آخر تحديث:17:56(بيروت)
الأربعاء 25/03/2020
share

صلاة النجاة من كورونا

وليد بركسية | الأربعاء 25/03/2020
شارك المقال :
صلاة النجاة من كورونا
لعل المقاربة الدينية التي اكتظت بها مواقع التواصل الاجتماعي العربية، لفيروس كورونا المستجد، والتي أحالت النجاة منه حكماً إلى قوة الإيمان وعظمة المقدس، بدلاً من المقاربة العلمية أو تشجيع الجهود الطبية لإيجاد لقاح قريباً كما هو الحال في المقاربات التي ظهرت في المواقع نفسها بالانجليزية، تعطي إجابة مختصرة عن السؤال التقليدي حول أسباب تخلف مجتمعات الشرق الأوسط وتقدم الغرب.

وانتشرت عبارة "نحنا السوريين الله حامينا" و"سوريا الله حاميها" للرد على "إشاعات كورونا" وكررها إعلاميون تابعون للنظام السوري، وممثلون مشهورون مثل دريد لحام في لقاءات صحافية، علماً أنها العبارات نفسها التي انتشرت العام 2011 مع أحداث الربيع العربي، وتم ترويجها من طرف السلطة، للقول أن "المشاكل" تحصل في محيط سوريا ولا يمكن أن تصل إليها بوجود "القيادة الحكيمة"، ثم تم اعتمادها بعد الثورة مع إضافة كلمة الأسد إلى الله كمصدر للحماية: "سوريا الله والأسد حاميها".

ورغم أن التقارير التي يبثها التلفزيون السوري الرسمي بانتظام مؤخراً، والتي ترصد عدم التزام كثير من السوريين بتوجيهات الحجر الصحي الطوعي في البلاد، تهدف إلى إلقاء اللوم على السوريين أنفسهم عند انتشار وباء كوفيد-19 بدلاً من الأجهزة الرسمية المقصرة حكماً والفاقدة لشرعيتها بعد سنوات الحرب الطويلة، إلا أنها تشير إلى نتيجة مفروغ منها، تتمثل في اتجاه عام للالتجاء إلى القوى الغيبية في هذه الظروف العصيبة بحثاً عن الشعور بالأمان.

ولا يختلف السوريون عن شعوب المنطقة، التي مازال فيها المقدس الديني سلطة ذات نفوذ على حياة الأفراد. ولا يتعلق الحديث هنا بالمؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر، أو برجال الدين، بوصفهم هيئات مرتبطة بالسلطة السياسية فقط، بل بالنص الديني نفسه الذي يتحكم في حياة الأفراد، ويجعلهم يكررون عبارات مثل "الله هو الحامي" في الرد على الدعوات للحجر الصحي ومنع الصلوات الجماعية وطقوس العبادة التقليدية التي لم تنقطع وتيرتها طوال قرون، في تجاهل للخطر الحقيقي الذي يمثله فيروس كورونا المستجد على البشرية.

وفيما قال مؤذن في مقطع فيديو في الكويت بصوت متهدج: "صلّوا في بيوتكم" بدلاً من نداء "حي على الصلاة" التقليدي في الآذان الإسلامي، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي العربية، بمنشورات يتحدى فيها المؤمنون، الفيروس، بقوة إيمانهم فقط. حتى القابعون في منازلهم عبّروا بشكل أو بآخر عن الطريقة نفسها في التفكير، ودعوا مثلاً إلى "الاعتكاف" بمعناه الديني الإسلامي والتفرغ للعبادة من أجل الخلاص من البلاء. ويختلف ذلك عن قوة العلم التي تحدث عنها مثلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أول خطاب له للأمة الفرنسية حول فيروس كورونا.

بالإضافة إلى المشاهد السابقة من إيران والعراق، لأشخاص يقتحمون المزارات الشيعية المقدسة رغم التوجيهات من مرجعيات سياسية ودينية بإغلاق المراقد الشيعية، برزت مقاطع فيديو لسكان مدن عربية مثل طنجة المغربية وعمّان الأردنية وغيرها، وهم يصيحون بعبارات التكبير: "الله أكبر" في وجه المرض، كما انتشرت مقاطع فيديو لمسيرات ليلية في المغرب لأفراد يرفضون حظر التجول ويصيحون بعبارات التكبير في الشوارع أيضاً. ولا يمكن سوى الشعور بفرق شاسع بين هذه الصيحات اليائسة وبين مقاطع الفيديو التي يحيي فيها الناس الأطباء والممرضين والفرق الإسعافية، في دول مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا التي شهدت أرقاماً كبيرة في الإصابات بفيروس كورونا المستجد.

وهنا، تختفي الحدود بين المقدس وبين من يقدسونه. أي أن الإله الابراهيمي في عليائه يصبح جزءاً من الحشود البشرية التي تتضرع له على الأرض بقصد الحماية، عندما يمنحهم الحصانة من المشاكل المحيطة بهم والتي تصيب من لا يقدسونه فقط. ومع توسيع نطاق هذا المعيار تصبح المنطقة جغرافياً مقدسة بدورها، ليس لأنها تضم أماكن عبادة مقدسة فقط، بل لأن الناس فيها يعتقدون بأن هنالك قوة مقدسة تحميهم دون غيرهم، وهو ما يبرز في السباق نحو الحديث عن أولوية الأحقية في القداسة في أرجاء المنطقة.

ويمكن تلمس صراع حول من يحق للرب أن يحميه أولاً: المؤمنون في مكة والمدينة مهد الإسلام، أم في دمشق التي تتحدث عنها النبوءات الدينية، أم في بيت لحم مهد المسيح، أم في غيرها من المناطق صاحبة التاريخ الطويل من القداسة؟ ولا ينحصر ذلك كله في نطاق الحدود السياسية بين الدول المعنية بهذه الحوارات العجيبة، بل يمكن تلمسه على صعيد محلي أيضاً بين البلدات المتجاورة، التي يصبح لكل منها تاريخ طويل من القداسة، بشكل الأولياء الصالحين والقديسين الطاهرين الذين يمتلكون القدرة على الشفاعة في أقل تقدير.

ويحيل ذلك بدوره إلى الأحقاد التاريخية التي تجلت في يقين بهلاك الآخر في المناطق "غير المقدسة"، والشماتة في المرضى لأن الفيروس، حسب وجهة النظر هذه، تعبير عن غضب إلهي أو انتقام رباني من البشر بسبب "انتشار المعصية". وامتد ذلك المنطق نحو الأحقاد الجديدة الناشئة، حيث عبّرت صفحات موالية للنظام السوري مثلاً، عن يقين بأن الفيروس سينتشر فقط في "مناطق سيطرة الجماعات الإرهابية المسلحة" فقط، دوناً عن مناطق سيطرة "الدولة السورية". ومن المسلي ملاحظة أن وجود إصابات بالمرض في منطقة يفترض أنها محمية بسبب قداستها، ما يُفسر بأنه إما انتقاء من العناية الإلهية للعصاة فيها من أجل تطهيرها، أو بلاء للمؤمنين يجب الصبر عليه من أجل نيل الثواب.

المشكلة في ذلك كله، لا تتعلق بالإيمان من عدمه، في وجود القوى الغيبية، بل في سطوة النص الديني على أي حدث يومي في الحياة العربية، وبالتحديد افتراض نهاية العلم في وجود النص نفسه، ما يلغي أي حاجة للبحث والابتكار بالضرورة. فكرر رجال الدين المحليون، من بينهم شيوخ الأزهر ودار الإفتاء المصرية، الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الأوبئة واقتراب يوم القيامة، وقال رجال دين شيعة في إيران أن المرض مقدمة لظهور المهدي المنتظر. وانتشرت من جديد المقولات الخاصة بالطب النبوي وفوائد "حبة البركة"، ونشأ جدال حاد في لبنان حول تراب مارشربل. والأسوأ، أن الوباء بات يُربط تلقائياً، في الخطاب الديني، بمفاهيم سياسية مثل الربيع العربي والتمرد والمعارضة، وصولاً للدعوة إلى وجوب طاعة ولاة الأمر، أي القادة المستبدين في المنطقة، وإلا كان العقاب إلهياً.

ومن المفهوم أن يكون الخوف في هذه الظروف العامة من عدم اليقين بشأن  الفيروس، دافعاً للمتدينين في العالم كي يكونوا أكثر تمسكاً بالشعائر الدينية، ويتعزز ذلك في دول المنطقة بعامل انعدام الثقة بالحكومات العاجزة. وربما شكَّل، في ظل تأخّر العلماء في الدول العلمانية في إيجاد لقاح أو حل لانتشار الفيروس في الوقت الحالي، سبباً إضافياً لتزمت المتدينين بهذه الصورة، حيث يمثل الدين نوعاً من الملاذ، بحثاً عن العزاء في وجه خطر مجهول، مثلما كان عليه الحال طوال تاريخ البشرية.

وفيما انتشرت بعض النكات حول استجداء المؤمنين للملحدين في الغرب لإيجاد اللقاح بسرعة من أجل التفرغ لتوجيه اللعنات لهم بأمان، فإن استجداءً من نوع آخر برز أيضاً، مع اقتباس عبارات من تقرير لمجلة "نيوزويك" الأميركية ناقش قوة الإيمان للخلاص من الفيروس، وتحدث فيه أطباء عن أن النبي محمد نفسه دعا إلى الحجر الصحي عند انتشار الأوبئة، ما يعني في سياق التقرير أن الصلاة وحدها لا تكفي للنجاة. وتحول ذلك، كما هو متوقع في الاقتباسات العربية المدفوعة بتوافق الأمزجة، إلى حديث حول عظمة الإسلام وتعاليمه التي تصلح لكل زمان ومكان وفضله على البشرية، وإلى الدعوة إلى الإيمان والرجوع لله كحل وحيد للخلاص من كورونا.

يقود ذلك للحديث التقليدي عن تهديد العلم للدين وبالعكس، فالموقف المتشنج في مواقع التواصل، والذي أخذ موقفاً دفاعياً مع الاقتباسات المتكررة من رجال دين يتحدثون في مقاطع فيديو عن الإعجاز العلمي في الإسلام أو عن الخلاص الذي تقدمه المسيحية، يرتبط بجذور الخطاب الديني نفسه كأداة للسلطة. إذ يحظى رجال الدين في المنطقة العربية بنفوذ كبير، بسبب طبيعة الأنظمة السياسية القائمة نفسها، التي تعتمد عليهم كحلقة وصل تسهّل السيطرة على عدد كبير من المواطنين دفعة واحدة، بسبب القدسية والاستقلالية المفترضة في نطاق عملهم، وبالتالي يصبح التشكيك في السلطة الدينية وتحرير العقل من سطوة النص الديني، ولو في فترة تمر بها البشرية ككل بأزمة حقيقية، تشكيكاً بتلك السلطة، وما تمثله من نفوذ ومصالح متشابكة.

وفي وقت يتم فيه الحديث عن مفصلية كوفيد-19 في تاريخ البشرية، وإمكانية تأثيره على النظام العالمي وإنهاء العولمة، فإن ذلك الجدل يبقى بعيداً من مجتمعات مستقبل الشرق الأوسط البدائية الغارقة في أوهام القداسة. وفي هذه المرحلة من انتشار المرض، حيث مازال العزل الذاتي هو الطريقة الوحيدة المتوافرة للحد من الفيروس، بانتظار كشف طبي قريب، فإن الإصابة به بسبب التزمت الديني تصبح شكلاً جديداً من أشكال الاصطفاء الطبيعي الذي لا يستوجب الشفقة بحد ذاته. والمشكلة فقط في العدوى التي ستنتقل وتنتشر ضمن دول تفتقر لأساسيات الرعاية الصحية وليست مهيأة لمواجهة هذه الظروف، ما يؤسس لكارثة إنسانية جديدة في منطقة منكوبة أصلاً.








سبحان الله كيف ربي حامينا وكل الدول المجاوره صابها هالمرض ماقول غير ربي يصرفه عنكم ولايجيبه حولنا ⁦❤️⁩⁦❤️⁩#كورونا_مرض_استغفر_ولاتسخر

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها