آخر تحديث:17:59(بيروت)
السبت 11/04/2020
share

مجموعة "النادي الأرستقراطي": عنصرية؟ أم حياة تتسع للجميع؟

شريف الشافعي | السبت 11/04/2020
شارك المقال :
مجموعة "النادي الأرستقراطي": عنصرية؟ أم حياة تتسع للجميع؟
في ظل أوضاع استثنائية محلية وعربية ودولية تقتضي أقصى طاقات الصحوة الإنسانية ويقظة الضمير الحيّ واستثارة الحد الأرقى للمشاركة بين قطاعات البشر، واقعيّاً وإلكترونيّاً، لمواجهة مظاهر الاحتجاب البدني المفروض ومعاني التغييب النفسية، تتشكل في الاتجاه المعاكس تيارات وممارسات تعمّق الأزمة، بتحويلها الفضاء الافتراضي بدوره إلى سجن داخل السجن، بما يعني خلق عُزلة مُركّبة.

لقد أذابت كارثة كورونا الأخيرة الكثير من الأفكار المتحجرة حول الأبراج العاجية ووجود أي معطيات مادية أو سلطوية أو ثقافية أو حتى علمية للتمايز العمَليّ على الأرض بين أبناء آدم في كل حدب وصوب؛ المنخرطين في محاولات تحدّي الوَحْش الهاجم بغير أفق واضح سوى الهزيمة حتى هذه اللحظة. واعتبر البعض أن من إيجابيات المحنة اقتراب الإنسان من حقيقته وجوهره، وتنكيس كل رايات الغرور والتكبر والاعتداد بالأنا المتضخمة.

من الممكن أن يقود الفراغ والإقامة المنزلية الجبرية إلى مزيد من التعمّق والتأمّل ليعيد المرء تعرية ذاته بحريّة وفهم طبقاتها الداخلية والتواصل مع الآخرين في نطاق أكثر صدقاً وحميمية ودفئاً وتمرداً على القيود، وفي هذه الحالة فإن الوعي والإدراك والمعرفة والنضج الروحي بمثابة مثبّطات طبيعية تُؤَمّنُ الانخراط في العوالم الافتراضية.

بل إن المشاركة المتزنة المقننة في صفحات السوشيال ميديا قد تكون مثمرة ومرغوبة في إطار هذا التصور التفاعلي التشاركي الخصب، الذي هو أبعد ما يكون عن تحذيرات الخبراء المعروفة من التعاطي الإلكتروني المفرط حد الإدمان والاستلاب الكامل وفقدان القدرة على التواصل الحي مع الآخرين والاستسلام الكلي للوهم والأنانية والبؤس والانجراف إلى الاكتئاب والفصام النفسي والحياة الباردة المحنطة وما إلى ذلك.

هذه اللحظة الفارقة من عمر البشرية تُعمّق الاحتياج إلى السوشيال ميديا وكافة نوافذ "الأونلاين" ومفاهيم الـ"من بُعد" لضرورات لانهائية أوسع من مجرد تحسين الرفاهية الاجتماعية، منها العمل واكتساب الرزق والتسوّق والتعلّم والقراءة والتثقف والتسلية وتوسعة شبكة العلاقات في عالم بات قرية صغيرة مصيرها واحد ويتابع سكّانها بشغف أنباء الصحة والسلامة ومستجدات معركة الفيروس المستعرة شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن كل إبحار إلكتروني يُترجم آليّاً إلى طوق نجاة، فللفراغ مقذوفاته الفارغة أيضاً، وفي الجلبة ثمة انفجارات لا تتجاوز حدّ الضجيج. عند هذا المستوى الضحل من الرغبة الفجة في مخالفة الإجراءات السائدة بشأن اقتراب البشر من بعضهم البعض مثلما لم يحدث من قبل، شهد الفضاء الافتراضي نشوء مجموعات نخبوية ومركزيات جديدة قد تشي بعصبية وتكريسات طبقية وفوقية وما إلى ذلك، بما يعد نشازاً صارخاً وسط الهارموني الكوني الراهن.

في هذا الإطار، انطلقت مجموعات مغلقة "جروبات" من قبيل "النادي الأرستقراطي تدعم نبرة التمايز والتفرقة، والغريب أن هذا النادي بفعل الإلحاح في توجيه مؤسسيه وأعضائه الدعوات الإلكترونية لفئات واسعة من المجتمع المصري، من بينهم المثقفون ورجال المال وسيدات الأعمال وغيرهم، قد تمكّن خلال ساعات قليلة من تكوين شبكة واسعة بلغت عشرات الآلاف من المتفاعلين النشطين.

يبدو الأمر للوهلة الأولى منفّراً ومثيراً للشفقة، خصوصاً أن القائمين على إدارة النادي مجموعة من الصحافيين والباحثين والأناس "العاديين" (بعيداً من بريق التسمية الكوميدية)، وربما يثير الأمر الشكوك للوهلة الأولى أيضًا حول أهداف تجسّسية بسبب طلب ملفات تعريفية خاصة بالأعضاء من أجل قبول عضويتهم، لكن الأكثر أهمية في هذا الصدد تناول مضمون الدعوة ذاتها، بما تحمله من غرابة، بل وشذوذ عن المنطق إلى أبعد الحدود. 

لا تحتمل تسمية "النادي الأرستقراطي" غير العنصرية، لكن البيان التأسيسي والشروحات الاستكمالية المثيرة تصرّ على غير ذلك، إذ يحمل النادي شعاراً مضادّاً مخادعاً هو "حياة تتسع للجميع"، ويذهب المانفيستو إلى مناورات لغوية عجائبية حول التكامل والتنوع في ممارسة فنون الحياة داخل المجتمع لمساعدة الإنسان في الرقي الذي يصل إلى حد الإبداع، وتوفير الآليات التي تمكنه من فرص الاختيار بحسب فكره وميوله ورغباته وطموحاته، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على المجتمع ليصبح شريكاً فعليّاً في تحقيق التنمية المستدامة بمفهوميها: الشخصي والعام.

أما الأكثر إدهاشاً فهو فعل الشيء ونقيضه، بمعنى إثبات هذه "الأرستقراطية" (ربما لجذب أكبر عدد من الفئات المستهدفة بدغدغة مشاعرهم بأنهم صاروا أرستقراطيين)، ثم نفي هذه الأرستقراطية بعد ذلك (ربما من باب التواضع!)، وتوصيف أصحاب الوعي بأنهم أولئك "النخبة" الذين يتمتعون بـ"أرستقراطية الفكر القائم على الأخلاق النبيلة وتعزيز القيم الإنسانية"، ومن ثم فإن هذا "النوع البشري" من "الطبقة الأرستقراطية" لا يوجد "بمعزل عن المجتمع"، ولا يتحرك خارج "الاستراتيجية العامة للدولة الرامية إلى تحقيق غد أفضل".

بمثل هذه الشعارات التي لا تقود إلى جملة مفيدة، والتناقضات الجليّة، يستجدي النادي مشاركات أعضائه وإسهاماتهم وأفكارهم المبدعة "المعبّرة عن عظمة مكانتهم في المجتمع!"، وذلك "من أجل النجاح، وللنجاح فقط"، ويعرّف النادي ذاته بأنه "مؤسسة تطوعية للخدمة العامة، ينسج خيوطها الأعضاء من القادرين على التأثير في المجتمع"، وتنتهي منشورات مؤسسه عادة بعبارة "#أرستقراطي_وأفتخر"!

ولعل الأمر الوحيد الذي يبدو جادّاً في هذه الثرثرة الهزلية كلها أن من أهداف النادي "نشر البهجة والمرح في الحياة"، وقد تحققت هذه البهجة بطريقة أخرى بالتأكيد، وذلك من فرط تداعي موجات السخرية اللاذعة التي أطلقها على السوشيال ميديا الآلاف من الذين رفضوا قبول دعوة الانضمام للنادي، واعتبروا هذه الأرستقراطية المزعومة تعويضاً عن الشعور بالدونية الطبقية، ووجدوا فيها مادة ثرية للتندُّر والاستهزاء بالفكرة، وبالفعل فإن "شرّ البليّة ما يُضحك".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها