آخر تحديث:20:56(بيروت)
الأحد 22/03/2020
share

قمع العسكر.. ولا حرية "كورونا"

بتول خليل | الأحد 22/03/2020
شارك المقال :
قمع العسكر.. ولا حرية "كورونا" في الحالات التي تهدد البقاء تصبح أقل الأخطاء قاتلة (علي علوش)
الإجماع الذي أبداه اللبنانيون تجاه مقررات مجلس الوزراء بشأن اعتماد إجراءات أكثر تشدداً لضبط حركة التجول وتنظيمها في إطار الضرورات القصوى، خرقه تشكيك من البعض حول هذه الخطة الأمنية وتأثيرها على الحريات العامة، مبدين تخوفهم من أنّ يتم تمرير إجراءات قمعية بحق نشطاء ومواطنين تحت غطاء هذه الاجراءات.


وبدأ الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية الأحد دوريات في مختلف المناطق اللبنانية، تم من خلالها تسجيل مئات محاضر الضبط بحق مخالفي قرار حظر التجول، لا سيما الأشخاص الذين يمارسون الرياضة على الطرق العامة، إلى جانب انتشار وحدات من الجيش في إطار تنفيذ الخطة الالزامية القاضية بتطبيق قرارات الحكومة المتعلقة بمنع التجمعات وإقفال المؤسسات التي يشملها قرار التعبئة، واكبها تحليق مروحيات عسكرية لحثّ المواطنين على التزام منازلهم.

التحركات والإجراءات العسكرية التي شاهدها المواطنون عبر شاشات التلفزيون والصور والفيديوهات في مواقع التواصل، دفعت البعض إلى إبداء مخاوفهم من عسكرة شاملة لإجراءات الحظر، على نسق نماذج بعض الدول العربية، موجهاً النقاش باتجاه التركيز على مسألة ضرورة الحفاظ على حرية المواطنين وعلى صحتهم في الوقت نفسه من دون تعارض، في الوقت الذي برزت نقاشات أيّدت الإجراءات الحكومية واعتبرت أنّ هذا النقاش في الحالة الراهنة والظروف الدقيقة الطارئة يُعتبر في غير مكانه، انطلاقاً من كون الأولوية المطلقة في الوقت الحالي، يجب أن تركز على حماية صحة وحياة المواطنين في صراعهم مع البقاء في المعركة الحالية، واتخاذ إجراءات شاملة لمكافحة تفشي الفيروس وتبعاته.

كما أنّ ترف النقد والاعتراض على التشدد الذي تظهره الحكومة بالاجراءات المتبعة، من المفترض أن يلاقي كلّ الدعم، حيث أنّ التراخي، تحت أي مسوّغ كان، سيفوّت على لبنان فرصة الحدّ من انتشار الفيروس، الذي في حال تفشيه سيعرّض لبنان لأخطار تفوق بأهميتها أي اعتبار متعلّق بالحرية، في حين أنّ بقاء الوطن وسلامة المواطنين بمجملهم ستكون على المحكّ.

وفي حين أنّ بعض المخاوف التي يتم طرحها ومناقشتها تبدو في بعض جوانبها منطقية، من منطلق عدم الثقة بالطاقم السياسي والشك في كون بعض القرارات من الممكن أن يستغلها أهل الحكم، بغية تنفيذ أجندات لم تكن متاحة في الأوقات العادية، إلا أنّ خطورة الأزمة وفداحة تبعات إلقاء الشك على الإجراءات وعدم الالتزام بها، يجعل من الحرّي تحييد هذا النقاش جانباً في الوقت الراهن وعدم الخوض فيه، باعتبار أن الأولوية في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية هي لتكاتف جميع فئات الشعب ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب مع كافة أجهزة الدولة، لجهة الانصياع التام لتوجيهات العزل والحجر ومنع الخروج من المنازل إلا بحالات الضرورة القصوى، كون هذه الإجراءات هي الخيار والفرصة الوحيدة التي يمكن العمل عليها، كي لا نصل إلى نقطة الانهيار الكامل.

وعليه، يُشكّل التعاضد والاتحاد وتكاتف الأيدي، السلاح الأفعل لمواجهة فيروس "كورونا" الخطير، والذي ينشط دون كلل في العمل على تطوير نفسه والتكاثر بأشكال متعددة ووتيرة أسرع وأعلى وأكثر فتكاً. إذ إنّ التجربة الأوروبية، خصوصاً في إيطاليا واسبانيا، تشكّل مثالاً حيّاً وحاضراً على الكلفة الباهظة للتباطؤ أو الاستهتار أو عدم الحزم في التعامل مع الفيروس.

فالقرارات المتأخرة الناتجة عن التردد بإعلان إجراءات صارمة تحت ضغط خنق الحريات أو الحدّ منها أهدرت وقتاً كان من الممكن، لو تمّ استغلاله بشكل أفضل وتدارك عدم الحزم فيه، تلافي الكارثة التي وصلت تقريباً إلى نقطة اللاعودة، الأمر الذي يضيّق هوامش الخيارات، والاستفادة من التجربة الصينية التي تخطّت البيروقراطية بانتهاج قرارات صارمة وعادلة تُطبّق على الجميع دون تهاون أو استثناء.

ففي الحالات التي تهدد البقاء تصبح أقل الأخطاء قاتلة، ما يجعل نقاش الحريات في اللحظة الراهنة هو ترف يمكن التغاضي عنه مقابل خطورة الوضع الذي نواجهه في لبنان.

ولا يعني الانصياع لإجراءات الحكومة وتأييدها بالنسبة لتعاملها مع الفيروس بأننا انهينا خلافاتنا مع النظام وتركيبته الفاسدة أو غضّ الطرف عن عمليات النهب وسلب الحقوق، وعدم الالتفات إلى مساعي الحكومة الحالية للتماهي مع العهد لجهة ملاحقة الناشطين وقمع المغردين، ولا الدعوة إلى التغاضي عن كمّ الأفواه وحرية التعبير، إلا أنه في الوقت نفسه يبدو من الخطورة في مكان خلط الأولويات وعدم ترتيبها.

فالنضال وإعلاء الصوت في مسألة قضية الحريات، ليست معركة آنية أو محدودة بوقت أو زمان، لكنها تفقد معناها وأهميتها، في ما لو كانت تغذي الانقسام في لحظة الخطر الصحي ومواجهة الناس للموت، وهو الأمر الذي لم يغب عن الكثير من الناشطين ومطلقي الحملات التي انبعثت من رحم ثورة 17 تشرين، والتي نادت بتوجه نحو كل ما يمكننا من التخلص من كابوس "كورونا"، باعتباره الخطر الداهم الذي يستوجب التنبّه له، مع الدعوة إلى العودة إلى الشارع لاحقاً لاستئناف التحركات ضدّ النظام الفاسد تحت شعار "مش ناسيينكن".

مهما كانت درجة التشدد في الإجراءت ضدّ "كورونا"، والتي تقوم بها الحكومة اليوم، لن تصل بأي حال إلى سيناريوهات تودي بلبنان بتحوله إلى دولة عسكرية، لذا فإنّ ضرورة الوعي بأنّ مصادرة حرية المواطنين الآنية، والتي تصبّ لمصلحتهم، هي معادلة يجب القبول بها، والتعامل معها كمبادرة طوعية، في حين أنّ عدم الالتزام بها سيجعل من "كورونا"، عدو البشرية الأول في اللحظة الراهنة، سيفرض إيقاعه على كامل حياتنا ويزهق حريتنا ويسحق صحتنا وأرواحنا واحداً تلو الآخر، ما يجعل من مسألة تصويب النقاش باتجاه مطالبة الدولة بتأمين الحاجات الأساسية للمواطنين، من الغذاء والدواء، وتخفيف أعباء الحصار على الفقراء والمعدمين والمعوزين، هو الأولويات المطلبية الآن. وإذا كان من ضغط يجب أن يمارس على الحكومة فهو في هذا الاتجاه وليس من غيره.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها