آخر تحديث:00:01(بيروت)
الثلاثاء 21/04/2020
share

إنه عالم الخديعة الكبرى

ميرنا ناصرالدين | الثلاثاء 21/04/2020
شارك المقال :
إنه عالم الخديعة الكبرى الرياضة في البيت، والشارع في الشباك، والزرافة تحرس المرآة (غيتي)
في اليوم الأربعين لحَجري المنزلي خارج لبنان، أتمشى في الشرفة لأذكّر الأرض بأن خطواتي لا تزال ثابتة، وقدميّ لا تزالان تعملان، وأن جسدي لايزال قادراً على التنقل بخفة. أمرّن نفسي على ترداد عبارات تصنع الإيجابية وتتصنعها "هذا الوقت سيمضي"، "بكرا أحلى"، تتخللهما دندنة خفيفة للصبوحة "بكرا بتشرق شمس العيد وبتبشر بنهار جديد"، علني أستنشق طاقة باتت تتلاشى أمام برودة الجدران الأربعة وشريط أخبار الموت العاجلة، فأجد نفسي عالقة داخل فكرة واحدة يرددها دماغي في كل يوم يصبح فيه العجز رفيق الكوكب بأسره، "هذا العالم خدعة".

العالم خدعة، أوهمنا بقدرته على إيجاد الحلول لأكثر المشكلات تعقيداً، وإعادة إحيائها حين يشاء، وإيقاف ذلك كله بقرار، يسبقه اجتماع دولي من هنا، وتسويات ومفاوضات من هناك. أغرقنا بثوراته الصناعية والرقمية والمعلوماتية والتكنولوجية والنووية والاستخبراتية، حتى بتنا نتخيل أننا نحن أنفسنا سنتحول في يوم من الأيام الى روبوتات تجوب الشوارع وتحتسي القهوة، تأكل وتشرب وتعمل، تموت وتحيا، بكبسة زر من عَظَمة الدول الكبرى وجبروتها.

ربما أفرطنا في ثقتنا في قوة العالم، وسلّمنا كل ما نملك من طمأنينة وثقة الى الدول العظمى التي لم تترك حرباً، عسكرية واقتصادية ونووية، لم تشنها، إلى أن جاءنا عدو قاهر فتاك لئيم غير مرئي، عرّانا جميعاً، أسقط قناع القوة والصلابة عن وجوه دول أوهمتنا بقوتها، وألبسها قناعاً آخر تختبىء وراءه، خوفاً منه وحرصاً على سلامتها وبقائها. جاءنا فيروس كورونا وفي يده مرآة ضخمة، وقفنا جميعا أمامها، فوجدنا أننا سلّمنا كل هذا لصنّاع موت لا صنّاع حياة.

أتذكر خبر مر عليه ثلاث سنوات، قضية الجاسوس الروسي في بريطانيا وابنته يوليا، واستخدام روسيا غاز الأعصاب في محاولة لاغتيالهما على الأراضي البريطانية.. وأتذكّر أيضاً الاتهام الأميركي للمخابرات الروسية بقرصنة شبكات كومبيوتر الحزب الديموقراطي في الفترة التي سبقت الانتخابات الأميركية في 2016، واختراق غوغل بلس +Google وتسريب بيانات 52.5 مليون مستخدم، وغيرها الكثير من الحروب السيبرانية والكيميائية... قرأنا عن اختراعات رقمية وذكية لأجهزة أثارت دهشتنا وإعجابنا بقدرة هذا العالم، واكتشافات علمية لباحثين يحذروننا من أن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين، ينبئنا بتغيرات مناخية خطيرة، وعن اكتشافات طبية تسطّر نجاحات علماء من كلية الطب في جامعة هارفرد، في تجربة تماثل العمل على تجديد عمر عضلات إنسان في عمر الستين وإعادتها إلى ما كانت عليه في عمر العشرين، يا لعَظَمة البشر! قرأنا الكثير عن غزوات الفضاء، واكتشاف حيوات خارج كوكب الأرض، ماء في المريخ وجليد على سطح القمر، وعن خطط خبراء "ناسا" للعودة إلى القمر بحلول العام 2028. سمعنا أيضاً تصريحا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 2017، يعلن فيه أنه يريد إعادة الأميركيين إلى القمر، وبناء مؤسسة هناك للقيام بمهام تصل في نهاية المطاف إلى المريخ. وهو نفسه الرئيس الذي أعلن منذ أيام، نيويورك - مدينة الضخب والضوضاء والحياة- منطقة كوارث، بعدما حولها الفيروس مدينةً مهجورة ينهش الموت ناسها في أروقة مستشفياتها المستنزفة، حتى باتت الأنفاس تنقطع عند تعداد أرقام وفياتها، على غرار مدن أوروبية كبرى. أوروبا نفسها، التي خاضت حروباً دامت مئة عام، قبل أن تعلن اتحادها، ها هي الآن تصارع عدواً أظهر تصدعاتها الفاقعة، التي بدأت بانفصال بريطانيا عنها، ولن تنتهي بعتب بلد كإيطاليا عليها بعدما هزّ "كورونا" عرش قوتها وصلابتها وتضامنها وقدرتها على تحمل تداعيات الوباء ومحاربته بعلمها وعلومها ومختبراتها ومستشفياتها.

عوّلنا كثيراً على قوة أميركا، وصلابة أوروبا، وتصميم روسيا، وطموحات الصين، وها هم عاجزون اليوم عن حسم مسألة إيجاد علاج أو لقاح فعال ونهائي للفيروس، يكون بحجم توقعاتنا وأوهامنا وتصديقنا لقوتهم وقدرتهم، وبحجم خديعتهم لنا، ينتشلنا من عزلتنا بالسرعة نفسها التي اعتادوا أن يرمونا بها في مستنقع حروب لا تنتهي. ها هم يخوضون حرباً من نوع آخر، حرب كمّامات وأجهزة تنفس، سلاح العام 2020، فيما الفيروس يحصد على مهل المزيد من الأرواح، ويقطف ثمار ما جنته الدول والأفراد، طوال سنوات، ويهز اقتصادات العالم بأسره.

عوّلنا كثيراً ووثقنا أكثر، وفي كل يوم من العزلة، نجد أنفسنا سارحين في هشاشة العالم وخديعته المرعبة.

فتح الوباء الباب على تساؤلات ما كنا لنطرحها سابقاً، نحن الأفراد القابعين في حجرنا، المحتجزين في بيوتنا، المثقلين بهموم حياتنا المنتفخة من كل شيء، عدا الراحة. أخذتنا الحياة معها الى حيث تشاء، من دون أن تستأذننا حتى. نستفيق، نذهب الى أعمالنا، نعمل حتى انقطاع النفس، يسرقنا الوقت، نتصارع معه، نتحداه، يتبخر أمام عيوننا، نتوسله أن يبطئ وما من مجيب، ينتهي النهار ويأتي آخر وهكذا.. إلا أن الحال اختلفت في أيام عزلتنا. الأيام ثقيلة تمر ببطء، الانتظار سيدها، والصبر رفيقها، أفكارنا تدفقت، تساؤلاتنا كثرت: متى يجدون اللقاح؟ هل سنعود، بعد انتهاء الأزمة، كما كنا؟ هل تغيرت أولوياتنا؟ كيف باتت نظرتنا الى الحياة؟ هل سيصبح قانون الحفاظ على المسافة الآمنة والتباعد الاجتماعي أسلوب حياة لدينا؟ ما مصير النظام العالمي والسياسات البيئية والاقتصادية؟ هل ستتجرأ الدول الكبرى على التباهي بعَظَمتها بعدما كشف الفيروس عجزها وضآلة اهتمامها بالعلوم والأبحاث والطب؟ هل ستعيد الدول حساباتها وتستثمر في صحة الإنسان؟ ماذا عن خوفنا وقلقنا، هل سيتبدد؟ ما الذي ينتظرنا؟ حتى موضوع العولمة الذي اعتبرناه، في السنوات السابقة، موضوع "كليشيه" يكرر نفسه، بات موضوعاً شيقاً. هذه العولمة التي فتحت الحدود والأبواب للفيروس وسمحت بانتشاره، وأقفلتها علينا نحن الأفراد، ووصفها زيغمونت باومان في كتابه "الخوف السائل" بـ"السلبية التي تتأرجح بين تجريد الأحرار من أمنهم، ومنحهم الأمن في شكل اللاحرية، أو تجريد الآمنين من حريتهم". علامات استفهام كبيرة ترافق يومياتنا.

أربعون يوماً مرت على حجري المنزلي الذي سيستمر الى حين إعلان انتهاء الوباء، أو الى حين إعلان الدول أن التعايش معه ضرورة، من أجل إنعاش اقتصادها، ولو على حساب أرواحنا. هذه الدول نفسها، التي أشبعتنا معارك وحروباً ومؤتمرات وتسويات ورسم سياسات، وأوهمتنا بقوتها وهيبتها وبالغنا في تصديق جبروتها. هذه الدول نفسها التي تتباهى وتتفاخر وتكرس وتنفق كل ما تملك من أجل تحديد مصيرنا، وتهددنا بأسلحتها وترساناتها العسكرية، ولم تنتبه إلى أن هيبتها قد تسقط في لحظة أمام مستشفى مستنزف، وقطاع صحي منهك، ومختبرات عاجزة، وفيروس فتاك.. إنه عالم الخديعة الكبرى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها