آخر تحديث:13:42(بيروت)
السبت 07/03/2020
share

يحقّ لأهل إدلب الفرح بسماء آمنة!

ياسر أبو شقرة | السبت 07/03/2020
شارك المقال :
يحقّ لأهل إدلب الفرح بسماء آمنة! بعد جولة قصف روسية على ادلب في كانون الثاني 2019 (غيتي)
في بداية استقراري في فرنسا، قبل ثلاثة أعوام، كانت الأحاديث عن سوريا تشعرني دائماً بالغضب، مع أن المتحدثين، على اختلاف هوياتهم، كانوا يقصد في معظم الأحيان إبداء تعاطفهم مع الشعب السوري. إلا أن المزعج في الأمر، كانت التحليلات الجيوسياسية، والتي إن اهتمت بأدق تفاصيل الواقع السياسي، فإنها في معظم الأحيان تنكر على الناس الموجودين تحت القصف حق اختيار ما يرونه مناسباً، وحقهم في امتلاك تركيبة مشاعر تختلف تماماً عن الآخرين بسبب اختلاف تفاصيل حياتهم اليومية بكلّيتها، أو على الأقل هي لا تعلم عن هذه المشاعر شيئاً، ولا تأخذها في الحسبان.

عاودني الشعور ذاته في الآونة الأخيرة، بعدما بدأ الطيران التركي يقصف مواقع للنظام، مانعاً طيرانه من الوصول إلى سماء إدلب. وجلّ الناس المعنيين بالأمر بشكله المباشر، هلّلوا للموضوع، وأبدوا فرحاً شديداً ناجماً عن ارتياح يدركون كم هو مؤقت. فالناس في إدلب ليسوا بعيدين من تحليلاتنا الباردة والموضوعية والمهتمة بأدق التفاصيل السياسية للدول الكثيرة، العظمى والإقليمية، ذات النفوذ العسكري والاقتصادي في سوريا.

قبل ذلك، لمّا بدأ النظام، بمساعدة حلفائه وعلى رأسهم روسيا، قضم قرى ريف إدلب، الواحدة تلو الأخرى، قصف النظام موقعاً أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأتراك، وعلى الأثر، أرسلت تركيا مقاتلاتها لتمنع طيران الأسد من التحليق في سماء إدلب لأيام معدودات. هنا بدأت الحرب تشتعل بين السوريين، بين فرح بفراغ السماء السورية من الموت الأسدي الذي خيّم عليها وعليهم طويلاً، وبين اتهامات بالعمالة للنظام التركي.. لتبدأ حرب رديفة، بالآراء والاتهامات، معظم أطرافها خارج دائرة الخطر المباشر.

أعادني الجدل الدائر، إلى ذكرى لا تُمحى من البال، إلى العام 2013، حين كنت أعيش في منطقة الهامة في ريف دمشق، وكانت، بحُكم خروجها عن سيطرة النظام، تتعرض في معظم الأحيان لقصف مفاجئ يستهدف الناس في بيوتهم، ولا يقترب من الجبهات. في تلك الفترة، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عزمها على توجيه ضربات محددة لمواقع عسكرية تابعة للنظام السوري، كردٍّ على مجزرة الكيماوي التي قام بها النظام في الغوطة الشرقية. وكنا نعرف مسبقاً أن الضربات ستكون على مقربة منا، إذ لا بد لمركز بحوث جمرايا القريب، أن يتلقى بعضها، وهو المكان الذي صُنّع فيه السلاح الكيماوي، كما أشيع وقتها، ولأهمية هذا المركز في تذخير جيش النظام ببراميله الرخيصة. ضمنياً، كان كل من أعرفه ضد هذه الضربات، لأننا نعرف أنها ليست إلا للاستعراض، ولكرهنا الأزلي للولايات المتحدة وأهدافها الاستعمارية في المنطقة.

وخلال هذه الأيام المرتقبة، بدأ القصف فجأة، وأبرز ما أذكره أن مشاعرنا كانت أهدأ من المعتاد، لأننا، هذه المرة، عرفنا أننا لسنا الهدف، رغم إمكانية حصول أخطاء تودي بحياة الكثير من المدنيين. ومع الثواني التي تلت القذيفة الأولى، فالثانية، فالثالثة.. أدرك وعينا أن السلاح المستخدم هو قذائف مدفعية الهاون، التي يعشق النظام أن يستهل بها قصفه لأي منطقة قريبة منه. هنا، تبدلت وجوهنا جميعاً، واعترانا الهلع، وكل من في المنزل تراكضوا نزولاً إلى قبو البناء، فيما رحنا نخبر الجيران في الطوابق التي مررنا بها نزولاً، أنه النظام وليست أميركا، ليركضوا جميعاً معنا نحو القبو. فكلمة النظام وحدها، كانت كفيلة بأن يعلم الجميع أننا المستهدفون، وأنه لا يصح أن نبقى فترة أطول، لأن دواخل بيوتنا ستطاولها رصاصات القناصة المتمركزين في الجبال حول البلدة. وهذا ما كان.

لم يكن أحد ممّن تبدلت مشاعر القلق لديهم، بمشاعر الهلع، يحب أميركا، كما كان الجميع يكره أن تقصفنا. إلا أنه، في هذه الحالة، لو وضعتَ أي شخص في هذا الموقف، لفضّل أن يكون القصف أميركياً. فالشعور الفطري هنا هو الغالب. في لحظات الأدرنالين هذه، لا مكان للعقل والتحليلات النظرية. هنا، إما أن تصل إلى القبو، أو لا تصل. وبعد أن تصل، لو سمعت أحداً يقول ليتها كانت أميركا، ستفهم جملته بشكلها الصحيح وبسياقها المنطقي، ولن يخطر في بالك، ولا للحظة واحدة، أن أباً يحتضن أولاده في قبو، ويُستهدَف معهم بالقصف الحاصل، بات عميلاً لأنه تمنى أن تسحق أميركا المدفعية الموجهة نحو أطفاله، أو أنه جاهل بسياسات أميركا في المنطقة.

حدث هذا بعد مرور العام الثاني على الثورة، حين كان لا يزال هناك مجال للموضوعية، ولنقد الذات. فما بالك اليوم، بعد تسع سنوات من جحيم السماء المصبوب على أهل إدلب بشكل يومي؟ لدرجة أن الناس هناك باتوا يشعرون بغير ما يشعر به الجميع اتجاه السماء. أطفال تربوا على أن الطائرة هي مصدر رعب. لكن السماء الآن، زرقاء، للمرة الأولى في عيونهم. وصوت الطائرة فيها لا يسبب الهلع، بل يمنعه. كيف تقنع الناس هناك ألا يبتسموا لمنظرها الجميل، وألا يعبّروا عن بعض الراحة، وحتى الفرح أيضاً؟ ما المشكلة في ذلك؟ أن أردوغان صاحب هذا الطيران نفسه، يحتل أراضي من سوريا؟ هؤلاء الفرحون، هم أول المتضررين من هذا الاحتلال. والأكراد والعرب باتوا يعرفون سلوكيات جنوده، بشكل لا نستطيع تقديره إلا عبر الحكايات التي سمعناها منهم. أم المشكلة أن أردوغان يعمل لصالحه، لا لصالح الناس هناك؟ لكن أليس هذا البديهي والطبيعي في السياسة الدولية؟ أكثر من يدرك ذلك هو الإدلبي نفسه، الذي يقف على حدود تركيا ويموت برصاص الجاندرما وهو يحاول العبور إلى الطرف الآمن من السماء.

لا يستطيع أحد منع الناس من الفرح، بسماء لا تسكب عليهم الحمم يومياً، فكيف والحال أن الطيران الإسرائيلي بات قطعة من سماء دمشق، والدولي جزءاً من سماء المنطقة الشرقية؟ وهل سيمنع أحد سكان هذه المناطق من الفرح باختفاء كل هذا الطيران المختلط من سمائهم، وعودتها آمنة؟ وهل يصح أن يتعرضوا لدروس في الجيوبولتيك، فوق كل مصائب الدنيا التي عانوها خلال الأعوام الأخيرة؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها