آخر تحديث:22:43(بيروت)
الثلاثاء 28/04/2020
share

"أهكذا يُردّ الجميل؟": الجيش يتراجع عن سؤاله للطرابلسيين، ولكن..

زكي محفوض | الثلاثاء 28/04/2020
شارك المقال :
"أهكذا يُردّ الجميل؟": الجيش يتراجع عن سؤاله للطرابلسيين، ولكن..
الفيديو الذي نشره الجيش اللبناني على حسابه في "تويتر"، ويطرح فيه السؤال "أهكذا يُردّ الجميل؟" على أهالي طرابلس المنتفضين والمشتبكين معه، سُحب من التداول. لم تُعرف أسباب سحبه، لعلّ أحدهم تدارك هفوة أو خطأ ارتكبه جيش في حق شعبه... ربّما!
لكن الذي بقي مجهولًا تماماً هو السبب الذي دعا الجيش اللبناني إلى إعداد محتوى الفيديو البسيط والإقدام على نشره: جنود لبنانيون يحملون صناديق إعاشات غذائية ويقدّمونها، فضلًا عن مساعدات مالية، إلى عائلات طرابلسية معوزة. 

فجأة تظهر صور محتجّين يقذفون قنابل حارقة على مدخل أحد المصارف، وأحدهم يقول "وصلنا إلى الساحة. سوف نُخرج الجيش منها". وتلتها صور لآليات محترقة للجيش وصور لعناصره، انتهت بجندي مصاب في رأسه النازف كُتب على صورته "هيك ردّ الجميل؟".


ليس غريباً ولا عجيباً القمع الذي تمارسه الجيوش والقوى الأمنية على شعوبها. لكن للجيش اللبناني مع شعبه قصّة مختلفة قليلًا عن بقية الجيوش. في إحدى التظاهرات الليلية العنيفة في وسط بيروت، دار كرّ وفرّ بين الثوّار وحرس المجلس ومكافحة الشغب. وكانت الأجواء عابقة لا تطاق بدخان القنابل المسيّلة للدموع. عناصر الجيش لم يكونوا مجهّزين بأقنعة. عندما انقشع الدخان قليلًا، ظهر ثوّار يقدّمون العون لعناصر الجيش: كمّامات، بصل، خل... ووسائل أخرى للتخفيف من حدّة الاختناق. ليلتها كان هؤلاء الثوّار جلّهم طرابلسيون.

هذه القصّة ليست لتربيح الجيش اللبناني هذا "الجميل" - الذي ليس منّة إنما هو تصرّف إنساني مألوف - ولا سؤاله عمّا يفعله منذ أيام في طرابلس، على غرار فيديو "مديرية التوجيه" الذي حُذف من مواقع التواصل الاجتماعي... ولعل لهذا الفيديو بداية مخزية، مع ظهور صناديق الإعاشة التي راحت توزّعها الأحزاب اللبنانية المختلفة على مناصريها، مع شعارها على كل صندوق وكل لوازم التسويق التحقيرية الممجوجة: الوقوف عند عتبات المنازل والتقاط صورة للموزّع أو مسؤول المنطقة أو السياسي مكشّرًا عن أسنانه الناصعة... مع أفراد الأسر "السعيدة" بهذه المنّة!

وكل ذلك يحصل فيما يجري تهريب أموال هؤلاء "السعداء"، المطمئنين للسادة أوليائهم، عبر مصارف لبنان، الخاص منها والمركزي، الشريكة في الجريمة، إلى بنوك في الخارج وإلى دهاليز وأقبية، وإطلاق وعود واهية بقرب انقذاف النفط عاليًا من قِدْحٍ قبالة شواطئ لبنان العظيم ليعمّ فضله على الجميع. كل ذلك يحصل بينما الفساد يستشري وتتعاظم لامبالاة المسؤولين، #كلن_يعني_كلن، بأحوال الناس، وينهار الانهيار.

وفي خضمّ ذلك، يطلّ مسؤولون يعلنون أن "الآتي أعظم". يتوعّدون اللبنانيين ببئس مصير أوصلوهم إليه بعجزهم وتقاعسهم وعمالتهم وشرههم وتشاركهم، خصوماً وحلفاء، في تقاسم الغنائم على مرّ سنين. والحال هذه، ماذا بقي للبنانيين الذي خاضوا جولة أولى للثورة لم تؤتَ ثمارها، وازدادت خطورة أوضاعهم؟

نعم، ما زال هناك لبنانيون لامبالون يعبّرون عن قرفهم من "الزعران" الذين يقطعون الطرق ويشتبكون مع "جيشنا المفدّى". تُرى ما الذي سيفعله هؤلاء عندما تصل موسى الفقر والجوع إلى رقابهم، وهم أعجز من أن يواجهوا تسونامي كهذا؟

غريب أن يقرّر جيشنا، وعلى رغم تراجعه عن فعلته بحذف الفيديو، أن يحذوَ حذو الأحزاب، فيمنّن لبنانيين قرّروا الانتفاض على أنفسهم أولًا، وعلى أوضاعهم والمسؤولين عن وصولها إلى هذا الدرك، وعلى كل من يقف في وجوههم الغاضبة. غريب أن يتماهى عناصر الجيش والقوى الأمنية مع ممثلي هؤلاء. هل يتلقى العناصر، الذين هبطت رواتبهم إلى الحضيض، وعودًا وتطمينات (ستكون واهية كغيرها بلا شك) لكي يستشرسوا في الدفاع عن تلك الطبقة المهترئة؟

وبالتزامن مع فيديو الجيش المسحوب، توجّهت قوى الأمن إلى المتظاهرين بالقول: "كونوا كما بدأتم محطّ أنظار وإعجاب مختلف الشعوب". المضحك في هذا القول هو قرار القوى الأمنية مع قوى الأمر الواقع المتسلّطة على البلاد، سلوك درب القمع منذ البداية، حين كان الثوار محط إعجاب مختلف الشعوب، كما قالوا. ولتلميع صورتها، وزّعت عناصر أمنية على متظاهرين في بيروت كمامات لحمايتهم من عدوى كوفيد 19 الذي قهرَه قهرُ اللبنانيين.

في الأثناء، عمد فنّانون، وفي محاولة منهم للفت أنظار القامعين إلى الفاسدين الحقيقيين، إلى توليف صور يظهر فيها عناصر الجيش وهم يعتقلون وليد جنبلاط في أحد الحقول التي فرّ إليها ونبيه بري عند الرينغ، وسعد الحريري وجبران باسيل مسحولًا وفؤاد السنيورة صارخًا وعلي حسن خليل... لكن يبدو أن مخيّلة المبدعين لم تتجرّأ بعد على تناول زعماء وسادة آخرين تطبيقًا لشعار #كلن_يعني_كلن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها