آخر تحديث:00:08(بيروت)
الجمعة 17/04/2020
share

عندما لا أفكر في الكورونا..

آية الراوي | الجمعة 17/04/2020
شارك المقال :
عندما لا أفكر في الكورونا.. موسيقى العزل في برشلونة (غيتي)
أحاول أن أفكر في أمور لا علاقة لها بالحجر الصحي، لا علاقة لها بالكورونا، ولا بالأزمة العالمية، ولا بالإنسانية والتضامن أو بانهيار هذه الأخيرة وعدم التضامن، لا بالوطاويط ولا بالأوبئة ولا بعالم الفيروسات. أحاول عدم التفكير في الفلسفة ونظريات حالة الاستثناء، أحاول الهروب بعيداً من كل هذا. لا أريد قراءة مقالات عن الاقتصاد ولا عن الماركسية، لا أريد مشاهدة "لا كاسا دي بابيل"، ولا الفيلم التركي المُبكي "معجزة في زنزانة رقم ٧". أحاول عدم التفكير في أعداد الضحايا والمرضى، ولا في مستقبل البشرية. نفدت المواضيع إن خرجت عن سياق المرض والحجر والسياسات المتعلقة بإدارة الأزمة ووضع العالم وخطابات الرؤساء وإنقاذ البيئة وسعادة الحيوانات التي تسرح وتمرح في شوارع المدن. حتى الماضي، يبدو أبعد من بعيد، والمستقبل غامض مبهم لا تاريخ يحدد محطاته، بينما تتلاشى أي محاولة لتأويله أو إسقاطه على الحاضر أمام استحالة كشف علاماته أو التنبؤ بظهورها. فحتى القلق، وهو وظيفة إنسانية طبيعية، أعجز عنه. الأفكار كالكواكب السيّارة تحوم في مدار الحاضر ولا تطيل المكوث في أي من ثناياه. جٌمل وعبارات ومقاطع من أغان، بعضها تافه يتردد في ذهني، مفاهيم مجردة وأحاسيس وحالات. 

أما الأفكار، فتتأرجح بين أقطاب متحرّكة: ملء الفراغ أو الاستمتاع به. الانتاجية أو الكسل. العمل أو الراحة. التفاؤل أو التشاؤم. الحذر أو التهوّر. الصين وأميركا. الاشتراكية والرأسمالية. تصفيق الشرفات أم صمت القبور. وتطول اللائحة بقدر ما تطول الساعات وتمتد، بقدر ما تنقشع الرؤية أو تُغشى، وشعور عام غامر يحتوي كل ما سبق، ويحتضنه: الحزن. حزن على ما آلت إليه الأمور، وعلى كل أشكال الظلم والوحشية التي باتت أجلى وأوضح، ورفض لأي تفاؤل ساذج يبشّر بتغيّر العالم إلى الأفضل بعد مرور "الأزمة". وتحت وطأة هذا الحزن الجليل، أصبحت الحياة تجوالاً بين الثنائيات، بعيداً من قيود الزمان، والمكان واحد، والمشهد رتيب. لكنه، على رتابته وتجانسه، يغصّ بالتجارب، بالمشاعر، بالاكتشافات.

حتى الوقت أصبح ضيّقاً، أنا التي كنت أشكو الملل، أجد الوقت يمر بسرعة ولا يكفي، لا يكفي أبداً. لا يكفي للتفكير ولا للعمل ولا حتى للراحة. ويمرّ النهار من دون أن أفهم كيف ومتى. يمرّ مصحوباً بالموسيقى، هذا هو الثابت الوحيد. موسيقى لساعات الفجر الأولى ووقت الظهيرة، موسيقى الغروب وموسيقى الليل بعد أن ينتصف. هي التي تضبط إيقاع الأيام وتغسل عنها شوائب الظرف الخارجي والحالة الداخلية. ولكل مقام مقال، فطبعاً غلبت الكلثوميات، لا سيما الثقيل منها. قليل من الطقاطيق يفرح قلب الإنسان، لكن سيدة الموقف كانت السنباطيات والقصبجيات، الأدوار والقصائد، ومن موسيقى عبد الوهاب تلك التي ألّفها قبل العقد الخمسين من القرن الماضي. قصائد أحمد رامي وأحمد شوقي، موشحات وقدود وأناشيد صوفية، أغان سورية وعراقية مؤلمة كواقع هذه البلاد. وأحياناً، يحلو لي أن أسمع فيروز أو ما شابه من اللطف النغميّ، في محاولة مني لاستعادة المزاج الصباحي المعتاد. وقد أنجح في ذلك نظراً إلى أنني لا أجرؤ على سماع الموسيقى المذكورة سابقاً  قبل حلول الظلام. وفي الأيام الأولى التي غلب عليها الطابع الأبوكاليبتي، ربما لجأتُ إلى باخ وفاغنر والموسيقى المسمّاة كلاسيكية، أكثر من العادة، وجلّ ما فاجأني أني وجدت نفسي أستمع إلى كل ما أحببته من أغان ارتبطت بمراحل مهمة في حياتي، أكانت الحرب أو السفر أو الفرح باكتشاف العالم في سنوات الجامعة، وقصص الحب الأول وعطلة الصيف في قريتنا أو مشاوير البحر.

والأعجب من ذلك حالة "التوارد" الموسيقي بيني وبين من حولي، فعلياً، وفي الفضاء الافتراضي، فيبدو أن الأنغام نفسها تسافر وتزور منازلنا بالدور، فنتشارك السماع في غفلةٍ منا، وقد ترسّخ هذا الاعتقاد في نفسي، أن الموسيقى، أكثر من غيرها، هي المنجى والخلاص، وهي الصحبة والسلوى في أكثر الأوقات توهّجاً وسعادة، وأشدّها غربة ويأساً... وفي هذا السياق أعجبتني جملة استعملها الموسيقي والباحث المصري الشاب، مصطفى سعيد، لوصف مجموعة  من المقاطع الموسيقية المصوّرة، وقد سمّاها "سماع الشفاء من زمن الوباء"، يصحبها بالدعاء لكي "نشفى من وباء الزمن وغربته، وغربتنا فيه". ويتهيّأ إليّ خلال السماع، أنني أشفى، ولو للحظات، من وباء الزمن وغربته، وغربتي فيه. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

آية الراوي

آية الراوي

كاتبة لبنانية مقيمة في إسبانيا

مقالات أخرى للكاتب