص بي، يتربص بنا.

ولما اتنشر صيته في العالم، واجتاح الشبكة العنكبوتيّة، لا سيّما يوتيوب وغوغل، واستحوذ على الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، بات حديث الألسن مقوِّضاً عاداتها بتثاقل.

فكّرتُ بيني وبين نفسي: "بصراحة أنا لا أحقد عليك يا "هذا"، أنا أحسدك! أنا أراهن عليك! فأنت -من دون قصد- برهنت لنا أننا لم نتخلص -وبعد ما ينوف على اثني عشر ألف عام- من حالة قتل البشر، والتهام لحمهم وافتراسهم، واغتصابهم للمحارم! فكلّ استيهاماتنا سلكناها ومارسناها، لا يكبحنا شيء إلّا أنت الآن. أنت المعيار الذي سنحاكم به سلوكنا ورغباتنا وأحلامنا. عليك تذكّر هذا جيداً".

وما هي سوى أشهر معدودة؛ يوماً بعد يوم، ساعة بعد ساعة، موتاً بعد موت، عدوى بعد عدوى، حتى تصدَّرتَ فيها كلّ شيءٍ، ووحَّدتَ كلّ شيءٍ، وغيَّرتَ كلّ شيءٍ. أكانت البشرية بحاجتك حتى تستيقظ من غفلتها في تفاهة الهراء؟ أم بحاجة لتحذيرك حتى تختار؟ كلّ التحذيرات السابقة تجاهلناها بما فيها تحذيرات الله، إلّا تحذيرك؛ فقد أخذ مداه وأيقظ فينا الحالة الحديّة الكامنة في صراع البقاء.

يبادئني "هذا" الحديث: "شو في ما في؟ أراك مهموماً!". سألني بتهكّم وازدراء العارف، وكان مكللاً بالشوك؛ تاجاً ملونّاً فوق رأسه يبتلعه كلّه؛ فقد بدا كلّه ككتلة تاج! أجبته بيأسٍ مطلق وكنت ما زلت متسمّراً على المجهر: "أنا حزين". قال لي بثقة وتفاؤل: "وكِّل الله! لا بدّ أنْ منظوماتكم تستطيع التصدي لي". استدركت وقلت مستعرضاً: "لا حول ولا قوّة إلّا بالله، لكن هذا هو بالضبط سبب حزني؛ فأنا لا أريد أنْ نتصدى لك قبل أنْ... ". لم يطقْ انتظاراً فقاطعني بقوله: "قل لي قبل ماذا؟". وقبل أنْ أجيبه، استأنف صاحب التاج باستغراب بدا معه أنّه لم يسمع مثل جوابي هذا طوال خمسة أشهر: "ماذا؟! أتعني أنك حزين لوقف انتشاري، لتحدّيد معدل انتقالي؟! أأنت عكس البشر؟!". قلت له: "أجل". قلتها بحسم. فتابع ازدراءه متمادياً: "أمجرم أنت؟! كيف تحزن لتقدّم منظوماتكم في محاربتي!". 

عند هذا الحدّ سردت له: "عقدت آمالاً كبيرة عليك. خذلتني. أنا محبط. تطلعت إلى أنك ستُخرج المعتقلين، فأخرجت المساجين جميعاً وظلوا المعتقلين! تأملتُ في إيقافك للحرب، وتبيّن أنّه حلم إبليس بالجنة. ظننتنا سنُعيد بفضلك مراجعة أولوياتنا؛ مثل الإيمان والعمل والدولة والعلم، فأتت النتيجة أننا استبدلنا أولوية العدوى بأولوياتنا تلك، وانقطعنا عن بعضنا البعض. فكيف لشيءٍ غير موجود تقريباً، لم يوجد لولا المجهر الإلكتروني، أنْ يفعل ما فعلته أنت في هذا العالم؟! قلْ لي بالله عليك. ما أنت يا أخي؟ فلولا المجهر الإلكتروني لكنا الآن نضرب المصابين بالعصا أو بالكهرباء لنُخرج الشيطان منهم! ولكنتَ عدماً!".

- يتمَسْكَن "هذا" ويخاطبني: "أنا طفرة! كائن صغير جداً جداً! أنا مجهريّ! بصاق! لُعاب! مخاط! احذر التفّ والنفّ!".

- أتعرف يا "هذا": ليتني مثلك! ليتني فيروس كورونا، ليتني كوفيد19، لكنت سعيداً الآن باستجابة العالم لي. أمّا وأني لست مثلك، فويل للعالم إذا احتاط السوريّون بمحاكاتك!".
أنظر جيداً: في تربية ما قبل كورونا كانوا قد أخبروني أنّ الله خلقني في أحسن تقويم! لكنهم رغم أنف هذا تجاهلوني. وعلموّني كذلك أنني عبد من عبيده لا حول ولا قوّة لي، إلّا التسبيح بحمده، غير أنّ أثري يتبدّد كالعطر! لقد درّبوني على أنْ أثق في العِلم والدولة والحكومة والنظام الصحيّ... أمّا مع عالم ما بعد كورونا، ففقدتُ ثقتي في نفسي. قبل كورونا، تعلمتُ بالمحاكاة والمقارنة والتجارب والتخيل والذكاء؛ لأتسيّد على الطبيعة. وجهدت، لا لتغيير العالم، كي لا نبالغ، وإنما على الأقل لجعله قابلاً للتحسين، لصياغته على شكلٍ أفضل وأجمل وأخلاقي أكثر وأحقّ دائماً… بعد كورونا لا خيار لي غير الاقتداء بك لأصادق الطبيعة.

حسناً! يبدو أنني النكرة إذاً، وأنت العدم الذي ليس صفراً؛ فلا أحد يستجيب إليَّ، بينما نجدهم ينحنون أمامك. أنا نكرة مهمّش... لماذا؟ أنت يا "هذا"، ورغم أننا لا نراك إلّا في المجهر الإلكترونيّ، وبرغم صغرك اللامتناهي، تفعل ما فعلته من فظاعة في عالمي! آهٍ! آهٍ! لو أنيّ ذبابة لكان العالم كشّني! ألِأنني غير معدٍ وغير مميت، كما أنت، ينكرني العالم؟! ألِكوْني معروفاً ولست مجهولاً مثلك، لا أحد يهتم؟!

سأحاكيك إذاً، وأقلِّدك وأقارن نفسي بك، وسأجرب لمرّة أنْ أكون فيروساً، فأصل إذ ذاك، إلى كل فرد لأجعلهم يعترفون بي ويستجيبون لمطالبي ويحتاطون من نتائجي عليهم.

"هذا"... أنت تهزّنا يا رجل! وتتلاعب بحضارتنا، رغم هشاشتك! بينما أنا لا شيء، رغم أنني كائن كبير وأُرى بالعين المجردة، ولي دور ووظيفة ومكان وزمان وسيرورة وتاريخ وأصل وفصل واحلام ومشاريع وذكاء واستراتيجيات… وغير ذلك كثير؛ لماذا لا أفعل شيئاً يُذكر في العالم؟ لمَ لا أُحدِث فرقاً؟ لماذا فعلك كبير، بينما أنا لا؟ إنني أحسدك حسد حريم افتقدنَ القضيب!

هل يمكن أنْ يكون أثرك نابعاً من كونك صغيراً جداً جداً؟ أم لجهلنا بك؟ أو ربما بفضل العدوى التي هي حالتك المتعيّنة؟ أيمكن أنْ يكون بفضل الموت الذي تتوعدنا به؟ فأنت يا "هذا" قد اجتمعت فيك أربعة تحالفات تُخالف حضارتنا كلّها: مجهريّ، معدٍ، مجهول، قاتل. إنها الصفات التي أحتاجها لأُرى، لأكون!

وفي حين أنني أساند الحياة وأحارب الموت، وأنني كبيرٌ قياساً بكَ، وصغيرٌ قياساً بالمجرة، متجنباً أنْ أَعْدي وأنْ أُعْدى، ومتعيّناً ومعروفّاً على قدر ما تتيح لي منظوماتنا، فإنك بعكسي تعدم الحياة، وبرغم هذا فأحوالك عال العال.

أوه! ما هذا الذي يحدث لي؟ أسائل نفسي بعد رؤيتي صور ضحاياك تتالى على حائط المخبر ذي اللون الرمادي الداكن! وكأن الحائط صار شاشة مسطّحة عملاقة! أفرك عينيّ لأزيل التداخل بين التحديق في المجهر وبين رؤية الحائط، فتعود الصور، لكن مع تيجان من شوك فوق رؤوسها هذه المرّة. أنا أتمايل بين بين، وبخلافي "هذا" ثابت؛ يترنح ذهني بين: معروف/مجهول، موت/حياة، معدٍ/غير معدٍ، صغير/كبير... إلى آخر ما هنالك! يا لهذه الثنائيات! ما بالها لا ينشطر واحدها إلى اثنين! ستكون اندثاري يا "هذا"! عليكم أنْ تصدقوني عندما أقول لكم ذلك.

ليتني فيروس، لكي أُعزِّز الحياة والمعرفة وعدم العدوى، بعكسه هذا الابن كورونا! كيف أَوقفَ ما يقارب 8 مليارات بني آدم على ساق واحدة، أو ربما الأجدر أن نقول إنه أقعدهم في بيوتهم. لو قعد الناس في بيوتهم قبل الكورونا لانهار العالم بسبب مثل هذا القرار. أمّا الآن، فالمطلوب منك أن تُعزل في بيتك ومن دون أنْ ينهار العالم.

طفرة أنت، أليس كذلك؟! نعم نعم إنك كذلك. أتعرف؟ لقد كان الإنسان العاقل طفرة أيضاً، غير أنه لم يؤثر في العالم كما أثّرت يا ابن العاهرة! يا ابن الكورونا! هززت صورتي عن نفسي وعن العِلم، وخربت صورة الدولة والنظام الصحيّ والتعاون الدوليّ، بحيث لم يتسنَ لأكثر كُتّاب الخيال خيالاً أنْ يتخيلوا إيقاف الإيمان، العمل، الحب، الاجتماع، العاطفة، والسياسة… لم يتخيلوا أنْ يتحوّل الآخر إلى مُعدٍ وحسب، المختلف إلى معدٍ حاف، مجرد معدٍ. تمتمتُ في سرّي مستخفّاً: "أهلين علم، أهلين دولة، أهلين آخر!".

حاولتُ أنْ أمتصّ جموح الـ"هذا"، فبادرت مستفسراً: "قل لي يا فيروس ما أنت؟ كيف أُقاربك؟ أفهمك؟ يا للجحيم الوجوديّ الذي أنا فيه! كيف قتلت الناس في الشوارع؟ وكيف رفعت الأسعار واحتكرت المواد وقطعت الكمامات ومحارم التواليت والمنظفات كيف؟ كيف جعلت ترامب يأخذك بعين الاعتبار؟ كيف وكيف وكيف... كيف لي أنْ أخيف 8 مليارات بني آدم فرداً فرداً ليحفلوا بي؟!".

أظنني في حال لم يتعلم العالم درسك، فإنني تعلمته: إنَّ إحداث التغيير بتحوّلي إلى فيروس هو أفضل أنواع التغيير؛ واسع جداً جداً، سريع جداً جداً، فعّال جداً جداً… إنكّ مثالي الأعلى ونموذجي الإرشاديّ لمخاطبة العالم منذ الآن. وهنا بالذات ينبثق السوريون من جحيمهم، ويدخلون على الخط محدثين تشويشاً كبيراً يشبه الطنين، كونهم قدّموا الملايين ولم يغيروا شيئاً في العالم. لكنهم لو كانوا قدموا عدوى الموت لكلّ فردٍ، كما تفعل أنت تماماً، لكانوا غيرّوا العالم بالتأكيد!

بطلي أنت! سأجتاح الأفراد بذاتهم وليحدث ما يحدث، فلست آسفاً على شيءٍ في هذا العالم الذي لا يستجيب إلّا لك. لقد عزفتَ اللحن الذي تتراقص الأفراد عليه منذ التكوين. لقد جعلتَ تحجّر العالم وتخشّبه يرقص لأنك عزفت لهم لحنهم ذاته!

لا أنا ولا حزبي ولا شركتي ولا دولتي ولا جيشي، فصائلي، عصاباتي، قراصنتي، مؤسساتي، خيري شرّي، جمالي ولا قبحي... استطعنا أن نفعل مثقال ذرة مما فعلت في شهور معدودة. فهنيئاً لك. ولتدم قدوة لنا تُوجِّهنا في إرهاب العالم حتى يتغير إلى الأفضل؛ فيصير أكثر إنسانية وتعاوناً.

نصيحة: لا تخيّب تطلعات الوجود إليك، وبالأخص لا تخذلني. فأنا استنجد بك على الوجود، على نفسك، عليّ، وعلى عالمي. كم أنت كبير يا صغير، يا مجهريّ! عليك بالدول والحكومات والمجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته، عليك بالكون والمجرات واللامتناهي، فأنا أشجعك وأساندك وأقف في صفك. جنوني وعدواك هما مربط الفرس.

لماذا لا تجيبني بجائحةٍ ضاربة تؤكد لي ولهم أنك جادّ في اندثارنا، في ترك كل شيء من دوننا؟! هيا تناسخ وتناسخ وتناسخ... فوداعاً للإنسان العاقل فلقد كنت بلا عقل! ووداعاً للإنسان الإله فلقد تعسّر مخاضك. افتكْ في هذه الحياة، هيا أسرع، وعندما تنتهي منا، أقض ِعلى جميع الأحياء. لكن، قل لي بعدها، أين ستعيش؟ أنا جادّ في ذلك. لا مستقبل لك. سيبقى المكان الخالي شاهداً على فعلك، فحتى القيامة نفسها لم نتصورها هكذا.

إعْدِ التفاهة، فأنت إرادتنا في أبهى صورها فعاليّة. أنت نحن، ونحن أنت!
كنت قد استيقظتُ، وأنا في بيتي معزولاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها