آخر تحديث:18:55(بيروت)
الثلاثاء 31/03/2020
share

عبد الحليم خدام.. الانشقاق وحده لا يصنع مُعارضاً

وليد بركسية | الثلاثاء 31/03/2020
شارك المقال :
عبد الحليم خدام.. الانشقاق وحده لا يصنع مُعارضاً
عند وفاة وزير الدفاع السوري السابق، مصطفى طلاس، في باريس العام 2017، انقسم المعارضون للنظام على أنفسهم بين متعاطف معه ومع عائلته وبين شامت به باعتباره رمزاً من رموز النظام الأسدي، لكن ذلك الجدل المثير للاهتمام لم يتكرر اليوم بعد إعلان وفاة نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في باريس أيضاً، والذي توحد السوريون من الموالين والمعارضين في مشهد نادر، على اعتباره رجلاً خائناً.

ورغم أن الأسباب التي تدعو لاعتبار خدام رجلاً لا يستحق الاحترام، تختلف بحسب الموقف السياسي، ما يشير إلى خلافات عميقة حول معنى أن يكون المرء سورياً بعد 9 سنوات من انطلاق الثورة في البلاد، إلا أن النظرة العامة له تبقى سلبية، ربما لأن الخطايا القديمة لها ظلال طويلة، على ما تقول الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي. أي أن أفعاله التي لم تكن يوماً لصالح السوريين، أسست لحتمية الحكم عليه بهذه الصورة عند وفاته. فالموالون من جهتهم لم يسامحوه عن التخلي عن النظام بل اعتبروه "صاحب أول انشقاق في سوريا وأول من فتح أبواب تدمير سوريا من الخارج"، بينما نظر إليه المعارضون بدونية باعتباره جزءاً من النظام حتى بعد انشقاقه عنه.

والحال أن خدام شغل مناصب قيادية لنحو 30 عاماً، أهمها منصب نائب الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد، وتولى قبلها منصب وزير الخارجية ومناصب قيادية في حزب البعث الحاكم بسوريا. وانشق العام 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وانتقل للعيش في الخارج ليعلن خصومته للرئيس بشار الأسد متهماً إياه بسوء سياسته الخارجية، والمسؤولية عن اغتيال الحريري وعن تغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة. ثم شكل "جبهة الخلاص الوطني" بالتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين التي انسحبت من ذلك الحلف لاحقاً.

ولعل قصة النفايات النووية التي دفنت في البادية السورية قرب تدمر وأماكن أخرى، كانت الذكرى الوحيدة التي اشترك المعارضون والموالون في استعادتها عند الحديث عن خدام، حيث شكلت هذه القضية الغامضة التي تتحدث عنها التقارير الإعلامية والأحاديث الشفوية باستمرار من دون وجود تحقيق جدي بشأنها، رمزية لوحشية خدام بالتحديد بوصفه أحد الأسماء الأبرز التي تتهم بالحصول على أرباح هائلة بمئات ملايين الدولارات على حساب حياة السوريين وصحتهم.

ورغم الذكرى المشتركة إلا أن النظرة العامة لها تبقى مختلفة، فالموالون يعتبرونها تصرفاً فردياً يستحق المساءلة والمحاسبة والتخوين من قبل "الدولة السورية" بينما ينظر لها المعارضون ضمن سياق أشمل، كتعبير عن جوهر النظام الأسدي نفسه بوصفه عصابة تحكم البلاد منذ 5 عقود، وتذكيراً مريراً بالأسباب التي جعلت السوريين ينتفضون ضد النظام العام 2011 للمطالبة بالحرية والديموقراطية والكرامة.

ويبرز هنا دور خدام في قمع السوريين طوال عقود قبل انشقاقه عن النظام في كانون الأول/ديسمبر 2005، حيث استذكر السوريون دوره البارز كوزير للخارجية في تلميع صورة النظام السوري بالتزامن مع مجزرة حماة العام 1982. كما استذكر مثقفون ومعارضون بارزون الدور الذي لعبه في قمع ربيع دمشق العام 2001، وهي فترة قصيرة لم تدم سوى سبعة شهور، بعد استلام بشار الأسد الحكم إثر وفاة والده حافظ الأسد. وتصريحه الشهير حول "جَزأَرة سوريا" عندما قال أن "المنتديات تهدد أمن واستقرار البلاد، والبلد ليس بحاجة إلى ديموقراطية توصله إلى ما وصلت إليه الجزائر"، في إشارة للمنتديات الثقافية والفكرية والسياسية التي انتشرت في تلك الفترة.

ولعل ما يزيد جرعة المرارة في الموقف ككل، هو بقاء النظام كسلطة حاكمة في البلاد، ولو بصورة شكلية، بعد سنوات الثورة السورية والرفض الشعبي لرموز النظام من جهة، ورغم تغير الأسماء ضمن النظام نفسه على مر السنوات. حيث أثبت النظام أنه يمتلك القدرة على تعويض الأسماء التي يفقدها، تحت ظروف الموت أو الانشقاق، والحفاظ على هيكلية ما بالحد الأدنى. وربما تعطي حالة خدام مؤشراً على ذلك، وإن كانت تظهر في الوقت نفسه، مدى انهيار الهوية السورية في ظل الخلاف حوله بين معسكري الموالين والمعارضين رغم الإجماع بينهما على تخوينه.

وفي هذا السياق يوصف خدام بأنه أحد رجالات الحرس القديم، ويرتبط أكثر بالرئيس السابق حافظ الأسد، بدلاً من ابنه بشار. ولا يصبح انشقاقه كافياً لينال شهادات في الوطنية والإخلاص، بل على العكس تماماً، كان انشقاقه جزءاً من الصراع على السلطة في سوريا بعد وفاة حافظ الأسد، ومثلما كتب الباحث السوري عبد الرحمن الحاج: "مات عبد الحليم خدام الرجل الذي انشق لأنه تهمش في النظام في عهد وارثة السلطة. لم تكن له قضية تتعلق بالشعب السوري وعذاباته فقد كان شريكاً للأسد الأب فيها. كان واحداً من أوقح السياسيين على الإطلاق".

على أن هذا الموقف من خدام لم ينسحب نحو أشخاص آخرين شكلوا جزءاً من النظام على مستويات عديدة، ومن بينهم طلاس الذي بقي موقفه من الثورة السورية مبهماً حى وفاته رغم انشقاق ابنه مناف، القائد السابق لـ"اللواء 104" من "الحرس الجمهوري" في تموز/يوليو 2012. وكذلك أشخاص آخرين باتوا قادة ضمن المعارضة السورية مثل رئيس الوزراء السابق رياض حجاب على سبيل المثال. ويطرح ذلك أسئلة لا بد منها حول المعيار الذي يحدد مدى الوطنية أو مفاهيم عامة مثل المعارضة أو الانتماء لوطن ممزق بفعل الحرب الطويلة، إلى جانب الحقيقة الصارخة بأن الدولة التي عرفت في يوم ما باسم سوريا توقفت بالفعل عن الوجود، مع تحولها إلى كانتونات وتيارات متصارعة، تقول كل منها أنها تمتلك الرؤية الوحيدة الصحيحة لمستقبل البلاد ومعنى أن يكون الشخص سورياً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها