آخر تحديث:17:52(بيروت)
الخميس 26/03/2020
share

عندما طاردتني الشرطة الفرنسية

وليد بركسية | الخميس 26/03/2020
شارك المقال :
عندما طاردتني الشرطة الفرنسية مدرعات الشرطة السورية الجديدة في دمشق (فايسبوك)
قد لا تختلف الحياة في الريف الفرنسي خلال الحجر الصحي وإجراءات منع التجول، عن حالتها في الأيام العادية، باستثناء بعض التفاصيل البسيطة كإغلاق بعض المحلات القليلة المتوفرة، أو تعذر الوصول إلى نهر السين للتنزه على ضفافه والتمتع بالطبيعة لساعات والتقاط الصور للبجعات الجميلات ونشرها في "أنستغرام".


منذ أواخر العام 2018 أقيم في بلدة فيرنون في منطقة النورماندي الفرنسية، ليس بعيداً من باريس في الواقع. أحب العزلة التي يوفرها المكان لي، لكنني هذه الأيام أفتقد الرحلات المنتظمة إلى العاصمة للقاء الأصدقاء والاستئناس بالحضور البشري الذي لا أصادفه في الريف سوى بأعداد قليلة ومن مسافة بعيدة غالباً. ورغم أن درجة العزلة في الحجر الصحي لم تختلف كثيراً، إلا أن هذه الأيام "الهادئة" سجلت أول احتكاك لي بالشرطة الفرنسية، فقد طاردني عنصران في الشارع من أجل إبراز التصريح الخاص بالخروج من المنزل.

حسناً، يجب علي الاعتراف بأن كلمة المطاردة تحمل شيئاً من المبالغة حتى بالنسبة لي كشخص يفضل الدراما على الحياة الحقيقية، ويفضل الخيال على الواقع لدرجة أعتقد معها أن الرب نفسه، لو كان موجوداً بالطبع، لا يمتلك الخيال الكافي لجعل الحياة مثيرة حقاً مثلما ينبغي أن تكون عليه، بأن يوفر المياه النقية للكوكب من دون كآبة فصل الشتاء وبأن تكون البوكيمونات حيواناتنا الأليفة فعلاً، بدلاً من القطط والكلاب وأسماك الزينة وعصافير الجيران المزعجة.

والحال أن المطاردة لم تكن أكثر من توقف سيارة الشرطة بجانبي، وإهمالي لها بالكامل لجهلي بأن أولئك الأشخاص اللطيفين الذين يقودون سيارة لا تحيط بها تلك الهالة المخيفة من البؤس والعنجهية والهمجية التقليدية في الشرق الأوسط، هم من الشرطة. أكملت سيري وأنا أتمتع بالشمس وأستمع لبريتني سبيرز وهي تغني "Criminal"، قبل أن ألاحظ أن رجلين يركضان ورائي لعدة أمتار ويوقفانني وهما يضحكان. وأخبراني أنهما دورية تراقب حظر التجول المفروض في البلاد حالياً لمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد.

تحدثنا بالانجليزية لأنني لم أتقن الفرنسية طوال هذه الفترة من حياتي في فرنسا. أعطيتهم تصريح الخروج من المنزل وأخبرتهم أنني لم أميزهم كأفراد من الشرطة لأن صورة الشرطة في ذهني مرتبطة بقوات الأمن في الشرق الأوسط. لم يكن خروجي من المنزل إجرامياً مثل مازالت بريتني سبيرز تغني في رأسي وأنا أحدثهما، كنت متجهاً إلى السوبر ماركت فقط، وهي واحدة من الرفاهيات في زمن الحجر الصحي، يا لها من حياة مثيرة فعلاً. تمنيا لي وهما يضحكان أن أقضي وقتاً ممتعاً في السوبر ماركت، وقدما لي معقماً ليديّ وانصرفا، تمنيت لهما السلامة بالمقابل.

في الوقت نفسه، كان مقطع فيديو ينتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لدورية من الشرطة توقف أحد المدنيين في دمشق لمخالفته تعليمات حظر التجول المسائي الذي طبق للمرة الأولى مساء الأربعاء حتى فجر الخميس. وبالطبع تم اقتياد المواطن المسكين من قبل الشرطي يونس إلى "الفرع" من أجل "معالجة وضع المواطن". ورغم أن الفرع المقصود في الفيديو ليس سوى "فرع المرور" على الأغلب، إلا أن الكلمة بحد ذاتها تشكل بحد ذاتها سبباً كافياً للشعور بالخوف، أو استذكاره، لارتباطها بتاريخ طويل من العلاقة المرعبة بين السوريين وبين الأفرع الأمنية، حيث تجري الاعتقالات التعسفية وعمليات التعذيب والاستجواب والإذلال والقمع.



وفيما أصبح الشرطي يونس، نجم السوشيال ميديا السورية، لساعات قليلة على الأقل، مع تأليف مئات النكات حوله، بوصفه رمزاً لقوى الأمن السورية التي تتحكم بجميع مفاصل الحياة في سوريا منذ عقود، كرر كثيرون العبارة التي وردت في الفيديو "بهدوء يا يونس" وهم يتندرون لأن المواطن المسكين الظاهر في الفيديو، قد يعتقل ويقتل بدم بارد لكن بهدوء وبلا جلبة، لأن المرحلة الجديدة تتطلب اللباقة والتهذيب. وكتب أحد المعلقين على سبيل المثال: "أقصر قصة رعب تختصر بكلمتين. بهدوء يا يونس".

وإن كانت المطاردة التي تخيلتها وأنا أتصور نفسي المجرم الجذاب الخارج عن القانون والـ"Bad Boy" الذي وقعت بريتني سبيرز في حبه وغنت له "He is a villain by the devil's law"، مبالغة لا يمكنني للأسف المجادلة في صحتها، فإن ما يذهب إليه السوريون من مقاربات، ليس شططاً في الخيال، بل هو الواقع المظلم الذي لا يحتاج كثيراً من الشرح، ويعرفه كل من عاش في سوريا أو زارها لفترة وجيزة.

وهنا، انتشرت صور لانتشار دوريات الشرطة في مناطق سورية مختلفة بعد حظر التجول في البلاد: عربات مدرعة تبدو أقرب لمصفحات تتجه إلى جبهات الحرب، بدلاً من كونها دوريات تحاول العمل من أجل مصلحة الناس في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الكوكب. وذلك ليس غريباً في بلد اعتبرت فيه السلطة شعبها عدوها الأول، وقامت منذ العام 2011 بحرب ضد الشعب نفسه من أجل قمعه إثر مطالبته بالحرية والديموقراطية والإصلاح السياسي والاجتماعي.



وترتبط الأجهزة الأمنية في سوريا الأسد بمكتب الأمن القومي، الذي يتبع لرئاسة الجمهورية مباشرة، ما يجعله المتحكم الأوحد بالبلاد نظرياً، بعكس مبادئ فصل السلطات التي تتحدث عنها كتب القومية المدرسية. ويتطلب القيام بأي عمل أو نشاط في البلاد الحصول على موافقات أمنية من تلك الأجهزة، بغض النظر عن هيكليات الإدارات والوزارات والقوانين والدستور، علماً أن الأجهزة الأمنية في البلاد تتألف من شعبة الاستخبارات العسكرية وشعبة الأمن السياسي وإدارة أمن الدولة وإدارة الاستخبارات الجوية وإدارة الأمن الجنائي وإدارة الجمارك. ويتبع لكل منها فروع أمنية تتخصص كل منها في مراقبة فئات من السوريين أو تتخصص في نوعية مختلفة من الملاحقات.

ويجب القول أن مقطع الفيديو بالطبع ليس عفوياً، بل هو نوع  من الدعاية غير الرسمية، حيث تم "تسريبه" من قبل "صحافيين" كانوا متواجدين "بالصدفة" في مكان الحادثة. ورغم أن سلطات النظام تحارب فيروس كورونا وليس قوى الشر الكونية و"العصابات الإرهابية المسلحة"، إلا أن المنطق الذي ينطلق منه الخطاب الرسمي في الحالتين يبقى واحداً ويقوم على عنصر الخوف بوصفه جزءاً من الحمض النووي لجميع الأنظمة الاستبدادية. وتصبح السلطة الأسدية هنا هي مصدر الخوف والحامي منه في الوقت نفسه، لأن شرط الطاعة للنظام فيما يفرض من قوانين ينفي العقوبة التي تتمثل في الضخ الدعائي بالموت بفيروس كورونا أو بالاقتياد للفرع، وهما نتيجتان تتساويان في درجة الشناعة ربما.

هذا النوع من التهديد الذي يقوم به النظام، يشكل عنصراً ضرورياً لبقائه، لكونه يضمن خضوع الشعب في مختلف الظروف. ويمتد هذا العقد الاجتماعي المشوّه، القائم على ثنائية الخوف - الحماية، نحو خلق مصادر خوف خارجية متنوعة، من العدو التقليدي إسرائيل، إلى دول المؤامرة والشر، وصولاً إلى "الإرهاب" الذي تمثله المعارضة، وليس انتهاء بفيروس كورونا، الذي ربطته وسائل الإعلام الرسمية بنظرية المؤامرة على "حلفاء الدولة السورية"، الصين وإيران، بعد انتصارات "الجيش السوري" الأخيرة في إدلب.

شاهدت الفيديو ليلة أمس، ولم أستطع سوى تذكره وأنا أكمل سيري بعد انتهاء مغامرتي القصيرة مع الشرطة الفرنسية، وفكرت بكل الانتهاكات التي تجري في الأفرع الأمنية السورية، وكيف كان تفكيك الدولة البوليسية أحد المطالب الأساسية للثورة السورية، حيث عبر السوريون طوال عقد كامل عن حاجتهم لنظام سياسي يلبي تطلعاتهم ضمن عقد اجتماعي جديد لا يقوم على الخضوع والتخويف، ولهذا بالتحديد تبقى الثورة السورية مستمرة ولو ادعى النظام العكس.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها