آخر تحديث:15:38(بيروت)
الأربعاء 25/03/2020
share

هل حقاً توصلت فرنسا إلى علاج للكورونا؟

حسن مراد | الأربعاء 25/03/2020
شارك المقال :
هل حقاً توصلت فرنسا إلى علاج للكورونا؟ البروفيسور ديديه راوولت: الكلوروكين هو الحل
بالتوازي مع الانتشار الواسع لفيروس كورونا في شتى بلدان العالم، ضاعف الجسم الطبي جهوده لطرح علاج لهذا الوباء. لكن النتائج التي توصل إليها البروفيسور الفرنسي ديديه راوولت لم تبعث على الارتياح في الأوساط الطبية والسياسية الفرنسية، بل أثارت بلبلة وتساؤلات أكثر مما وفرت أجوبة. بلبلة تحولت إلى سجال وحرب إعلامية بين المؤيدين لراوولت والمتحفظين على تجاربه. 

في 25 شباط نشر راوولت، في الموقع الالكتروني لمعهد Méditérannée Infection، فيديو تناول فيه فعالية الكلوروكين في علاج الكورونا وأتبعها يوم 16 آذار بالكشف عن النتائج الأولية لتجاربه والتي أكد نجاحها بنسبة 75%، تجارب خضع لها 24 مصاباً بالكورونا، تماثل عدد منهم للشفاء بعد ستة أيام بفعل جرعات من الكلوروكين إلى جانب الازيترومسين (مضاد حيوي).

والكلوروكين هي المادة الأساسية المستخدمة لصنع عقار البلاكونيل المعتمد للوقاية والعلاج من الملاريا، وقد استند البروفيسور راوولت في ذلك إلى أبحاث صينية تعود لسنوات سابقة إلى جانب تصاريح صحافية أدلى بها مؤخراً أطباء صينيون. 

ورغم تغطية الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية منذ البداية للنتائج التي توصل إليها ديديه راوولت، فقد أخذ الموضوع منحنى مختلفاً ابتداء من الاثنين الماضي، عقب إعلان البروفيسور أنه سيبادر إلى وصف هذا العلاج للمصابين بالكورونا من دون انتظار نتائج التجارب التي ستجري على المستوى الأوروبي. تجارب أعلن عنها وزير الصحة الفرنسي، مساء الأحد 22 آذار، وستتضمن اختبار أربعة علاجات محتملة للكورونا من ضمنها الكلوروكين. صحيفة "ليبراسيون" عنونت في صفحتها الأولى "الكلوروكين: أمل أم سراب؟" مصحوبة بصورة لديديه راوولت، وعلى هذا المنوال سارت أقرانها. 

إذا استعدنا ما صدر في الإعلام الفرنسي خلال الأسابيع الماضية، ولغاية الثلاثاء 24 آذار، نستنتج أن المسألة تعدت التغطية الصحافية لتتحول إلى حرب إعلامية تبدو في ظاهرها سجالاً طبياً. فالعديد من الصحف والوسائل الاعلامية أضحى منبراً للمعترضين على أعمال راوولت: نائبة  مدير معهد بيار لويس لعلم الأوبئة، دومينيك كوستاغليولا، اعتبرت عبر صحيفة "لوموند" أن هذه الدراسة غير دقيقة لناحية النتائج. وأضافت أنه فيما لو قُدِمت على هذا النحو لمجلة علمية وخضعت لتقييم لجنة محايدة، لن تعرف طريق النشر.

من جهتها كارين لاكومب، الطبيبة المتخصصة في الأمراض المُعدِية، وعبر شاشة France2، وصفت ما يجري في أروقة معهد Méditérannée Infection بالفضيحة.  

في الواقع، تمحورت الانتقادات بشكل رئيسي حول حجم العينة، أي أعداد المصابين الذين خضعوا للاختبار: 24 شخصاً عددٌ غير كاف للتحقق من فعالية العلاج. وطاول التشكيك أيضاً منهجية التجربة التي لم تلتزم بمعايير "اختبار التعمية المزدوجة" أو "التجربة مزدوجة التعمية" (Double-blind test)، كما لم تشمل هذه العينة حالة واحدة من الحالات المستعصية، وهو ما لم يستطع راوولت نفيه. 

ودارت كذلك شكوك حيال التلاعب بالنتائج النهائية بعدما اتضح استبعاد عدد من المصابين من النتيجة المعلن عنها رغم خضوعهم للاختبار. ولم تستثنِ الانتقادات الآثار الجانبية  للكلوروكين، خصوصاً في ما يتعلق بالنوبات القلبية.  

ببساطة، تعتبر الشريحة المعترضة على تجارب ديديه راوولت، أن الظروف الصحية الاستثنائية التي تعرفها فرنسا لا تبرر تخطي البروتوكولات الطبية مرعية الإجراء، بروتوكولات تحدد آلية اعتماد أي علاج طبي جديد.  

وطاولت الانتقادات الجانب الشخصي. فعبر صحيفة "لوفيغارو" اتُهم راوولت، من قبل أشخاص فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، بجنون العظمى وحب الظهور الإعلامي. وجرى التذكير بكتاب Malscience لنيكولا شوفاسوس-لويس، الذي اتهم من جهته راوولت بالسطو من دون وجه حق على الأبحاث العلمية، إذ لا يعقل أن ينشر أي باحث في الشهر الواحد ست مقالات علمية، وفقاً لشوفاش.  

لم يقف راوولت مكتوف الأيدي، بل أدلى بالعديد من المقابلات الصحافية (لو باريسيان، لا بروفانس، minutes20 ...) دافع فيها عن تجاربه وهاجم منتقديه لا سيما السياسيين الذين يطالبون بالمزيد من الإثباتات العلمية. فاعتبر في هذا الصدد أنه غير معنيّ بهؤلاء الذين لم يقرأوا كتاباً طبياً واحداً في حياتهم. حتى زملاء المهنة لم يسلموا من سهامه، فالأطباء المنتقدون له في الاعلام يفتقدون، في نظره، للكفاءة العلمية، في استخفاف واضح بهم. 

وأضاف راوولت أن آداب المهنة تفرض عليه وصف هذا العلاج للمصابين بعدما تأكد من فعاليته، وعدم إضاعة الوقت في إنتظار نتائج التجارب الأوروبية. وللدلالة على مكانته العلمية المرموقة، كشف أن كبرى المستشفيات العالمية تواصلت معه لهذا الغرض مثل Massachusetts General Hospital وMayo Clinic.   
 
ولم يقف به الأمر عند هذا الحد: ففي مقابلته مع minutes20 أشار إلى توافر العلاج بثمن زهيد (10 سنتات للحبة الواحدة)، ما يمكن اعتباره رسالة مبطنة مفادها أن عرقلة مشروعه هو لأسباب مادية. فعلاجٌ متوافر في الأسواق من شأنه قطع الطريق على المستفيدين المحتملين من استحداث عقار جديد للكورونا (شركات الأدوية مثلاً). 

بالتوازي وخلال مقابلته مع صحيفة لابروفانس، انتقد الإجراءات الرسمية الخاصة بمواجهة الكورونا، رافضاً الالتزام بالتعليمات الحكومية، ومعلناً انحيازه للنموذج الكوري الذي لا يتردد في إجراء الفحوص على نطاق واسع، خلافاً للنموذج الفرنسي. 
 
والتطرق لهاتين النقطتين ليس بريئاً على الإطلاق: فما اتخذته الحكومة من إجراءات لمواجهة الكورونا، لا سيما سياسة الفحوص الطبية محدودة النطاق، باتت عرضةً للانتقاد من قبل الشارع الفرنسي. أما مسألة ثمن الدواء، فهي بالغة الحساسية للقارئ الذي لن يرضى بتحول أزمة الكورونا إلى منفعة مادية على حساب الفئات الشعبية، إذ يسود انطباع أن مصالح مشتركة تجمع أهل السلطة بشركات الأدوية.    

ومثلما شُرِّعَت المنابر للمعترضين، اتسعت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي للرأي الآخر. صحيفة "لوفيغارو" نشرت مدونة للجراح اوليفيه بادلون، رأى فيها أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تفرض شيئاً من المرونة على مستوى البروتوكولات الطبية. فالوقت يداهمنا، على حد وصفه، والمضاعفات الجانبية للكلوروكين لا تقارن بخطر الموت الذي يسببه فيروس كورونا. وتساءل بادلون عن الوقت الضائع في ما لو أثبتت الأيام صحة نظرية ديديه راوولت.  

طبيبٌ آخر لم يشأ الإفصاح عن هويته اعتبر من خلال "ليبراسيون" أن شيئاً لا يمنع البروفيسور راوولت من وصف هذا العلاج لمرضاه. الأمر الوحيد الذي يتعين عليه الالتزام به هو عدم تسويقه على نحو تجاري طالما لم يستوفِ الإجراءات المطلوبة. 

لكن الدعم الذي تلقاه راوولت لم يأتِ فقط من الاختصاصيين، فرئيس بلدية نيس كريستيان إستروزي أكد عبر شاشة BFMTV تعافيه من الكورونا بعدما وضع ثقته في هذا البروفيسور، مستغرباً تقاعس فرنسا عن اعتماد هذا العلاج في زمن الحرب (في إشارة إلى تعبير "الحرب الصحية" الذي استخدمه إيمانويل ماكرون). حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشاد في تغريدة بما توصل إليه ديديه راوولت. 


وعبر صفحته في فايسبوك تناول جيلبير كولارد، النائب في البرلمان الأوروبي عن حزب التجمع الوطني الفرنسي، ما يتعرض له ديديه راوولت من تشهير؛ فقد اتهم صراحة إيف ليفي بالضلوع في هذا الأمر. إيف ليفي، هو زوج آنييس بوزان، وزيرة الصحة التي استقالت من منصبها قبل نحو شهر لخوض معركة الانتخابات البلدية. بالتوازي تولى ليفي، حتى العام 2018، رئاسة معهد INSERM الذي يشرف اليوم على التجارب الأوروبية المذكورة أعلاه.

وفقاً لكولارد، اتسمت العلاقة بين ليفي وراوولت بالتوتر، ويعتبر كولارد أن ليفي يسعى إلى وضع العصي في دواليب راوولت على سبيل تصفية الحسابات. من جانب آخر، تركيز كولارد على العلاقة الزوجية التي تربط بوزان بليفي، يحمل تلميحاً لاستخدام الأخير لنفوذ زوجته بغية الوصول إلى مبتغاه.    

تحدي راوولت لقرار وزير الصحة وتغريده خارج السرب الطبي هو ما ضاعف اهتمام الصحافة به ودفعها للمزيد من التغطية، ودلت التغطية على انقسام الجسم الطبي الفرنسي إلى رأيَين اثنين: الأول "يقدس" البروتوكولات الطبية معتبراً أنها وُجدت لضمان سلامة المرضى وليس للتعقيد الإداري، وبالتالي القفز من فوقها قد يعرض حياة المصابين بالكورونا للخطر. أما الرأي الآخر فيرى في الظروف الاستثنائية مبرراً كافياً لتجاوز هذه الإجراءات بغية الإسراع في إيجاد العلاج. 

المعارضون يستندون إلى حجج علمية لا لبس فيها. ديديه راوولت نفسه لم يقدم في كل مقابلاته حجة علمية مضادة، بل اعتمد سياسة الهروب إلى الأمام عبر تحقير الطرف الآخر. من هنا نفهم سبب لجوئه إلى الإعلام على نحو واسع: راوولت يسعى لاستمالة الرأي العام الفرنسي وتحويله لأداة ضغط على الحكومة بهدف اعتماد اختباراته كعلاج رسمي للكورونا.  

لكن من الواضح أنه لم ينل مراده حتى اللحظة: فالوسائل الاعلامية حرصت على عرض وجهة نظر الطرف المقابل، حتى لا يتراخى الفرنسيون في إجراءات الوقاية، وبالتالي إفراغ الحجر الصحي من معناه. بدورها لم ترضخ الجهات الرسمية لهذا "الابتزاز"، فالمجلس الأعلى للصحة العامة سمح باستخدام الكلوروكين في الحالات المستعصية حصراً (آخر الدواء الكيّ). أما وزير الصحة، أوليفيه فيران، فاعتبر من جهته أنه من غير الممكن اتخاذ قرار سياسي بهذا الحجم في ظل غياب الأدلة والبراهين العلمية الكافية.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها