آخر تحديث:01:32(بيروت)
الأحد 26/04/2020
share

هكذا أخبرني رجُل "الشامان" عن الله

سابين سلامة | الأحد 26/04/2020
شارك المقال :
هكذا أخبرني رجُل "الشامان" عن الله
حمل مايكل صخرة الكهرمان الأسود، من آريزونا في الولايات المتحدة، الى معبد باخوص في بعلبك، "الأسود هو لون البدايات" وأصول الحجر تأتي من أعماق الأرض. البدايات مهمة، وكذالك الأصول. وبالنسبة إلى مايكل، الحجر هو رمز جذوره الأميركية الأصلية وتاريخها من قهر ومعانات. في المعبد، حاول كسر الحجر أكثر من مرة دون جدوى. ثم قدّر وجود الإله المتوفى في دياره، فطلب من باخوص العون، واستعان بإحدى صخور معبده الصلبة لكسر لعنة الماضي. حمل مايكل ما تبقى من الحجر، من بحص ورماد، وقرر أن يوّزعه على البشر خلال رحلته الطويلة عبر أراضي الشعوب العتيقة. اشتباك الماضي مع الحاضر في تلك اللحظة بين يدي مايكل، هدفه التذكير. فمن الذاكرة نبني المستقبل فوق رماد ما تبقى. ومن هذه اللحظة، تبدأ الحكاية من جديد.

إسمع… البحر يناديك، زقزقة العصافير بين شجر التين والتوت، في فصل الصيف، تلعب موسيقاها الحنونة بين زوايا ذاكرتك. نفّض غبار السيارات وزحمة التلّوث السمعي عن دماغك المكبوت، وتنفّس عطر الأرض الخصبة في أول الشتاء. كل شيءٍ في الطبيعة يهمس في أذنك مردداً أغنية الكون الأبدية، وبحسب مايكل هناك سبل متعددة لفهمها ومشاركتها الصلاة.

قابلتُ مايكل للمرة الأولى قرب النهر، في حرش عين دارا. هناك التقيت بصديق لي بالصدفة، يوم أحد مشمس في أول شهر آب. ولم يخطر لي آنذاك، أن الرجل الضخم الذي كان يرافقه، والذي لم أتبادل معه أكثر من كلمة "مرحبا"، سيرافقنا لمدة أسبوعين يحرزان مرتبة متفوقة على مقياس كل شيء غريب الأطوار.

خلال اللقاء التالي، أعلمنا مايكل أنه نوع من "شامان" (الشافي الروحي أو السحري). الشامان أتوا من سيبيريا. وهذا المصطلح يستخدم للتعريف بإنسانٍ يمارس طقوساً دينية خاصة ويتميّز بصلته الخارقة للطبيعة مع السماء والأرض. في أميركا الشمالية، الشامان يدعى Medicine Man. "الأرض هي الأم"، وقبيلة الأباتشي التي ينتمي إليها مايكل، جذورها مغروزة في أرضٍ لم تعد تنتمي لأهلها. عندما سألتُ مايكل عن معنى كلمة "أباتشي"، قال: "هذا الاسم الذي أطلقه علينا المستعمر، فحين وصل الأسبان إلى أراضينا، بدأوا التعامل مع قبيلة معادية للأباتشي تدعى الزُنّي، وعندما سألوهم: من هم أولئك؟، أجابوا: أباتشي ومعناها: عدوّ". أما أسم القبيلة الحقيقي فهو "إننّهْ" وذلك يعني "الشعب".

إذاً، الأسطورة كالتالي: كان هناك شعب، يعيش على أرضٍ بإنسجام مع الطبيعة والحيوانات الأخرى، هبطت بعثة الرجل الأبيض على شواطئه من أجل "الله، المجد، والذهب" بعلبة خشبية منحوتة بأيادٍ مستعبدة، وقالت: "لقد اكتشفت شيئاً خارج العالم! وقد أصبح لي!". تحوّل الشعب من بعدها، بتقاليده، إلى عدو "الحضارة" والبشرية، وعدو نفسه، و"ليس هناك أسوأ من أن تكون متشرداً في قلبك". من أفريقيا، مروراً بأميركا، إلى أستراليا والشرق الأوسط، حكاية الإستعمار نعرفها جيداً، ولكثر ما ترددت، أصبحت مملة.

نشأ مايكل في محمية "هندية" في أريزونا، دخل مدرسة مسيحية وتعلّم لغة "المستعمِر". كان يحلم في صغره بأن يكون هو أيضاً "الرجل الأبيض"، لأن ذلك اللون "لديه امتيازات في بلادنا"، كما هي الحال في معظم بلاد العالم… أمّا علاقة مايكل مع السماء، فبدأت مع أول مرةٍ ضربه فيها البرق. كان في الحادية عشرة من عمره، يركب دراجته عندما تسللت عليه غيمة رمادية وصعقته بالكهرباء. يومها رأى كائناً غريباً يحدقّ فيه من السماء، حاملاً في كفيه البرق. عادت الغيمة ثلاث مراتٍ أخرى إلى حياته، لتصعقه مراراً. وفي كل مرة، رأى مايكل لوناً مختلفاً، بالنسبة إليه "كل لونٍ يمثّل حقبة في مراحل تكوين الكون".

عندما أصبح مراهقاً بدأ يبحث عن الأجوبة. "أردت أن أعرف لماذا يكرهوننا ويشمئزون من ثقافتنا. ولم أجد سوى تفسير واحد وهو: لأننا مختلفون". رأى مايكل أن الأعمال الوحشية تجاه السكان الأصليين وإرثهم، ما زالت تحدث في بيئته، ولا أحد يتحدث عنها. درس القانون وحصل على شهادة في المحاماة لكي يدافع عن حقوق السكان الأصليين، مع التركيز على الحقوق الثقافية والروحية. وفي بداية الأسبوع الثاني من مغامرتنا مع مايكل، اكتشفنا مدة نشاطه الثقافي في العالم من دون قصدٍ، عندما قررت صديقتنا التونسية الفرنسية أن تبحث عنه في "غوغل". ظهرت أمامنا على الشاشة مقالات متعددة، عن استخراج المعادن في "الأراضي المقدسة"، وعن تسميم الأنهر في الستينات، وضررها المستمر على صحة "الشعب". وجدنا أيضاً فيديوهات لخطابات له في الأمم المتحدة، وأخرى لزيارته بابا روما. تحدثنا أكثر من مرة معه عن المياه. "يوجد سمّ في المياه"، كان يردد دائماً، "علينا أن نجد وسيلة لتنظيفها". وزّع علينا بذور ذُرة وقمح، وشجعنا على الزراعة، قال أن هذا هو الهدف من وجودنا هنا.

"علينا المشاركة في ازدهار الأرض، علينا أن نعطي شيئاً في المقابل". بيد أن أكثر ما أثار فضولي، هو سبب زيارة مايكل للبنان، واختياره مدينة بعلبك لكسر الحَجر، لكنه أعلمني أنه لم يختَر هذه الرحلة بنفسه. "حدّثني الله في حلم. وضع في رأسي خريطة العالم مشيراً إلى أفريقيا، الصين، الشرق الأوسط وروسيا. أما كسر الصخرة في بعلبك، فلديه معانيه الروحية، درسنا عن هذه الآثار والمعابد في المدرسة، لم أكن أتخيّل أني سأقف يوماً أمام عظَمة أعمدتها التارخية. هناك قوة بين جدرانها، طقوس وأرواح قديمة لاتزال تسرح في المكان. غير أن لبنان يقع في الجهة الأخرى في العالم، قياساً لمنزلي، إذاً هذه أبعد نقطة باستطاعتي الوصول إليها جغرافياً".

بغض النظر عن شكوكي، أعجبتني قصص مايكل. كانت الأحاديث معه دوماً ذات طابع فانتازي. ورغبت في التعرف أكثر إلى إيمانه، فطلبت منه أن يفسّر لي خطة الله له، لكنه اعترف بأنه لا يعرف شيئاً: "لا أدري لمَ يريدني أن أزور هذه الأماكن، ولا حتى ما الذي عليّ فعله هناك. أكتشف لحظة وصولي". حسناً، يمكنني فهم ذلك، إنما السؤال الأهم هو: كيف نجد الله يا مايكل؟. ابتسم وكأنه كان ينتظر تلك الكلمات، وأجاب: "أين ترين الله؟ الله هو الروح العظيمة. أنا أجده في شجرة، في موجات البحر، أحياناً يسكن الهواء أو يراقبني من وجوه الناس. لكلّ منا صورته الخاصة وكلها حقيقية، فكل منا له حقيقته الخاصة. حتى إذا كنا نؤمن بإله واحد. فلا أحد يراه بالطريقة ذاتها".

"هذه شعوذة!".. قالت خالتي اللطيفة عندما حكيتُ للأسرة عن مايكل، خلال غداء يوم أحدٍ عائلي. ضحكنا سوياً، وأجبتها: "لماذا؟ هو هكذا يرى الله، وأعتقد أن ذلك جميل. أنتِ ترين الله بطريقة مختلفة. وهذا أيضاً جميل. القبح هو عندما يحاول أحدكما فرض إلهَه على الآخر". خالتي ومايكل يتشابهان في إيمانهما، كلّ منهما يعتقد أن لديه علاقة شخصية مع الله، الصلاة في الحالتين مبنية على التواصل المباشر مع الربّ. وكلاهما يؤمن بأنه يتحدث معنا، الإختلاف هو فقط على مستوى الوسيلة، بعيداً من إيماني بأن الله لا يتكلّم، بل فقط يضحك من وقتٍ إلى آخر.

شاهدنا مايكل يصلّي أكثر من مرة، وفي كل مرة كان بين أحضان الطبيعة، تحت شجرة، أو جنب النهر، أو في ديار شعوب وآلهة مرقودة. وكأنه يعيد إحياء تلك الأماكن. وهو هكذا يفعل، أو على الأقل هذا هدفه من الصلاة. لتذكير نفسه والأرض والشعوب النائمة، بأن شيئاً ما حدث، أكثر من مرة، وفي أوقاتٍ مختلفة، وأنه ما زال يحدث اليوم في دولٍ متعددة، وأن الأرض تتذكر، وباستطاعتنا نحن أيضاً أن نتذكر. فبحسب مايكل: "كل ما نعرفه يأتي من كل التاريخ، وهو محفوظ في الأرض وفي حمضنا النووي، عندما نصلّي، وعندما نطهّر أنفسنا، نستطيع أن نرى". في الثقافة "الأصلية"، عملية التطهير تحدث من خلال الجلوس لساعاتٍ في غرفة بخار، ومايكل ما زال يمارس هذا التقليد بشغف.

حاول العديد من المفكرين عبر التاريخ تفسير مفهوم "الذاكرة الجماعية"، وانتقالها من جيل إلى آخر. طبعاً الحمض النووي يمتصّ الكثير من المعلومات ويعيد توزيعها، منها الصدمات العنيفة، التي بحسب كارل يونغ وغيره من علماء النفس، تترك أثراً كبيراً في الأجيال القادمة، وبعد عصورٍ على وقوعها. أما حفظ المعلومات الدقيقة، أو الصور، فلا إثباتات له في معجم العلوم الإنسانية، أو حتى في علم الأعصاب. احتمال أيضاً، أننا لم نكتشف ذلك بعد. في جميع الأحوال، الفكرة ظريفة.

جلسنا مع مايكل في شرفة جبلية، والقينا سوياً نشيد الذاكرة الجماعية، قلت له أننا نملك "مشروباً سحرياً، سيجعل قلبك يبتسم"، وكسرتُ أمامه كأساً من العرق. ملأ القمر الكأس نوراً، أربع عشرة مرة، حكايات عن حروب عتيقة وأخرى قريبة، عن شعوب مرّت بأماكن عديدة، أو عن تلك التي أصبحت نصباً تذكارياً في حديقة فقدان الهوية. عن الذي بلع البأس، والآخر الذي ثابر وحيداً. حذّرنا انه إن ضرب على الطبل ليلها، ستمطر في الصباح. ضحكنا وطلبنا مرةً أخرى بأن يعلّمنا أغنية "أصلية". أطلق صرخة عميقة نحو سماء برمانا وكررها مع كل ضربة، وفي الصباح، غادر إلى شاطئ صور وترك "شعوذته" تجلب هلينا المطر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سابين سلامة

سابين سلامة

ناشطة لبنانية

مقالات أخرى للكاتب