آخر تحديث:22:33(بيروت)
الثلاثاء 28/04/2020
share

"عنف طرابلس الثوري" يربك سياسييها

نذير رضا | الثلاثاء 28/04/2020
شارك المقال :
"عنف طرابلس الثوري" يربك سياسييها
ما كان الارتباك السياسي ليقع حول أحداث مدينة طرابلس، لولا أنها رفعت لواء الثورة، وحيدة، وباللحم الحيّ، في مواجهة الأزمة. 
كانت طرابلس تتقاسم الوجع مع اللبنانيين، وتتقاسم معهم الثورة، وتشاركهم الانتفاضة. لطالما كانت جزءاً من لبنان المنتفض منذ 17 تشرين الأول الماضي، على الأقل اعلامياً، فصورت، كمدينة سلام، تحتفظ بالوجع ولا تبوح به. 

غنت طرابلس في السابق، وأنشدت، وحشدت الموجوعين في ساحاتها. لكنها لم تتصدر الاهتمام، الا حين خرج الموجوعون من ساحاتها لتوسيع نطاق الألم. لكنها اليوم، في موقع آخر. لا ينازعها أحد على وجعها اعلامياً. ولا ينازع سياسييها على الارتباك، أي مسؤول آخر. 

طرابلس اليوم وجهة الثورة، تختصر الأزمات المعيشية والاقتصادية في لبنان. هي واجهة الأزمة، وفي صدارتها. أثبتت أنها مؤشر البحبوحة، كما مؤشر الحاجة. وهو ما تثبته وسائل الاعلام العالمية التي استفاقت عليها، كما في العام 2007 إثر احداث باب التبانة وجبل محسن. الحدث يجذب الإعلام، والسلام يطمس الحاجة. 

معلومات ومعطيات تخرج الى الإعلام بنسختها المحدثة، للمرة الاولى منذ 6 سنوات، تاريخ الخطة الأمنية التي نفذتها حكومة الرئيس تمام سلام، لإنهاء التوتر الأمني فيها على خلفيات سياسية ومذهبية. عشرات آلاف الفقراء في المدينة، يعيشون تحت خط الفقر. كانت العجلة الاقتصادية تسترهم، لكن الأزمة تعرّيهم الآن. وحين خرجوا، لم يعد في وسع أحد إنكار قضيتهم المؤلمة، أو احتواء الاحتجاج. 

وحدهم المحتجون يعرفون وجهتهم جيداً. أما مسؤولو المدينة، من سياسيين وحزبيين، فهم مرتبكون. لا ينكرون الحاجة و"الجوع"، وينذرون بالأسوأ. لكنهم عاجزون عن تسلق الثورة. تلك التي خرجت عليهم قبل أي شخص آخر. يخرجون بتصريحات إنشائية ويطالبون الحكومة، وتزخر تغريداتهم بالارتباك. حتى تصفية الحسابات السياسية، هم عاجزون عنها. يصرّحون، لمجرد التصريح. يصرخون في برية الوجع، ولا من يسمعهم. وحده العنف الثوري يسمعه العالم الذي يحذر من الأسوأ، فيرفض التعرض للممتلكات، مع أنه يؤيد التحرك. وهل عالجت سلمية التحرك أزمات طرابلس منذ 17 تشرين؟

لم تحرك السلمية أي شيء. كذلك الإذعان لأصوات التأييد، تلك التي لا تطعم خبزاً، ولا تستر عريّ طفل، ولا تحضر الدواء. فالمعالجات الحكومية، غالباً ما تكون عامة، بحجة "الميثاقية" في توزيع المساعدات، والمناصفة بين فقراء الطوائف، والتوازن المناطقي. أما طرابلس، وجوارها من مدن الشمال الفقيرة، فلا تخصص لها المساعدات الاستثنائية، لأن البلد محكوم بالتوازن في الانفاق الحكومي أيضاً. 

يدرك ثوار طرابلس أن الصوت الوحيد المسموع، هو صوت التحدي. صوت قرع العصا على زجاج مصرف، أو على ممتلكات عامة. لكنهم على يقين بأن التحرك لمعالجة أمورهم سيحصل، ليس تحت ضغط الشارع، بل تحت ضغط حماية الممتلكات الخاصة والعامة التي أحرقها العنف الثوري بزجاجة حارقة. ستتحرك الحكومة ومنظمات المجتمع الدولي لرفع الغبن عن طرابلس، ولرفع الحرمان عن فقرائها. خيراً فعلت المدينة، رغم الانقسام الذي يعتري الفعل الثوري، والنقاش على أحقيته وصوابيته، والدعوات لأن تكون ثورة "بالشوكة والسكين". 

طرابلس اليوم تتصدر أنباء العالم. ينتشر مراسلو القنوات العالمية في احيائها، ويعدون التقارير. باتت وجهة الوجع، ومؤشر الأزمة. ولا استقرار للوضع الحكومي من دون اطعام الناس ورفع القيود والحسابات الطائفية والمناطقية عنهم. أما السياسيون، فما زالوا عالقين في بياناتهم. إنها تغريدات الدعم التي لا تؤكَل!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها